ألف باء الإسلام: صفحة البداية→

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

كتاب الجهاد

باب فصل الجهاد والسيرّ

369- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِىَ اللهُ عنهما – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا.

لا هجرة بعد الفتح، أي لا هجرة واجبة من مكة إلى المدينة. وأما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فواجبة اتفاقاً. وكانت الهجرة من مكة واجبة في أول الأمر فراراً من الأذى وطلباً لسلامة الدين. ولكن جهاد ونية، أي نية في الخير تحصل بها الفضائل التي في معنى الهجرة. قال النووي: معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة، لكن حصلوه بالجهاد والنية الصالحة. قال: وفيه حث على نية الخير وأنه يثاب عليها. إذا استنفرتم فانفروا، أي إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه. وفيه دليل على أن الجهاد ليس فرض عين، بل فرض كفاية.

 370- عَنِ أَبَى هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ؟ قَالَ :لاَ أَجِدُهُ، قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلاَ تَفْتُر، َوَتَصُومَ وَلاَ تُفْطِرَ. قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنّ ُفِى طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ.

 يعدل الجهاد، أي يساويه ويماثله. قال: هل تستطيع...، أي ثم قال أيضاً صلى الله عليه وسلم. تفتر، أي تضعف. يقال أصابته فترة، أي ضعف. والمراد بالقيام قيام الليل بالصلاة والدعاء.

وهذا كله عبارة عن أن عمل المجاهد فوق عمل القائم والصائم. أي إذا استطعت إزاء عمل المجاهد أن تقوم قياماً متواصلاً وتصوم صوماً لا يعقبه إفطار، قاربت عمل المجاهد. يستن: من الاستنان، وهو العدو. وقال الجوهري: هو أن يرفع يديه ويطرحهما معاً. والطول، كعنب: الحبل المشدود به المطول له، ليرعى وهو بيد صاحبه. فيكتب له حسنات، أي فيكتب له استنانه حسنات.

 باب أفضل الناس مؤمن مجاهد

بنفسه في سبيل الله

371- عَنِ أَبَى سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رَضِىَ اللهُ عنه- قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَىُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ .قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ مُؤْمِنٌ فِى  شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِى اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ .

الشِّعب، بالكسر: هو ما انفرج بين الجبلين. وهذا على سبيل المثال لا للقيد بنفس الشعب، وإنما المراد العزلة والانفراد عن الناس، ولما كانت الشعاب يغلب عليها خلوها عن الناس ذكرت مثلا.

وفيما ذكر فضل العزلة والتفرد عند خوف الفتنة من المخالطة. وأما عند عدم الفتن فقال النووي: مذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل. ويدع الناس من شره، أي ويترك الناس من شره.

 372- عَنِ أَبَا هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عنه- قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: الْمُجَاهِدِ فِي  سَبِيلِ اللَّهِ  - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ  يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ .

 الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، أي بنية ذلك المجاهد، سواء كان جهاده خالصاً، أم لحب المال والدنيا واكتساب الذكر. كمثل الصائم القائم: هو كالصائم لأنه أمسك نفسه على محاربة العدو. وهو كقائم الليل لا يضيع ساعة من ساعاته بغير أجر. توكل الله له، أي تكفل له على وجه التفضل عليه. أن يدخله الجنة: بغير حساب ولا عذاب. أو غنيمة، أي وغنيمة، فأو فيه بمعنى الواو.

 باب درجات المجاهدين في سبيل الله

373- أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عنه- قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ  وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِى سَبِيلِ الله  أَوْ جَلَسَ فِى أَرْضِهِ الَّتِى وُلِدَ فِيهَا. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَفَلاَ نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ فِى الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله  لِلْمُجَاهِدِينَ فِى سَبِيلِ الله، مَا بَيْن َالدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ .

كان حقاً على الله: بطريق الفضل والكرم، لا بطريق الوجوب.

وفيه تأنيس لمن حرم الجهاد. أنه ليس محروماً من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة وإن قصر عن درجات المجاهدين. ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض: كأن المراد لاتبشر بما ذكرته من دخول الجنة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه فيقفوا عند ذلك ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل بالجهاد. وذكر ما بين السماء والأرض مثل لشدة التفاوت بين تلك الدرجات. أوسط الجنة، أي أفضلها، كما في قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً".

374- عَنْ سَمُرَةَ: قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِى  فَصَعِدَا بِى الشَّجَرَةَ ، وَأَدْخَلاَنِى دَارًا هِىَ أَحْسَن ُوَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا قَالاَ أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ .

 سمرة: هو سمرة بن جندب رضي الله عنه. رجلين، أي ملكين، وهما جبريل وميكائيل. وفيه دلالة على أن منازل الشهداء أرفع المنازل.

باب الغدوة والروحة في سبيل الله

375- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عنه - عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَقَابُ قَوْسٍ فِى الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ. وَقَالَ: لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ.

 قاب القوس، هو مقدار ما بين الوتر والقوس، أو قدر طولها، أو ما بين السية (طرفي القوس) والمقبض. الغدوة: الخروج في أول النهار. والروحة: الخروج من زوال الشمس إلى غروبها. قال العيني: و هذا منه صلى الله عليه وسلم إنما هو على ما استقر في النفوس من تعظيم ملك الدنيا. وأما التحقيق فلا تدخل الجنة مع الدنيا تحت "أفعل"  إلا كما يقال: العسل أحلى من الخل. 

باب الحُور العين

376- عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: لَرَوْحَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِى سَوْطَهُ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .

 قيد- يعني سوطه: قال القسطلاني: تفسير للقيد غير معروف، ومن ثم جزم بعضهم بأن الصواب "قِّد" بكسر القاف وتشديد الدال، وهو السوط المتخذ من الجلد، وأن زيادة الياء تصحيف. لأضاءت ما بينهما، أي ما بين السماء والأرض. النصيف: خمار المرأة. وانظر تفسير باقي ألفاظ الحديث إلى هنا في شرح الحديث السابق.

 باب تمني الشهادة

377- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ  يَتَخَلَّفُوا عَنِّى وَلاَ أَجِدُ مَاأَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ  تَغْزُو فِى سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ .

السرية: قطعة من الجيش، نحو أربعمائة. تغدو، من الغدو، ويروى: "تغزو". في صدر الحديث تعزية لمن حرم الجهاد، لعجزه عن آلة السفر وتعذر وجوده عند النبي صلى الله عليه وسلم. وفي آخره تشجيع للغزاة، وبيان لفضل الجهاد. كأنه قال: الوجه الذي تسيرون إليه فيه من الفضل ما أتمنى لأجله أن أقتل مرات.

 باب من أصابه سهم غرب فقتله

 378- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِىَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، أَلاَ تُحَدِّثُنِى عَنْ حَارِثَةَ- وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِى الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِى الْبُكَاءِ. قَالَ يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ  أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى.

 أم الربيع بنت البراء: الصواب أنها أم الربيع بنت النضر بن ضمضم. غرب: هو إما صفة لسهم أو مضاف إليه، وهو الذي لا يدرى من رماه. وكان ذلك يوم بدر. فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك: إنما شَّكت فيه لأن العدو لم يقتله قصداً، وكـأنها فهمت أن الشهيد هو الذي يقتل قصداً لأنه الأغلب، فنزل الكلام على الغالب، حتى بيّن لها الرسول العموم. اجتهدت في البكاء: كان هذا قبل تحريم النوح عقيب غزوة أحد، فليس فيه دلالة على جوازه. الضمير في "إنها" مبهم يفسره قوله بعد "جنان في الجنة". الفردوس: البستان.

باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا

379- عَنْ أَبِى مُوسَى- رَضِىَ اللهُ عنه – قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: الرَّجُلُ  يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ  يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ  يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ . 

جاء رجل: هو لاحق بن ضميرة الباهلي. للذكر، أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة. مكانه، أي منزلته ومرتبته في الجرأة والشجاعة.

 باب من اغبرت قدماه في سبيل الله

 380- عَنْ أَبِى عَبْسٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :مَا اغْبَرَّتْا قَدَمَا عَبْدٍ فِى سَبِيل ِاللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ.

 المراد باغبرار القدمين أدنى سعي يسعاه المقاتل المجاهد، و إذا كان مس الغبار للقدمين بأدنى السعي منقذاً من النار فكيف بأعلاه واستفراغ الجهد وبذل النفس؟! و "ما اغبرتا" هذه الرواية على اللغة القليلة وهي المعروفة بلغة أكلوني البراغيث. وروى أيضاً: "ما اغبرت" على اللغة الكثيرة. 

باب تمنى المجاهد أن يرجع إلى الدنيا

381- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ.

 وله ما على الأرض من شيء، أي له كل ما على الأرض. وفي رواية لمسلم: "وإن له الدنيا وما فيها". لما يرى من الكرامة، أي من الكرامة للشهداء. قال ابن بطال: هذا الحديث أجلُّ ماجاء في فضل الشهادة.

باب الصبر عند القتال

 382-كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا.  

إذا لقيتموهم، أي الكفار عند الحرب والمصافة. فاصبروا، أي اصبروا على القتال ولا تنصرفوا. وإنما يباح الانصراف إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين، ويباح أيضاً إذا كان لإعداد كمين أو خروج من مضيق مهلك إلى سعة من الأرض، نأياً عن الهلاك أو نحو ذلك.

باب التحريض على القتال

383- عَنْ أَنَسٍ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْخَنْدَقِ، فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِى غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَال:

 اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ  فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ

 فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:

 نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا  عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا  أَبَدَا. 


النصب، أي التعب. إن العيش، أي عيش المعتبر أو الباقي المستمر.

الرجز لعبد الله بن رواحة، تمثل به رسول الله، مع بعض التغيير. ويروى: ((لاهم)) بدون الخزم، أي الزيادة على أول البيت حرفاً فصاعداً إلى أربعة. ويروى أيضاً: "فاغفر الأنصار" بدون لام. ويروى: "فأكرم الأنصار".

وفي الحديث أن للحفر في سبيل الله، وتحصين الديار وسد الثغور منها، أجراً كأجر القتال. وفيه استعمال الرجز والشعر إذا كان فيه تشجيع للنفوس، ولإثارة للأنفة والحمية.

 باب فضل من جهز غازياٌ أو خلفه بخير

 384- عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - رَضِىَ اللهُ عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا ، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا

 جهز: من التجهيز، وهو تهيئة أسباب السفر بكل شيء، قليلا كان أو كثيراً، حتى السلك والإبرة. فقد غزا، أي له مثل أجر الغازي. خلفه، أي صار خليفته في أهله، وعياله يرعاهم ويقضي مآربه زمان غيبته.

385- عَنْ أَنَسٍ - رَضِىَ اللهُ عنه - أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّى أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِى. 

 أم سليم: هو أم أنس بن مالك. فقيل له، أي سئل: لم تخص أم سليم بكثرة الدخول إليها؟ قتل أخوها معي، أي في عسكري وطاعتي. وأخوها هو حرام بن ملحان، قتل يوم بئر معونة. فكان صلى الله عليه وسلم يخلف أخاها في أهله بخير بعد وفاته. 

باب فضل الطليعة

 386- عَنْ جَابِرٍ - رَضِىَ اللهُ عنه – قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ يَأْتِينِى بِخَبَرِ الْقَوْمِ يَوْمَ الأَحْزَابِ؟ فقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَأْتِينِى بِخَبَرِ الْقَوْمِ. فقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِكُلِّ نَبِىٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِىَّ الزُّبَيْرُ.

 القوم: هم بنو قريظة من اليهود. يوم الأحزاب: لما اشتد الأمر. وذلك أن الأحزاب من قريش وغيرهم لما جاءوا إلى المدينة وحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق، بلغ المسلمين أن بني قريظة، من اليهود، نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشاً على حرب المسلمين. الزبير: ابن العوام القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة. الحواري: الخاصة من الأصحاب. وحواريَّ: مضاف إلى ياء المتلكم. روى بكسر الياء على القياس، وبفتح الياء على أنهم حين استثقلوا ثلاث ياءات حذفوا ياء المتكلم وأبدلوا من الكسر فتحة. 

باب الخيل معقود في نواصيها الخير

387- عَنِ عبدِ اللهِ عُمَرَ- رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: قَالَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِى نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

الخيل: عام أريد به الخصوص، أي الخيل الغازية في سبيل الله. والنواصي: جمع ناصية، وهي الشعر المسترسل من مقدم الفرس. وخص النواصي بالذكر لأن العرب تقول غالباً: فلان مبارك الناصية، فيكنى به عن الإنسان. يريد أن من ارتبطها كان له خير عاجل، وهو ما يصيب في بطونها من النتاج، وما يصيبه على ظهرها من الغنائم؛ وخير آجل، وهو الثواب في الآخرة.

 باب الخيل لثلاثة

 388- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْخَيْلُ لِثَلاَثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِى لَهُ أَجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ فِى مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِى طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ. وَرَجُلٌ رَبَطَها تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ تَعالىَ فى رِقابِها وَلا ظُهورِها، فَهِىَ لِذَلِكَ سِتْرُ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلاَمِ فَهْىَ وِزْرٌ عَلَى ذَلِكَ .

 أجر، أي ثواب. ستر، أي ساتر لفقره و حاله. على ذلك. وزر، أي إثم وثقل. ربطها في سبيل الله، أي أعدها للجهاد. أطال بها، أي أطال الحبل الذي ربطها به حتى تسرح للرعي. والمرج: موضع الكلأ، تمرج فيه الدواب حيث شاءت. الطَيل والطول، بكسر ففتح فيهما: حبل طويل يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس، ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه. استنت، من الاستنان، وهو العَدْو. والشرف: الشوط. آثارها: جمع أثرها، والمراد أثر خطواتها في الأرض بحوافرها، أو أي أثر كان. لم يرد، أي لم يقصد. ويفهم منه أنها لو شربت وهو يقصد سقيها كانت الحسنات مضاعفة له أضعافاً. تغنياً، أي استغناء عن الناس. تعففاً، أي لأجل تعففه عن سؤال الناس بما يعمل عليها، ويكتسب على ظهورها، ويتردد عليها إلى متاجره ومزارعه. حق الله في رقابها: أن تؤدي عنها الزكاة، وفي ظهورها: ألا يحمل عليها مالا تطيقه، وأن يغيث بها الملهوف. النواء: مصدر ناوأه يناوئه مناوأة ونواء، وهي المعاداة.

باب الركوب على الدابة الصعبة

والفحولة من الخيل

389- عَنْ أَنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِىَ اللهُ عنه قَالَ: كَانَ كانَ بِالمَدِينَةِ فَزَعُ، فاسْتَعارَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا لأبِي طَلْحَةَ، يُقالُ لَهُ: مَندوبٌ، فَرَكِبَهُ وقال: ما رَأَيْنا مِنْ فَزَع، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا.

 الفزع: الخوف، والمراد خوف العدو. أبو طلحة: هو زيد بن سهل، زوج أم أنس. يقال له مندوب: قيل سمى بذلك، من الندب، بالتحريك، وهو الرهن الذي يجعل في السباق. وقيل سمي بذلك لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح. البحر: الفرس الواسع الجري. وإن هذه هي المخففة من الثقيلة بعدها اللام التي يسمونها الفارقة. ومذهب الكوفيين في مثل هذا أنها إن النافية، واللام بعدها بمعنى إلا، أي ما وجدناه إلا بحراً.

وفي تعليق البخاري عن راشد بن سعد التابعي، أن السلف من الصحابة كانوا يستحبون الفحولة من الخيل للركوب والجهاد، لأنها أجرأ وأجسر. وليس هذا على إطلاقه؛ فمن المعروف أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات، ولما خفي من أمور الحرب. وأما الفحول فيستحبونها في الصفوف والحصون، ولما ظهر من أمور الحرب.

390- عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رَضِىَ اللهُ عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِه سَهْمًا.

 ولصاحبه سهماً، أي غير سهمي الفرس، فيصير للفارس ثلاثة أسهم.

 391- عَنْ أَنَسٍ - رَضِىَ اللهُ عنه: اسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَرَسٍ عُرْىٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِى عُنُقِهِ سَيْفٌ. 

 استقبلهم صلى الله عليه وسلم على فرس: ذلك لما فزعوا ليلة بالمدينة، وكان قد سبقهم إلى الصوت. الفرس العرى: الذي ليس له سرج ولا أداة. وكان صلى الله عليه وسلم قد استعاره من أبي طلحة، كما مر في الحديث رقم 389. في عنقه سيفه، أي سيف معلق.

وفي هذا الحديث بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع والفروسية البالغة.

392- عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِىَ اللهُ عنهما – قَالَ: أَجْرَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم مَا ضُمِّرَ مِنَ الْخَيْلِ مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَجْرَى مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِى زُرَيْقٍ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرَى.

 أجرى الخيل، أي سابق بينهما. الحفياء: مكان خارج المدينة. ثنية الوداع: سميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها. بنو زريق: هم قبيلة من الأنصار، وأضيف المسجد إليهم لصلاتهم فيه، فالإضافة إضافة تعريف لا إضافة ملك.

باب حمل الرجل امرأته في الغزو

 دون بعض نسائه

 

393- عَنِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ يَخْرُجُ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم. فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِى غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِى، فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ.  

أقرع بينهم، أي استعمل معهن القرعة للاختيار تطييبا لنفوسهن. في غزوة: هي غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست. بعدما أُنزل الحجاب، أي الأمر به.

394- عَنْ أَنَسٍ - رَضِىَ اللهُ عنه – قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِى بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ .

 انهزم الناس عن النبي: وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه من صحابه إلا اثنا عشر رجلا. وكان سبب انهزامهم اشتغالهم بغنيمة الكفار لما هزمهم المسلمون. أم سليم: هي أم أنس. الخدم: جمع خَدَمَة، وهي الخلخال. والسوق: جمع ساق. النقز: الوثب والقفز. والقرب: منصوب على نزع الخافض، أي تنقزان بالقرب: أو القرب: مرفوع مبتدأ، خبره: على متونهما. ويروى: "تنقزان القرب من أنقز، أي حرك، وذلك لشدة وثبهما. تفرغانه، أي تفرغان الماء في القرب.

وفي الحديث أن إعانتهما للغزاة غزو، كما أنهما بثباتهما للمدواة وسقي الجرحى، في موقف دفاع عن أنفسهما، وهو ضرب من القتال. 

باب مداوة النساء الجرحى في الغزو

 395- عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم نَسْقِى ، وَنُدَاوِى الْجَرْحَى،  وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ.

كنا نسقى: أي كنا نغزو ونسقي الصحابة المحاربين. نرد القتلي إلى المدينة: أي نرجع القتلى، وننقلهم من ميدان المعركة إلى المدينة ليدفنوا فيها. 

باب الحراسة في الغزو في سبيل الله

396- عَنِ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عنها - كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: لَيْتَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِى صَالِحًا يَحْرُسُنِى اللَّيْلَةَ! إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلاَحٍ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ، جِئْتُ لأَحْرُسَكَ. فَنَامَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم.

 سهر: أي للحراسة.

وفي رواية مسلم: "فبينما نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نام".
397- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ: إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ. تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ. طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِى السَّاقَةِ كَانَ فِى السَّاقَةِ. إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ.
تعس
، أي انكب على وجهه، أو بعد، أو هلك، أو شقي. دعا عليه بالتعس. الخميصة: كساء أسود مربع له أعلام وخطوط. يعني أن طلب ذلك قد استعبده، وصار عمله كله في طلبها كالعبادة لها. فهو كناية عن الحرص وتحمل الذل لأجل ذلك كله.

إن أعطى.. وإن لم يعط، أي إن ظفر بما حرص عليه رضي عن خالقه، وإن لم يظفر سخط ولم يرض. شيك: أصابته شوكة. انتقش: أي خرجت شوكته بالمنقاش وهو ما تستخرج به الشوكة من البدن. طوبى: مؤنث أطيب، أي أطيب منزلة. وطوبى أيضًا: اسم الجنة، أو شجرة فيها.

العنان: اللجام. شعث الرأس: تلبد شعره واغبراره. المراد بالحراسة: حراسة العدو خوفًا من هجومه. الساقة: مؤخرة الجيش. وفي اتحاد  الشرط والجزاء في هذا وسابقه دلالة على فخامة الجزاء وكماله، أي فهو في أمر عظيم. كما في نحو: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله))، أو المراد أنه يطيع نظام الحرب لا يتعداه، عاملا على الطاعة فيما وجه إليه من مكانه في الحرب. وقال ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو، فأي موضع اتفق له كان فيه. لم يشفع: أي لا تقبل شفاعته عند الناس على حين يكون عند الله شفيعًا مشفعاً. والمعنى أن القدر الحقيقي للمجاهد لا يقاس بمنزلته الدنيوية بين المجاهدين، بل قد يكون قدر الجندي عند الله أعلى من قدر قائده.
 

باب فضل رباط يوم في سبيل الله

398- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ - رَضِىَ اللهُ عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: رِبَاطُ يَوْمٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا. وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.
رباط يوم
: أي ثواب رباط يوم. والرباط: مصدر رابط. والرباط: مراقبة العدو في الثغور المتاخمة لبلادهم، بحراسة من بها من المسلمين. خير من الدنيا وما عليها: أي لو ملكه إنسان وتنعم به، لأنه نعيم زائل، بخلاف نعيم الآخرة فإنه باق.

وإنما خص السوط دون سائر ما يقاتل به لأنه الذي به يسوق الفرس للزحف، فهو أقل آلات الجهاد. ومع كونه تافهًا في الدنيا فمحله في الجنة، أو ثواب العمل به في الجنة. والروحة: المرة من الرواح، وهو المسير فيما بين الزوال إلى الليل. والغدوة: المرة من الغدو، وهو السير من أول النهار إلى الزوال.

  باب اللهو بالحراب ونحوها

399- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رَضِىَ اللهُ عنه – قَالَ: بَيْنَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَهْوَى إِلَى الْحَصَى، فَحَصَبَهُمْ بِهَا، فَقَالَ: دَعْهُمْ يَا عُمَرُ .
أهوى
، أي مد يده ليأخذها. حصبهم بها أي رماهم بها، وذلك لعدم علمه بحكمة ذلك، وظنه أنه من باطل اللهو. دعهم يا عمر: أي اتركهم يلعبون، ليتدربوا على مواقعة الحروب والاستعداد للعدو.

وفيه أن من تأول فأخطأ فلا لوم عليه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يلم عمر، إذ كان متأولا. وفيه جواز مثل اللعب في المسجد.
 

باب ما جاء في حلية السيوف

 400- عن أَبَى أُمَامَةَ قال: لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلاَ الْفِضَّةَ ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُمُ الْعَلاَبِىَّ وَالآنُكَ وَالْحَدِيدَ .
أبو أمامة
: هو صدى بن عجلان الباهلي. العلابى: جمع علباء بالكسر، وهو عصب في عنق البعير يشقق ثم يشد به أسفل جفن السيف وأعلاه، ويجعل في موضع الحلية منه.

الآنك بمد الهمزة وضم النون، وهو الرصاص. وقال المهلب: إن الحلية المباحة من الذهب والفضة في السيوف إنما كانت ليرهب بها العدو، فاستغنى الصحابة بشدتهم على العدو وقوتهم في أعيانهم – أي أشخاصهم – في الإيقاع بهم، والنكاية لهم.