ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

كتاب بدء الخلق

433- عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضي الله عنهما – قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَقَلْتُ نَاقَتِى بِالْبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ. قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ. قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالُوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ. قَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شيء، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ. فَنَادَى مُنَادٍ ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ. فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. 

عقلتها أي: شددتها بالعقال، وهو الحبل يثني به وظيف (مستدق الذراع أو الساق) الدابة مع ذراعها ويشد في وسط الذراع. اقبلوا البشرى أي: اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة، بمعرفة أصول العقائد والتفقه في الدين. قد بشرتنا فأعطنا مرتين أي: قد علمنا ما به البشرى، ولكن ما جئنا للاستعطاء فأعطنا من المال مرتين. جئنا نسألك عن هذا الأمر: يفهم من الجواب التالي أنهم سألوه عن بدء الخلق. كان عرشه على الماء أي: بعد أن خلق العرش جعله على الماء. كتب أي: قدر. والمراد بالذكر اللوح المحفوظ؛ لأنه محل الذكر. فانطلقت…السراب: أي: انطلقت خلفها لأطلبها. فإذا السراب يحول بيني وبين رؤيتها. والسراب: ما يراه السائر في الفلاة نصف النهار كأنه ماء. فوالله لوددت: تمني أن يكون قد بقي في مكانه لم يبرحه قبل أن يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فهو يتأسف على ما فاته من ذلك.

 434- عن عُمَرَ - رضي الله عنه – قال: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. 

 قام مقاما: يعني على المنبر. والمقام: موضع القيام، والمجلس. فأخبرنا أي: من بدء الخلق حتى انتهي إلى دخول أهل الجنة الجنة. أخبرهم بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت، إلى أن تفنى، إلى أن تبعث.

 باب صفة الشمس والقمر

435- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصَلُّوا.

 لا يخسفان: أي: لا يذهب الله نورهما. وتقرأ أيضا "يخسفان" بالبناء للمفعول. و"يخسفان" تعبير من قبيل التغليب للقمر، لتذكيره، على الشمس لتأنيثها، لأن الخسوف في أصله خاص بالقمر، كما أن الكسوف خاص بالشمس،

وهذا رد على من زعم أن الشمس تكسف لموت عظيم أو شريف أو ذي شأن. وقد روي من حديث المغيرة بن شعبة: أن الشمس كسفت لموت إبراهيم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته". وكان موت إبراهيم في السنة العاشرة من الهجرة. وقد عمم، النفي في قوله " ولا لحياته" دفعا لأقصى حدود التوهم. ومن الثابت في العلم أن الخسوف والكسوف من الطبيعية الناجمة من تغير مواضع الشمس والقمر والأرض، بعضها بالنسبة للبعض. فإذا وقع القمر بين الأرض والشمس حدث للشمس كسوف، وإذا وقعت الأرض بين القمر والشمس حدث للقمر خسوف. آية من آيات الله أي: العلامات الدالة على عظيم قدرة الله، وفيها تنبيه شديد للغافلين. فإذا رأيتموها فصلوا أي: إذا رأيتم واحدا منهما؛ لأن الخسوف والكسوف لا يجتمعان في وقت واحد. وصلاة الكسوف والخسوف تكفلت بها كتب الفقه.

باب ذكر الملائكة

436- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه – عن النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قال: الْمَلاَئِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ، مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ، فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ { عِبَادِي } فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ يُصَلُّونَ.

 يتعاقبون أي: يأتي بعضهم عقب بعض، بحيث إذا نزلت طائفة منهم صعدت الأخرى. ويروى: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". وفي تأويل الرواية خلاف نحوي ليس هذا موضعه. يجتمعون في الصلاة: المراد حضورهم مع المصلين في الجماعة في هذين الوقتين، تكرمة للمؤمنين ولطفا بهم، لتكون شهادتهم بأحسن الثناء وأطيب الذكر. وكان من تمام النعمة ألا يجتمعوا مع المؤمنين في حال خلوتهم بلذاتهم، وإنهماكهم في شهواتهم. يعرجون من العروج، وهو الصعود. وهو أعلم أي: أعلم بالمصلين من الملائكة. وإنما يسأل الملائكة تبعدا لهم، كما تعبدهم بكتابة أعمال المؤمنين.

إنما زادوا في الجواب على السؤال فذكروا حالهم عند إتيانهم إليهم إظهارا لفضيلة المصلين، وحرصا على ذكر ما يوجب مغفرة ذنوبهم. ويروى: "تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون".

437- عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها – قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأي رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ، وَلَكِنْ قَدْ رَأي جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ، وَخَلْقُهُ سَادٌّ مَا بَيْنَ الأُفُقِ.

أعظم أي: دخل في أمر عظيم، أو معناه أعظم على الله الكذب. وفي رواية مسلم: "فقد أعظم على الله الفرية"، وهي الكذب. قال القسطلاني: والجمهور على ثبوت رؤيته عليه السلام لربه بعيني رأسه، ولا يقدح في ذلك حديث عائشة رضي الله عنها. إذ لم تخبره أنها سمعته عليه السلام يقول: لم أر ربي، وإنما ذكرت متأولة لقوله تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب"، ولقوله تعالى: "لا تدركه الأبصار". وقال العيني: "إن أنكار عائشة رضي الله عنها الرؤية لم تذكرها رواية؛ إذ لو كان معها رواية فيه لذكرته، وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات. وقال الماوردي: قيل إن الله قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى عليها الصلاة والسلام، فرآه محمد مرتين، وكلمه موسى مرتين". في صورته وخلقه أي: في هيئته وحقيقته. ما بين الأفق أي: ما بين آفاق السماء، ونواحيها.

438- عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَأَيْنَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)؟ قَالَتْ: ذَاكَ جِبْرِيلُ، كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، وَإِنَّما أَتَى هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ الأُفُقَ.

 الآيتان: 9،8 من سورة النجم. تدلى: نزل. قاب قوسين أي: قدر قوسين عربيتين، وقيل: أراد قابي قوس، فقلب اللفظ، ويكون القاب فيه القوس، وهو ما بين المقبض والسية أي: رأس القوس، ولكل قوس قابان. ذاك جبريل أي: ذاك المتدلي هو جبريل، أو ذاك الدنو إنما هو دنو جبريل: كان يأتيه أحيانا في صورة دحية الكلبي، وتارة في صورة أعرابي. ورآه أيضا في صورته مرة أخرى عند سدرة المنتهي.

 باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة

439- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنَ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنَ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شئتم: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ).  

ما لا عين رأت أي: الذي لم تره عين قط، أو شيئا لم تره عين. ولا خطر على قلب بشر أي: ولا وقع في فكر إنسان. وإنما خص البشر لأنهم هم الذين ينتفعون بما أعد لهم ويهتمون بشأنه. الآية: 17 من سورة السجدة. قرة العين: ما ترضى به وتبرد، مأخوذة من القر، وهو البرد. قال الزمخشري: أي: لا تعلم النفوس كلهن ولا واحدة منهن، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي: نوع عظيم من الثواب ادخره لأولئك وأخفاه عن جميع خلائقه.

440- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا، وَلاَ يَمْتَخِطُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنَ الْحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا.  

الزمرة: الجماعة، وجمعها زُمَرٌ بفتح الميم. تلج: تدخل، ولج يلج ولوجا. صورة القمر ليلة البدر أي: في الإضاءة والإشراق والحسن. لا يبصقون ولا…: من البصاق والمخاط والغائط. الأمشاط: جمع مشط، بتثليث الميم، وضمها أفصحهن. وإنما يمتشطون للزينة والرفاهية، لا تخلصا من أذى. المجامر: جمع مجمرة، وهي المبخرة يوضع فيها الجمر ليفوح به ما يوضع فيها البخور. والمراد وقود مجامرهم، كما ورد في رواية أخرى، والألوة بفتح الهمزة وتضم، وبضم اللام وتشديد الواو، وهي العود الهندي الذي يتبخر به. رشحهم أي: عرقهم: كالمسك في طيب الرائحة. زوجتان: من نساء الدنيا. والتثنية بالنظر إلى أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان؛ إذ أن للمؤمنين في الجنة أكثر من اثنتين. المخ: ما في داخل العظم. والسوق: جمع ساق أي: يرى ما في داخل العظم من وراء اللحم والجلد، وذلك للحسن والصفاء البالغ، ورقة البشرة ونعومة الأعضاء. لا اختلاف ولا تباغض: لصفاء قلوبهم كذلك وسلامتها من الأكدار. قلوبهم قلب واحد أي: كقلب واحد، لا خلاف بينهم. بكرة وعشيا أي: في أول النهار وآخره. والمراد مقدار البكرة والعشي؛ إذ لا شروق هنالك ولا غروب.

 441- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءُونَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَيُونَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ. 

 يتراءيون بوزن يتفاعلون، من الرؤية وهذا تسجيل لمرحلة صرفية في "يتراءون". الدري: الشديد الإضاءة. والغابر: الباقي في الأفق بعد انتشار ضوء الفجر. وإنما يستنير في ذلك الوقت الكوكب الشديد الإضاءة. وفي رواية الموطأ: "الغائر"، وهو الداخل في الغروب الذي انحط من الجانب الغربي. وفي رواية الترمذي: "الغارب". من المشرق أو المغرب أي: الذي بقي في جهة الشرق أو الغرب، وذلك لبعدهما. بلى أي: نعم، هي منازل الأنبياء، ولكن قد يتفضل لله تعالى على غيرهم بالوصول إلى تلك المنازل.

باب صفة النار وأنها مخلوقة

442- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. قَالَ فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا.

 ناركم جزء من سبعين…: أي: تفوقها نار جهنم سبعين ضعفا، وقيل: معناه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها الآدميون لكانت جزءا من أجزاء نار جهنم. أو لو جمع حطب الدنيا وأوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو سبعين جزءا أشد منه. والمراد تصوير شدة نار الآخرة. إن كانت لكافية أي: إن نار الدنيا كافية في إحراق الكافرين وتعذيب الفاسقين، فهلا كانت هذه النار كافية. فضلت عليهن أي: على نيران الدنيا، وإنما أعاد حكاية التفضيل والموازنة لتأكيد شدة عذابها.

باب صفة إبليس وجنوده

443- عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ - أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ فَحُلُّوهُمْ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا.

 استجنح الليل أي: أقبل ظلامه. جنح الليل، بتثليث الجيم: طائفة منه. وكان هنا تامة. كفوا صبيانكم أي: ضموهم وامنعوهم من الانتشار في ذلك الوقت. الشياطين تنتشر حينئذ، قالوا: لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية. خلوهم أي: اتركوهم. وفي رواية: "فحلوهم" بالمهملة أي: أطلقوهم. أغلق بابك أي: ليغلق كل واحد بابه. وأطفئ مصباحك، وذلك خوفا من الفأرة أن تجر الفتيلة، فتحرق البيت. والمراد بالمصباح ما كان معروفا عندهم في أيامهم مما يوقد بالزيت والشحم ونحوه. السقاء: وعاء من الجلد للبن أو الماء. والوطب للبن خاصة، والنّحي للسمن، والقربة للماء. أوكاه: شده بالوكاء، وهو ما يشد به فم القربة ونحوها. التخمير: التغطية، وذلك وقاية له من الحشرات والأوبئة. تعرض بكسر الراء وضمها أي: تجعله عليه عرضا، والمراد بالشيء العود ونحوه من خشبة أو ورقة. والأمر في هذا كله للإرشاد لا للوجوب.

444- عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ حُيَيٍّ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ، فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي. وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا - أَوْ قَالَ: - شَيْئًا.

 راوية الحديث هي صفية بنت حُيي بن أخطب، زوج رسول صلوات الله عليه. كان معتكفا: للتعبد في المسجد. فانقلبت: من الانقلاب بمعنى الرجوع. ليقلبني أي: ليرجعني إلى بيتي. رجلان من الأنصار: قيل: هما أسد بن حضير، وعباد بن بشر. أسرعا أي: أسرعا في المشي حياء منهما. على رسلكما أي: على هينتكما؛ فما هناك شيء تكرهانه. سبحان الله أي: تنزه الله عن أن يكون رسوله متهما بما لا ينبغي. يجري الشيطان مجرى الدم: تمثيل لكثرة وسوسته، فكأنه لا يفارق الإنسان ما دام حيا، كما لا يفارقه دمه كذلك. وقيل: إنه يلقي وسوسته في مسام لطيفة من البدن بحيث يصل إلى القلب. وإني خشيت أن يقذف في قلبكما سوءا: خشي عليهما من الهلكة؛ فإن سوء الظن بالأنبياء كفر.

وفي الحديث التحرز عن سوء الظن بالناس، وفيه كذلك مظهر من مظاهر شفقة الرسول الكريم على أمته.

445- عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللاَّتِى كُنَّ عِنْدِى، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ. قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ. ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي، وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟! قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ.

 نساء من قريش: كن من أزواجه، كما ذكر القسطلاني. يستكثرنه: يطلبن كثيرا من كلامه وأجوبته، أو يطلبن الكثير من النفقة. عالية أصواتهن، لعل ذلك كان من طبعهن، أو كان قبل تحريم رفع الصوت على صوته، أو لكثرتهن حدث اللغط والضجيج. يبتدرن الحجاب أي: يتسارعن إلى الحجاب هيبة من عمر. أضحك الله سنك: يريد لازم الضحك، وهو السرور. أي: عدوات أنفسهن أي: يا عدوات أنفسهن. وهذه العبارة على سبيل الدعابة. أنت أفظ وأغلظ: ليس المراد بالتفضيل هنا الموازنة والمقارنة، بل المراد وصفه بشدة الفظاظة والغلظة. أو التفضيل هنا مجرد من معنى الزيادة، كما في قوله تعالى: "أعلم بكم" أي: عالم بكم. الفج: الطرق الواسع، وقيل هو الطريق بين الجبلين.

وفي الحديث بيان لفضل لين الجانب والرفق. وفيه بيان لفضل عمر بشهادة الرسول. وفيه صورة كريمة لحلم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك وجوب الاستئذان.