ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

 كتاب المناقب

باب مناقب قريش

 466- عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ، وَهْوَ عِنْدَهُ فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلاَ تُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيِّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلاَّ كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ.

 الملك المشار إليه هو أبو اليمن جميعا، وهو قحطان بن عامر بن شالخ. تؤثر: تروى. الأمان: جمع أمنية، وهي ما يتمني أي: ما يأمله المرء. إن هذا الأمر أي: الخلافة. كبه: قلبه، والمراد صرعه. ما أقاموا الدين أي: مدة إقامتهم للدين أي: عملهم به وحمايتهم له. وهذا القيد حجة على من زعموا أن الخلافة لا تكون إلا في قريش. 

467- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَأَشْجَعُ وَغِفَارُ مَوَالِي لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى، دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.  

قريش: هم بنو النضر، أو فهر بن مالك بن النضر. الأنصار: هم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة. جهينة: ابن زيد بن ليث بن سود. مزينة: بنت كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان، من قضاعة. أسلم: ابن أفصى بن حارثة. وأفصى هو خزاعة. أشجع: ابن ريث بن غطفان بن قيس عيلان بن مضر. غفار، بكسر الغين، بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة. مواليّ، بتشديد الياء أي: أنصاري المختصون بي؛ وذلك لأنهم ممن سبقوا إلى الإسلام فلم يجر عليهم سباء ولا رق كغيرهم من العرب.

 باب ذكر قحطان

 468- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ.

 رجل من قحطان: قيل: يكون اسمه جهجاه بن قيس الغفاري. وانظر الحديث التالي. يسوق الناس بعصاه: كناية عن الملك، كالراعي الذي يسوق غنمه بالعصا. وذكروا أن خروجه يكون بعد المهدي، وأنه يسير سيرته.

 باب ما ينهي من دعوى الجاهلية

 469- عَنْ جَابِر - رضي الله عنه – يَقُولُ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ، فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى تَدَاعَوْا، وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ ثُمَّ قَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟ فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا؟ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ أَلاَ نَقْتُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْخَبِيثَ لِعَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.

 جابر: ابن عبد الله الأنصاري. الغزوة كانت غزوة المريسيع، وكانت سنة ست. ثاب: اجتمع، أو رجع. لعّاب أي: مزّاح، صيغة مبالغة من اللعب، وقيل: كان يلعب بالحراب كالحبشة. واسم هذا الرجل جهجاه بن قيس الغفاري، وكان أجير عمر بن الخطاب. وانظر الحديث السابق. كسعه أي: ضربه على دبره، والأنصاري هذا هو سنان بن وبرة الخزرجي. تداعوا أي: استغاثوا بالقبائل يستنصرونهم، على عادة أهل الجاهلية. دعوها أي: اتركوا دعوى الجاهلية. عبد الله بن أبي بن سلول: هو رأس المنافقين. وسلول: أسم أمه. الأعز: يعني نفسه ورهطه. و الأذل، يريد به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهو ما حكاه الله سبحانه في الآية 8 من سورة المنافقين. ألا نقتل، وفي رواة "تقتل" بتاء الخطاب. لعبد الله أي: عبد الله بن أبي بن سلول. لا يتحدث الناس… أي: لا نقتله، ولا أقتله. ويتحدث الناس، استئناف بعده. كذا ذكر شراح الحديث. ويصح عندي على اتصال الكلام بأن كون من النفي المراد به النهي كقولك: لا يخرج محمد، بالرفع، وأنت تعني بذلك طلب عدم خروجه.

 باب قصة إسلام أبي ذر الغفاري

 470- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما – قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي، فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي. فَانْطَلَقَ الأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَكَلاَمًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ. فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شيء حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلاَ يَرَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ، فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ لاَ يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شيء، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الثَّالِثِ، فَعَادَ عَلِيٌّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: أَلاَ تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنَّنِي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ فَأَخْبَرَهُ. قَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي. فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول ُاللَّهِ. ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ؟! فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ.

أبو ذر: اسمه جندب بن جنادة. وأخوه: اسمه أنيس، بالتصغير. "هذا الوادي": وادي مكة. فانطلق الأخ حتى قدمه: قدم الوادي. وكلاما ما هو بالشعر أي: ويقول كلاما. وزاد مسلم: "ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فلم يلتئم عليها، والله إنه لصادق". الشنة: القربة الخلق (البالية). كره أن يسأل عنه أي: أن يسأل عنه قريشا فيؤذوه. فلما رآه تبعه أي: تبع عليا إلى منزله. أما نال للرجل أن يعلم منزله أي: أما آن له أن يكون له منزل معين يسكنه. أو أراد دعوته إلى منزله. أقامه: أنهضه من مضجعه. لترشدني أي: لتدلني على ما أقصد. يقفوه أي: يتبعه. لأصرخن بها بين ظهرانيهم أي: لأرفعن صوتي بكلمة التوحيد في جمعهم. ثم قام القوم فضربوه: هم قريش. العباس: ابن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أكب عليه: انحنى عليه ولزمه. "وأن طريق تجاركم إلى الشام": حيث يمرون على غفار في طريقهم. فأكب العباس عليه: فأنقذه منهم، ورجع إلى قومه، فأسلم أخوه أنيس وأمه وكثير من قومه.

باب قصة زمزم وجهل العرب

 471- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما – قَالَ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلاَثِينَ وَمِائَةٍ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ:(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) إِلَى قَوْلِهِ (قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). 

 ما فوق الثلاثين ومائة أي: من الآيات. على أنه ليس المراد من ذلك الآية 131، وما بعدها من سورة الأنعام، فإن الآيات التي تبين جهل العرب في هذه السورة هي الآيات 136 إلى الآية140 وهي الآية التي ورد ذكرها في الحديث. والمراد بالأولاد هنا البنات المؤودات خشية الفقر أو خوف العار. وسفها نصب على الحال، أو الفعول، وهذا جهل منه ومنافاة للعلم؛ لأن الفقر وإن كان ضررا فإن القتل أعظم منه. على أن كلا من الفقر والعار أمر متوهم، قد يقع وقد لا يقع.  

باب من أحب أن لا يسب نسبه

 472- عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها – قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: كَيْفَ بِنَسَبِي؟ فَقَالَ: حَسَّانُ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ.

 حسان: ابن ثابت. كيف بنسبي فيهم أي: كيف تهجو قريشا مع اجتماعي معهم في نسب واحد، وفي هذا إشارة إلى أن معظم طرق الهجو عندهم هو الغض من الآباء. لأسلنك منهم أي: لأخلصن نسبك من نسبهم بحيث يختص الهجو بهم دونك، ووجه الشبه أن الشعرة إذا سلت من العجين، واستخلصت لا يعلق بها منه شيء، وذلك لنعومتها وملاستها.

 باب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم

 473- عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ.

 ليس المراد بالعدد الحصر، وإنما الخمس أشهر أسمائه التي اختص بها. وإلا فقد ذكر ابن العربي أن له صلى الله عليه وسلم ألف اسم. وذكر القسطلاني عن نفسه أنه جمع في كتابه "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" أكثر من أربعمائة، مرتبة على حروف المعجم. محمد: منقول من حمده تحميدا أي: حمد حمدا بعد حمد. أحمد: منقول من اسم التفضيل، ومعناه أنه أحمد الحامدين لربه. محاه يمحوه: أزاله وأذهب أثره. على قدمي: أي: على أثري، لأنه صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض. والعاقب: لأنه جاء عقب الأنبياء، فليس بعده نبي.

 باب خاتم النبيين

 474- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بني دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ، وَيَقُولُونَ: لَوْلاَ مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ.

 اللبنة: بفتح فكسر، وبكسر فسكون: واحدة اللَّبن، وهو الطوب النيئ من طين يعجن وييبس. والمراد بالمثل أن الناس جعلوا يدخلون الدار، ويتعجبون من حسنها، ويقولون: لولا اللبنة المفقودة لكان بناء الدار كاملا وغاية في الحسن. فهو صلى الله عليه وسلم قد بعث متمما لدين الله، ومكملا لمكارم الأخلاق.

 باب خاتم النبوة

 475- عَنْ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي. وَقَعَ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، وَتَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.

 خاتم: وفي راوية: خاتم النبوة: الذي بين كتفيه صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان يعرف به بين أهل الكتاب. ابن أختها: تعني به السائب بن يزيد. وتعني بأختها والدة السائب، واسمها علبة بنت شريح. وقع بفتح القاف أي: وقع في المرض. وبكسرها: أصابه وجع في قدميه. ويروى: "وجع" أي: مريض. مسح رأسه: بيده الشريفة. الوضوء بفتح الواو: الماء المتقاطر من أعضاء المتوضئ.

 باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 

476- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَصِفُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلاَ بِالْقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلاَ آدَمَ، لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ وَلاَ سَبْطٍ رَجِلٍ، أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ. قَالَ رَبِيعَةُ: فَرَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ، فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ، فَسَأَلْتُ فَقِيلَ احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ.

الربعة: مفسر بما بعده، وهو وصف يستوي فيه المذكر والمؤنث. أزهر اللون أي: أبيض مشربا بحمرة، كما صرح به من وجه آخر عند مسلم. ليس بأبيض أمهق: أي: ليس بشديد البياض كلون الجص. الآدم: الشديد السمرة. قال ابن حجر: وتبين من مجموع الروايات أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض. ليس بجعد قطط أي: ليس بشديد الجعودة كشعر السودان. والقطط بكسر الطاء الأولى وفتحها، والسبط بسكون الباء وفتحها: ضد الجعد، وهو المسترسل. أي: هو متوسط بين الجعودة والسبوطة. رجل أي: هو رجل بكسر الجيم ومنهم من يسكنها. قال ابن حجر: "أي: متسرح". والترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. أنزل عليه… أي: أنزل عليه الوحي وعمره أربعون سنة. لبث بمكة… والمدينة: ينزل عليه الوحي. ومتقضاه أنه عاش ستين سنة. والصحيح أنه قام بمكة ثلاث عشر؛ لأنه توفي وعمره ثلاث وستون سنة. فمراد أنس أنه أقام منها عشر سنين ينزل عليه الوحي في اليقظة. وليس بخاف أن الوحي فتر في ابتدائه سنتين ونصفا، وأنه أقام سته أشهر في ابتدائه يرى الرؤيا الصالحة، فهذه ثلاث سنين لم يوح إليه في بعضها أصلا، وأوحي إليه في بعضها مناما لا يقظة. قبض أي: توفاه الله. ربيعة هو: ابن أبي عبد الرحمن الفقيه، المشهور بربيعة الرأي، وهو راوي الحديث عن أنس. فسألت فقيل أي: عن سبب حمرته، وهي كان صلى الله عليه وسلم يخضبه؟

 477- سُئِلَ الْبَرَاءُ أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لاَ بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ.

 البراء: ابن عازب رضي الله عنه. مثل السيف: في الطول واللمعان. مثل القمر: في الحسن والملاحة والاستدارة والإشراق الكامل.

 478- عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ كَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا المارْةُ، وَقَامَ النَّاسُ، فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ، فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ.

 أبو جحيفة: وهب بن عبد الله السُّوائي. خرج رسول الله: من قبة حمراء من أدم (جلد)، بالأبطح من مكة. بالهاجرة أي: في وسط النهار عند شدة الحر. البطحاء: المسيل الواسع فيه دقاق الحصى. صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين: قصر الظهر والعصر للسفر. العنزة بالتحريك، أقصر من الرمح وأطول من العصا، فيها زج (الحديدة في أسفل الرمح). فجعلوا يأخذون يديه: تبركا بذلك. وذلك بعد إتمامه للصلاة. فأخذت بيده…فإذا هي أبرد من الثلج، وذلك لصحة مزاجة وسلامته من العلل.

 479- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ.

 السرور، وذلك فرحا بتوبة الله على كعب بن مالك. استنار أي: أضاء وأشرق. نعرف ذلك منه أي: عند السرور.

 480- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رؤوسهم فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رؤوسهم، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشيء، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأسَهُ.  

سدل شعره، من باب ضرب ونصر: أرسله على جبهته. يفرقون رؤوسهم أي: يلقون شعر رؤوسهم إلى الجانبين، ولا يتركون منه شيئا على جباههم. كان يحب موافقة أهل الكتاب؛ لأنهم كانوا على بقية من دين الرسل، فكانت موافقتهم أحب إليه من موافقة عباد الأوثان. فيما لم يؤمر فيه بشيء أي: فيما لا يخالف شرعه. ثم فرق رأسه، لأنه أمر فيما بعد بذلك.

 481- عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ، إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا. 

بين أمرين: من أمور الدنيا. أيسرهما أي: أسهلهما، من اليسر، وهو السهولة. ما لم يكن إثما أي: ما لم يكن أيسرهما يفضي إلى الأثم، وهو الذنب. وما انتقم لنفسه: ومن شواهد ذلك عفوه عن الرجل الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه. انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل. ومثال انتقامه لله: ما أمر به من قتل عبد الله بن خَطَل، وعقبة بن أبي معيط وغيرهما، ممن كان يؤذيه؛ لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله.

وفي الحديث الأخذ بالأسهل، والحث على العفو، والانتصار للدين، وأنه يستحب للحاكم التخلق بهذا الخلق الكريم، فلا ينتقم لنفسه، ولا يهمل حق الله تعالى.

 482- عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه –قَالَ: مَا مَسِسْتُ حَرِيرًا وَلاَ دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلاَ شَمِمْتُ رِيحًا قَطُّ أَوْ عَرْفًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ أَوْ عَرْفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

 الديباج: الثوب الذي سداه ولحمته إبريسم؛ والإبريسم: الحرير، فهو من ذكر الخاص بعد العام. ألين أي: أنعم. وقد اجتمع له صلى الله عليه وسلم نعومة الجلد مع قوة البدن وغلظ العظام. العرف، بالفتح: الريح. و"أو" هنا شك من الراوي عن أنس في لفظ الحديث لا في معناه. وحذف المضاف إليه بعد "ريح"، لأنه عطف عليه اسم مضاف إلى مثل ما أضيف إليه أي: من ريح النلبي أو عرف النبي، وذلك كقولهم: قطع الله يد ورجل من قالها، وكقول الفرزدق:

 يا من رأي عارضا أسر به بين ذراعَي وجبهة الأسد

 483- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه – قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا.  

الحياء: تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم. والعذراء: ذات العذرة، وهي جلدة البكارة، وهي التي لم تتزوج بعد. والخدر: الستر الذي يكون في جانب البيت. والعذراء إذا فوجئت في خلوتها كان ذلك أشد لحيائها. وكان الحياء من صلى الله عليه وسلم في غير ما يمس حدود الله.

أما حدود الله فلم يكن ليدركه فيها الحياء، فكان يجبه من تحدثه نفسه بانتهاكها غضبا منه للدين، وحفاظا على حرمته.

 باب علامات النبوة في الإسلام

 484- عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه – قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِنَاءٍ وَهْوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلاَثَمِائَةٍ، أَوْ زُهَاءَ ثَلاَثِمِائَةٍ.

أتى له بإناء: فيه ماء. الزوراء: كوضع بسوق المدينة. ينبع: بضم الباء وفتحها وكسرها، هو من مثلث الأفعال. من بين أصابعه: حقيقة، أو من بينها فيما يراه الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه يفور ويكثر. ثلثمائة أو زهاء ثلثمائة أي: قدر ثلثمائة، وما يقرب منها.

485- عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما - كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ، فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَاهُ فَمَسَحَ يَدَهُ عَلَيْهِ.  

جذع: نخلة، وكان مستندا إليه. وجذع النخلة: ساقها. تحول إليه أي: إلى المنبر للخطبة. حن الجذع أي: نَزَعَ واشتاق. وأصل الحنين ترجيع الناقة صوتها في إثر ولدها. وإنما حن الجذع شوقا إلى بركته صلى الله عليه وسلم، وأسفا على مفارقته. وفي اللفظ دليل على أن الله تعالى خلق فيه الحياة والعقل والشوق؛ ولذا كان منه الحنين. فأتاه فمسح يده عليه، وفي رواية الإسماعيلي: "فأتاه فاحتضنه فسكن".

 486- عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلاَ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلاَ قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. 

كسرى بكسر الكاف، والفتح أفصح وأنكر الزجاج الكسر محتجا بأن النسبة إليه كسوري بالفتح. وهو لقب لكل من ملك الفرس، والمراد به "كسرى أنوشروان بن هرمز". قيصر: لقب لملوك الروم. والمراد به "هرقل". فلا قيصر بعده: إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك تطييبا لقلوب أصحابه من قريش، وتبشيرا لهم بأن ملكهما يزول عن الإقليمين المذكورين، لأنهم كانوا يأتون الشام والعراق تجارا، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لدخولهم في الإسلام، وكان صلى الله عليه وسلم قد أرسل بكتابين إلى كسرى وقيصر، أما كسرى فمزق الكتاب، فدعا الله عليه أن يمزق ملكه، فذهب ملكه، وتمزق كل ممزق. وأما قيصر فلما أتاه الكتاب قبَّله وكاد أن يسلم؛ لذلك أرتفع نفوذه من الشام وما والاها إلى زمن عمر، سنة عشرين، وبعد هلكه لم يخلفه أحد من الياصرة في بلاد الشام. لتنفقن كنوزهما في سبيل الله: كناية عن إستيلاء المسلمين أموالهم. والكنوز: جمع كنز، وهو المال المدفون، أو الذي جمع وادخر.

 487- عَنِ عَائِشَةَ- رضي الله عنها – قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَرْحَبًا بِابْنَتِى. ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ، فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ:إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِى لَحَاقًا بِي. فَبَكَيْتُ فَقَال َ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِالْمُؤْمِنِينَ. فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.

 مشيتها: هيئة مشيها. وكان صلى الله عليه وسلم: إذا مشي كأنما ينحدر من صبب أي: من موضع منحدر. "عن يمينه أو عن شماله": الشك من الرواي. سألت عائشة فاطمة عن سبب بكائها، فلم تجبها. وقولها: "ما رأيت كاليوم…" أي: في نفسي، أو قالت لها. فقالت فاطمة: "ماكنت لأفشي…" أي: فلم تقل لي شيئا حتى توفي. المعارضة: المقابلة، ومنه عارضت الكتاب بالكتاب أي: قابلته به. والمراد المدارسة. وعارضه جبريل القرآن ذلك العام الأخير مرتين على خلاف عادته. "ولا أراه إلا حضر أجلي" أي: ولا أظن الأمر إلا دليلا على قرب انتهاء الأجل فبكت فاطمة لقوله "حضر أجلي"، ولقوله: "إنك أول أهل بيتي لحاقا بي".

488- عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.

 جعفر: ابن أبي طالب، وزيد: ابن حارثة. نعاهما النبي للناس قبل مصرعهما. وقصتهما في غزوة مؤتة- وهي موضع في أرض البلقاء من الشام. وذلك أنه عليه السلام أرسل إليها سرية في جمادي الأول سنة ثمان، واستعمل عليهم زيدا وقال: "إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة". فخرجوا، وهم الثلاثة آلاف، فاقتتلوا، فأصيب زيد وهو ممسك بالراية، ثم أخذها جعفر فأصيب أيضا، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب كذلك. يجيء خبرهم أي: خبر أهل مؤتة، أو خبر الثلاثة المذكورين. وذلك أنه قال: " أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب"، فكان إخباره بذلك نعيا لهم قبل أن يصرعوا. عيناه تذرفان أي: تسيلان بالدمع حزنا عليهم.

باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

489- عَنِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ ؛ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ.

 الفئام: الجماعة، لاواحد له من لفظه. "فيقولون فيكم من صاحبه": أي: يقول المغزوون للغازين. "من صاحب أصحاب رسول الله": هم التابعون. "من صاحب من صاحب": هم أتباع التابعين.

 باب مناقب المهاجرين وفضلهم

 490- عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - مِنْ عَازِبٍ رَحْلا بِثَلاَثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَازِبٍ: مُرِ الْبَرَاءَ فَلْيَحْمِلْ إِلَيَّ رَحْلِي. فَقَالَ عَازِبٌ: لاَ حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ وَالْمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمْ؟ قَالَ: ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَأَحْيَيْنَا أَوْ سَرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَرَمَيْتُ بِبَصَرِى هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِيَ إِلَيْهِ، فَإِذَا صَخْرَةٌ أَتَيْتُهَا فَنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ، ثُمَّ فَرَشْتُ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم فِيهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ اضْطَجِعْ يَا نَبِي اللَّهِ. فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي، هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا فَإِذَا أَنَا بِرَاعِى غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَسَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ. فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَبَنًا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الْغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ: هَكَذَا ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى، فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَوَافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ :بَلَى. فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ. فَقُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. 

 البراء: ابن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي. عازب: والد البراء، وكان صحابيا أيضا. الرحل: مركب يوضع على ظهر البعير، وهو اصغر من القتب. أحيينا أو سرينا: الشك من الراوي. والمراد بأحيينا واصلنا السير. والسرى: السير بالليل. أظهرنا: صرنا في وقت الظهيرة. وقائم الظهيرة: شدة حرها عند الزوال. رمى ببصره: وجَّهه إلى جهة بعيدة. فسويته: أي: سوَّيت موضع الظل. الطلب" جمع طالب، وليس من الجموع القياسية؛ أو هو مصدر أقيم مقام؛ أو هو على حذف مضاف أي: أهل الطلب. يريد منها الذي أردنا: أي: الظل. اعتقلها: ثنى وظيفها (ما استدق من ساقها أو ذراعها) مع ذراعها، وشدهما جميعا في وسط الذراع كثبة من لبن: أي: قليلا منه. الإدواة: وعاء من الجلد فيه ماء. فانطلقت به: أي: باللبن المشوب بالماء. فشرب حتى رضيت: أي: طابت نفسي لكثرة ما شرب، إذ كانت عادته المألوفة عدم الإمعان في الشرب. آن الرحيل: أي: دخل وقت الرحيل. بلى: أي: نعم. والحديث شاهد لاستعمال "بلى" في جواب الاستفهام المثبت. ومثله في حديث البخاري، في كتاب الإيمان: "قال لأصحابه أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى". وفي حديث مسلم في كتاب الهبة: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى". وفيه أيضا: "أنت الذي لقيتني بمكة؟ فقال: بلى". ومهما يكن فإنه استعمال قليل. الآية: من الآية 40 في سورة التوبة.

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:

سُدُّوا الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ

 491- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه – قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ، وَقَالَ :إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ فَبَكي أَبُو بَكْرٍ، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا غَيْرَ رَبِي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ، لاَ يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ، إِلاَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ.

 خطب رسول الله الناس، وذلك في مرضه قبل موته بثلاث ليال. فاختار ذلك العبد: يعني صلى الله عليه وسلم نفسه، وكان ذلك إعلاما بدنو أجله. كان أبو بكر أعلمنا أي: بالمراد من كلام رسول الله، فلذلك بكي، حزنا على فراقه. أمن: أفعل تضيل من المن، وهو العطاء والبذل. أي: من أبذل الناس لنفسه وماله. ولكن أخوة الإسلام ومودته: أي: هي الحاصلة بيني وبينه.

وكان لأصحاب المنازل الملاصقة للمسجد أن يستطرقوا منها إلى المسجد، فأمر بسدها سوى باب أبي بكر، تنبيها للناس على خلافته. وفي المسألة بحث طويل لابن حجر لخصه القسطلاني في تفسيره، فارجع إليهما إن شئت.

 باب في مناقب أبي بكر رضي الله عنه

 492- عَن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ. قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ، وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تَقُولُ: الْمَوْتَ. قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ :إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ. 

أتت امرأة النبي: فكلمته في شيء، كما جاء في كتاب الأحكام. أرأيت أي: أخبرني. كأنها تقول الموت أي: كأنها تعني موته صلى الله عليه وسلم، كما جاء في رواية. مرادها إن جئت فوجدتك قد مِتَّ فماذا أعمل؟ إن لم تجديني فأتي أبا بكر: فيه إشارة إلى أن أبا بكر هو الخليفة من بعده. 

493- عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رضي الله عنه – قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ. فَسَلَّمَ، وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي، فَأَبَى عَلَيَّ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ :يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ. ثَلاَثًا، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا: لاَ. فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَلَّمَ فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ. وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ. وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي. مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا.

أبو الدرداء: اسمه عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري. أبدى عن ركبته أي: أظهرها. أما صاحبكم فقد غامر: يعني أبا بكر. غامر أي: خاصم ولابس الخصومة ونحوها. يقال: دخل في غمرة الخصومة، وهي معظمها. كأنه حدث صلى الله عليه وسلم بما اشتملت عليه نفس أبي بكر قبل أن يفوه بكلمة. فسلم أي: سلم أبو بكر على رسول الله ومن معه. فأسرعت إليه أي: بادرته بأمر يسيئه. فأقبلت إليك أي: مستشفعا. ندم عمر فأتى منزل أبي بكر: ليزيل ما وقع بينه وبين أبي بكر. أثمَّ: ثم، بفتح الثاء أي: هنا. وفي رواية: "أثمة"، وهما سواء. يتمعر أي: تذهب نضارته من الغضب. أشفق أبو بكر أي: خاف على عمر أن يناله من رسول الله ما يكره. جثا يجثو: برك. كنت أظلم مرتين أي: أظلم منه مرتين، أو قال هذا القول مرتين. المواساة: المشاركة والمساواة، كأنه جعله أسوة له في ذلك. أنتم تاركو لي صاحبي: فيه الفصل بين المتضايفين بالجار والمجرور، وهو نظير الفصل بينهما بالمفعول في قراءة ابن عامر: "وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم".

وفي الحديث دلالة على فضل أبي بكر. وأنه لا ينبغي للفاضل أن يغاضب من هو أفضل منه. وجواز مدح الرجل في وجهه إذا أمن عليه الافتتان والغرور. وفيه بيان ما طبعت عليه النفس البشرية من خروج الغضب بها إلى ارتكاب خلاف الأولى، وأن الفاضل في الدين يسارع بعد ذلك إلى الرجوع إلى الأولى لقوله تعالى: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا".

وفي الحديث أيضا استحباب الاستغفار والتحلل من المظلوم. وفيه أن الركبة من الرجل ليست بعورة. 

494- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ضُعْفهُ.، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ. 

 القليب: البئر التي قلب ترابها قبل أن تطوى. فنزعت منها، منها أي: البئر. ونزع منها: أي: خرج منها الماء. أخذها ابن أبي قحافة…أي: أخذ أبو بكر بن أبي قحافة هذه الدلو فأخرج من البئر الماء. والذنوب: الدلو الملأى؛ ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب. وفي نزعه ضعف: هو إخبار عن قصر مدة خلافته، والاضطراب الذي وجد في زمانه من أهل الردة: فزارة وغطفان، وبني سلمة، وبني يربوع، وبعض بني تميم، وكندة، وبكر بن وائل، وأتباع مسيلمة الكذاب؛ وإنكار بعضهم للزكاة. وليس في كل ذلك ما يحط من مرتبته. والله يغفر له ضعفه: دعا له بالمغفرة ليعلم السامعون أن الضعف الذي وجد في نزعه إنما هو من مقتضى تغير الزمان وقلة الأعوان، لا أن ذلك كان منه رضي الله عنه. استحالت غربا أي: تحولت الدلو التي كان ينزع بها إلى دلو عظيمة. والغرب: الدلو العظيمة. العبقري: السيد العظيم القوي. وأصل العبقري ما نسب إلى عبقر، وهي قرية يسكنها الجن فيما يزعم العرب، كلما رأوا شيئا فائقا غريبا نسبوه إليها. ضرب الناس بعطن أي: ضربت إبل الناس بعطن حول البئر. والعطن: مبرك الإبل حول الحوض. ويقال: ضربت الإبل بعطن، إذا وريت، ثم بركت حول الماء أو عند الحياض لتعاد إلى الشرب مرة أخرى؛ لتشرب عللا بعد نهل.

ضرب ذلك مثلا لاتساع الناس في زمن عمر، وما فتح عليهم من الأمصار. وفيه إشارة إلى طول مدة خلافته.          

495- عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ، فَقَامَ عُمَرُ, فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ، مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلا ذَاكَ وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُقَطِعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يُذِيقُكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا. ثمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْحَالِفُ، عَلَى رِسْلِكَ!

 فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وَقَالَ: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)، وَقَالَ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى َعَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ)، فَنَشَجَ النَّاسُ يبْكونَ.

 وَاجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ، فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلامًا أَعْجَبَنِي، فَخَشِيتُ أَلا يُبَلِّغَهُ أَبُو بَكْرٍ.

ثُمَّ تَكَلَّمَ وَأَبْلَغَ، وَقَالَ فِي كَلامِهِ: نَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ، قَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: لا وَاللَّهِ، لا نَفْعلُ أَبَدًا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لا، وَلَكِنَّا الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ, يَعْنِي: الْمُهَاجِرِينَ هُمْ أَوْسطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعَزُّهُمْ أَحْسَابًا, فَبَايِعُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ.

 فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ نبَايِعُكَ، أَنْتَ خَيْرُنَا وَسيِّدُنَا، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ، فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ، فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: قَتَلَهُ اللَّهُ.

 السنح: بضم السين، وهو منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي، بينه وبين المسجد النبوي ميل…إلا ذاك: أي: عدم موته. وليبعثنه الله،: أي: في الدنيا. فليقطعن أيدي رجال: ممن قال بموته صلى الله عليه وسلم. هذا ما كان يغلب على ظن عمر. فقبله: كشف عن وجهه الشريف وقبله بين عينيه. بأبي أنت وأمي أي: أنت مفدِّي بهما. لا يذيقك الله الموتتين: كان هذا ردا منه على عمر حيث قال: إن الله يبعثه؛ لأنه لو صح ما قاله لزم أن يموت موتة أخرى. على رسلك: أي: اتئد في الحلف ولا تعجل. يعني بذلك عمر. و(إنك ميت…): الآية 30 من سورة الزمر. (وما محمد إلا رسول…): الآية 144 من سورة آل عمران. نشج الباكي: إذا غص بالبكاء في حلقة من غير انتحاب، أو هو بكاء معه صوت. سعد بن عبادة: الأنصاري الساعدي، وكان نقيب بني ساعدة لأجل الخلافة. سقيفة بني ساعدة: موضع مسقف كان يجتمع إليه الأنصار. فقالوا: منا أمير ومنكم أمير: أي: قال الأنصار للمهاجرين. أبلغ الناس: بالنصب على الحالية، وبالرفع على التجريد أي: تكلم منه أبلغ الناس. نحن الأمراء وأنتم الوزراء: نحن أي: قريش. أي: منا الأمراء، ومنكم الوزراء الذين يستشارون في الأمور. بناء على أن الخلافة لا تكون إلا في قريش. حباب بن المنذر هو من الأنصار. أوسط العرب دارا: هي مكة. أي: قريش أشرف العرب من جهة الدار، يعني: أنهم أشرف العرب. قال الخطابي: أراد بالدار أهل الدار. والأوسط: الأخير والأشرف. أعربهم: أشبه شمائل وأفعالا بالعرب. والأحساب: جمع حساب، وهو ما يحسب ويعد من المناقب والفضائل. قتلتم سعد بن عبادة: أي: كدتم تقتلونه. أو هو كناية عن الإعراض والخذلان. فقال عمر: قتله الله: دعا عليه لتخلفه فيما قيل عن بيعة أبي بكر وامتناعه منها. وقد توجه سعد إلى الشام، فمات بها في ولاية عمر بحوران سنة أربع عشرة أو خمس عشرة. وقيل: إنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول، ولا يرون شخصه:

قد قتلنا سيد الخزر ج سعد بن عباده

فرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده

 باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه

 496- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ وَسَمِعْتُ خَشَفَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلاَلٌ. وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ، فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَك.

 فَقَالَ عُمَرُ: بِأُمِّي وَأَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟!

الرميصاء: اسمها سهلة بنت ملحان الأنصارية. سميت بذلك لرمص كان بعينها. أبو طلحة هو سهل بن زيد الأنصاري. خشفة: أي: صوت ليس شديدا، وهو هنا صوت وقع القدم. فقال: هذا بلال: جبريل أو غيره من الملائكة، أو هو بلال نفسه. الفناء: ما امتد خارجه من جوانبه. بأبي وأمي: أي: فديتك بهما. أعليك أغار: هذا من باب القلب، وأصله: "أعليها أغار منك"، يعني الجارية.

 497- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ.

 عبد الله: ابن مسعود. أعزة: جمع عزيز، وهو القوي المنيع الذي لا يغلب. وكان إسلام عمر بعد حمزة بثلاث أيام. قال عمر: "رأيتني وما أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسعة وثلاثون رجلا، فكملتهم أربعين، فأظهر الله دينه، وأعز الإسلام".

وعند ابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن مسعود: "وكان إسلام عمر عزا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة، ولله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر".

وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر عند الترمذي: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر". قال: "فكان أحبهما إليه عمر".

 498- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه – قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى أُحُدٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، قَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِي أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ.

 أحد: هو الجبل المعروف بالمدينة. رجف بهم: أي: اضطرب الجبل بهم. رجف يرجف. اثبت أحد: أي: يا أحد. وإنما قال له ذلك ليدل على أن تلك الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى. فتلك كانت رجفة غضب، وهذه كما قال ابن المنير: هزة الطرب. فما عليك إلا…: "أو" فيه بمعنى الواو. الصديق: أبو بكر، والشهيد: عمر وعثمان. وفي رواية: "فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". 

499- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أمتي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ.

 محدثون: بفتح الدال المشددة أي: ملهمون، أن يلقى في روعهم الشيء قبل الإعلام به. "فإن يك أحد" أي: من المحدثين.

 باب مناقب عثمان بن عفان

 أبي عمرو القرشي رضي الله عنه

 500- عَنْ أَبِي مُوسَى- رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ حَائِطًا وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِ الْحَائِطِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ.

 ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ. فَإِذَا عُمَرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَسَكَتَ هُنَيْهَةً، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى سَتُصِيبُهُ. فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. 

 أبو موسى: عبد الله بن قيس الأشعري. هنيهة: أي: شيئا قليلا، زمنا يسيرا. وانظر للعشرة المبشرين بالجنة ما مضى في تفسير الحديث 161.

 501- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالاَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ عُثْمَانَ لأَخِيهِ الْوَلِيدِ فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ. فَقَصَدْتُ لِعُثْمَانَ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ، قُلْتُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، وَهِيَ نَصِيحَةٌ لَكَ. قَالَ: يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ - قَالَ مَعْمَرٌ: أُرَاهُ قَالَ: - أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَانْصَرَفْتُ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ إِذْ جَاءَ رَسُولُ عُثْمَانَ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: مَا نَصِيحَتُكَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكُنْتَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ. قَالَ: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قُلْتُ: لاَ، وَلَكِنْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَخْلُصُ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا.

 قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ، فَكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ، وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ كَمَا قُلْتَ، وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَايَعْتُهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلاَ غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُهُ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ، أَفَلَيْسَ لِي مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ؟

 قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ الْوَلِيدِ، فَسَنَأْخُذُ فِيهِ بِالْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَهُ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ.

 الوليد: أخو عثمان لأمه، وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وكان عثمان قد ولاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص. أكثر الناس فيه: أي: أكثروا القول في الوليد، لأنه كان يفعل أمورا شائنة، منها أنه صلى بهم الصبح أربع ركعات، ثم التفت إليهم وقال: أأزيدكم؟ وكان سكران، أو المراد أكثر الناس في عثمان أي: أنكروا على عثمان كونه لم يحد الوليد بن عقبة، وعزل سعد بن أبي وقاص به، مع كون سعد أحد العشرة، واجتمع له من الفضل ما لم يجتمع شيء منه للوليد. معمر: ابن راشد البصري، كما في كتاب المناقب. فرجعت إليهما أي: إلى المسور وعبد الرحمن بن الأسود. وبعده في رواية: فقالا: "قضيت الذي عليك". إذ جاء رسول عثمان: بعده في رواية: فقالا لي: قد ابتلاك الله! فانطلقت". وإنما جاء الرسول ليبلغه طلب عثمان له. فأتيته: أي: أتيت عثمان استجابة له. الهجرتان: هجرة الحبشة، وهجرة المدينة. الهَدى: الطريقة والسيرة والمذهب. الوليد: ابن عقبة. أكثر الناس في شأنه: بسبب شربه للخمر وسوء سيرته. أدركت رسول الله أي: قال عثمان لعبيد الله بن عدي: هل أدركت رسول الله؟ ومراده بالإدراك إدراك السماع والأخذ عنه. كما أن مراده بالرؤية رؤية المميز له، ولم يرد نفي الإدراك بالعين؛ فإنه ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يخلص: يصل. أراد أن علم النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مكتوما ولا خاصا، بل كان شائعا ذائعا حتى وصل إلى العذراء المكنونة في بيتها، فوصول العلم إليه لما كان من حرصه على ذلك. ثم أبو بكر مثله ثم عمر مثله أي: كان شأني معهما شأني مع رسول الله. ومثله بالنصب بتقدير: ما عصيته ولا غششته مثله. وبالرفع على الخيرية. أليس لي من الحق أي: أليس لي من الحق عليكم مثل الذي كان لهم من الحق علي؟ الأحاديث: جمع أحدوثة بالضم، وهو ما يتحدث به، وهي التي كانوا يتكلمون بها من تأخره إقامة الحد على الوليد وعزله سعدا به. فأمره أن يجلده أي: يجلد الوليد، بعد ما شهد عليه رجلان: حمران مولى عثمان وعثمان بن جثامة الصحابي. وقد اعتذر لعثمان بأنه إنما أخر إقامة الحد عليه ليكشف عن حال من شهد عليه بذلك، فلما وضح له حالهم عزله وأمر عليا بإقامة الحد عليه. فجلده ثمانين: في رواية الأخرى: "أربعين". قال ابن حجر: وهذه الرواية أصح. وفي هذه المسألة بحث.

502- عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما – قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لاَ نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لاَ نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ.

 لا نعدل بأبي بكر أحدا: أي: نساوي أحدا به في الفضل، من العدل بالكسر والفتح، وهو المثيل والنظير.

أراد أنهم بعد تفضيل الشيخين وعثمان لا يتعرضون للصحابة بعدهم بالتفضيل وعدمه؛ لأن فضائل هؤلاء الثلاثة ظاهره ظهورا بينا يجزمون به، وإنما أغفل ذكر عليٌّ؛ لأنه كان في زمانه صلى الله عليه وسلم حديث السن، ولم يرد ابن عمر الإزراء به، فإن فضل علي مشهور لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة.

باب مناقب علي بن أبي طالب

القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه

 503- عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ عَلِي قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَيْبَرَ وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ عَلِي فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ - أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ - غَدًا رَجُلا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - أَوْ قَالَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ- يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِي وَمَا نَرْجُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا عَلِي. فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. 

 سلمة: هو سلمة بن الأكوع. تخلف علي عن غزوة خيبر: لرمد كان بعينه. ثم لحق بخيبر، أو أدركه في أثناء الطريق إليها. لأعطين الراية أو ليأخذنها: الشك من الراوي. يفتح الله على يديه: أن يفتح على يديه خيبر بقيادته. وما نرجوه: أي: ما نتوقعه وما نأمل حضوره. الراية: رايته عليه الصلاة والسلام. قال ابن عباس: فكانت راية رسول الله بعد ذلك في المواطن كلها مع علي. ففتح الله عليه خيبر. وقال في ذلك حسان فيما روى العيني:

وكان علي أرمد العين يبتغي دواء فلما لن يحس مداويا

حباه رسول الله منه بتفله فبورك مرقيا وبورك راقيا

وقال سأعطي الراية اليوم صارما فذاك محب للرسول مواتيا

يحب الإله والاله يحبه  فيفتح هاتيك الحصون التواليا

فأفضى بها دون البرية كلها عليا وسماه الوزير المواخيا

 504- عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ، قَال: َلَعَلَّ ذَاكَ يَسُوؤُكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ. ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ قَالَ: هُوَ ذَاكَ، بَيْتُهُ أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوؤُكَ.

 قَالَ: أَجَلْ. قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ.

 جاء رجل: هو نافع بن الأزرق، الذي تنسب إليه الأزارقة من الخوارج. محاسن عمل عثمان: كإنفاقة في جيش العسرة، وتسبيلة بئر رومة وغير ذلك. والمحاسن: جمع حسن على غير قياس، كأنه جمع محسن. قال: لعل ذاك…: أي: قال ابن عمر للرجل، وهو نافع. أرغم الله بأنفك أي: ألصقه بالرغام، وهو التراب؛ كناية عن الإذلال. والباء فيه زائدة. محاسن عمل علي: كشهود بدر، وفتح خيبر وقتل مرحب اليهودي. وبيته أوسط…: إشارة إلى علو منزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم. والأوسط: الأشرف. قال: أجل أي: نعم يسوؤني ذلك. اجهد على جهدك أي: افعل في حقي ما تقدر عليه؛ فإن الذي قلته لك هو الحق، وقائل الحق لا يبالي ما قيل فيه من الباطل.

 505- عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لأَقُومَ فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا. فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ :أَلاَ أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلاَثَةً وَثَلاَثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ". 

ما تلقى من أثر الرحى أي: أثرها في يدها من الطحن. فانطلقت: لتسأله خادما لها. أخبرته بمجيء فاطمة، وسؤالها خادما لها. على مكانكما: أي: الزما مكانكما لا تذهبا. تكبران، ويروي "تكبرا"، بإعمال إذا أو حذف النون للتخفيف، ويروى: "فكبرا" بالأمر. وكذلك الرواية في "وتسبحان"، و"تحمدان".

قال ابن تيمية: فيه أن من واظب على هذا الذكر عند النوم لم يصبه إعياء. وقال عياض: معنى الخيرية أن عمل الآخرة أفضل من أمور الدنيا.

 506- عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لِعَلِي أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى.

 قاله لعلي: حين خرج إلى تبوك ولم يستصحبه، فقال: "أتخلفني مع الذرية؟". وذلك أن موسى عليه السلام خلف أخاه هارون على قومه بني إسرائيل حين خرج إلى الطور. زاد مسلم: "إلا أنه لا نبي بعدي"، وأن عليا قال بعد ذلك: "رضيت رضيت!".

 باب مناقب قرابة رسول الله

 507- عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي.

 قاله صلى الله عليه وسلم حين خطب علي بن أبي طالب جويرية بنت أبي جهل. البضعة، بفتح الباء: القطعة من الشيء تبضع أي: تقطع. وهو كناية عن شدة المحبة.

 باب مناقب الزبير بن العوام

رضي الله عنه

 508- عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِكُلِّ نَبِي حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ.

 الحواري: الناصر والخاصة والخلصان. وتأويل الحواريين في اللغة أنهم الذين أخلصوا، ونقوا من كل عيب. والحواري لفظ مفرد.

قال العيني: فإن قلت: الصحابة كلهم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم خلصاء، فما وجه التخصيص؟ قلنا: هذا قاله حين قال يوم الأحزاب: من يأتيني بخبر القوم" قال الزبير: أنا. ثم قال: من يأتيني بخر القوم؟ فقال: أنا. وهكذا المرة ثالثة. ولا شك أنه في ذلك الوقت نصر نصرة زائدة على غيرة.

 509- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الأَحْزَابِ جُعِلْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي النِّسَاءِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِالزُّبَيْرِ عَلَى فَرَسِهِ، يَخْتَلِفُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ: يَا أَبَتِ، رَأَيْتُكَ تَخْتَلِفُ. قَالَ: أَوَ هَلْ رَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ قُلْتُ نَعَمْ؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ يَأْتِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ. فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.

جعلت في النساء أي: مع النساء، نساء النبي صلى الله عليه وسلم. وعمر هذا ربيب رسول الله، وأمه أم سلمة رضي الله عنها. فنظرت: يعني رأي الزبير راكبا فرسه يجيء، ويذهب إلي بني قريظة من اليهود. رأيتك تختلف أي: تذهب وتجئ إلى بني قريظة، فما السبب في ذلك؟ جمع لي رسول الله أبويه أي: في الفداء، تعظيما وإعلاء لقدري، لأن المرء لا يفدي إلا من يعظمه.

في الحديث صحة سماع الصغير، وأنه لا يتوقف على أربع أو خمس؛ لأن ابن الزبير كان يومئذ ابن سنتين وأشهر، أو ثلاث وأشهر، بحسب الخلاف في وقت مولده، وفي تاريخ يوم الخندق.

مناقب سعد بن أبي وقاص الزهرُّيّ

 510- عن سعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: جَمَعَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.

الزهري: نسبة إلي بني زهرة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم. جمع له أبويه أي: في التفدية، فقال: فداك أبي وأمي. كما فعل ذلك للزبير بن العوام في غزوة بني قريظة. انظر الحديث السابق.

 باب ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم

 511- أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لاَ تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، هَذَا عَلِي نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ :أَمَّا بَعْدُ أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا، وَاللَّهِ لاَ تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ.

 بنت أبي جهل: اسمها جويرية، وقيل جميلة، وقيل العوراء. أنك لا تغضب لبناتك أي: إذا أوذين. وهذا عليّ ناكح… أي: يريد أن ينكحها، وهذا مجاز باعتبار قصده لذلك واعتزامه. فقام رسول الله أي: خطيبا، وذلك ليشيع الحكم الذي سيقرره. أنكح أبا العاص: كان زوَّجه ابنته زينب كبرى بناته، وكان ذلك قبل النبوة. صدقني أي: صدق في حديثه. ولعله كان شرط عليه ألا يتزوج على زينب فوفي بذلك ولم يتزوج عليها. قال ذلك تنويها بوفائه وصدقه. بضعة مني أي: قطعة مني، كما سبق في الحديث 507. أكره أن يسوءها أي: أحد، عليّ أو غيره. فترك علي الخطبة أي: خطبته لبنت أبي جهل. قال تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".

مناقب زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم

 512- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما – قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْثًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنْ تَطْعُنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ.

 بعث بعثا: إلى الشام، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين. وهذا البعث آخر بعث أرسله صلى الله عليه وسلم، وكان في مرضه، وتوفي فقام أبو بكر بإنفاذه من بعده. أمَّره: جعله أميرا. وإنما اختاره لهذه السرية لأن أباه زيد بن حارثة كان قد قتل في تلك المواقع في غزوة مؤتة. كما أنه صلى الله عليه وسلم فوق ما توسم فيه من النجابة، أراد أن يوطئ الأمر بعده؛ لئلا ينزع أحد يدا عن طاعة، وليعلموا أن العادات الجاهلية قد مضى عهدها. فطعنوا في إمارته، وكان أشدهم في ذلك كلاما عياش بن أبي ربيعة المخزومي، إذ قال: "يستعمل هذا الغلام على المهاجرين!". وعندما أخبر عمر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك غضب غضبا شديدا، وقال القول التالي في خطبة له. إن تطعنوا في إمارته…: قال الطيبي: هذا الجزاء إنما يترتب على الشرط بتأويل التنبيه والتوبيخ. أي: طعنكم الآن فيه سبب لأن أخبركم أن ذلك من عادة الجاهلية وهجيراهم، ومن ذلك طعنكم في أبيه من قبل. نحو قوله تعالى: "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أباه زيد بن حارثة أميرا على عدة سرايا، وأعظمها جيش مؤتة. خليقا بها أي: حقيقا بها وجديرا، يعني: زيد بن حارثة. وإن هذا لمن أحب الناس: يعني ولده أسامة بن زيد.

 513- عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها – قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَاهِدٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.

 قَالَ: فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَعْجَبَهُ، فَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ.

القائف: الذي يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه. وهذا القائف هو مجزز المدلجي. وقد ساق العيني نسبه. وكان دخوله على عائشة إما قبل نزول الحجاب، أو بعده وكان من وراء حجاب. وكان الولد وأبوه مضطجعين تحت كساء، وأقدامهما ظاهرة. هذه الأقدام: يعني أقدام أسامه وأبيه. أخبر النبي عائشة: لعله يعلم أنها علمت ذلك. أو أخبرها وإن كان عالما.

 مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب

 514- عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَأي رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنْتُ غُلامًا عَزَبًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ, فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ, وَإِذَا لَهَا قَرْنٌ كَقَرْنِ الْبِئْرِ, قَالَ: فَرَأَيْتُ فِيهَا نَاسًا قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ, قَالَ: فَلَقِيَنِي مَلَكٌ, فَقَالَ: لَنْ تُرَعَ، قَالَ: فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل.

قَالَ: فَكَانَ بَعْدُ لا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلا الْقَلِيلَ.

 قصها: حكاها، طمعا في أن يظفر في التعبير والتأويل. وفي رواية كتاب التعبير: "كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقصونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيها رسول الله ما شاء الله" أي: من التعبير. طوى البئر طيا: عرشها بالحجارة والآجر. ويقال لها: حينئذ طَوِىّ. قرنا البئر: هما ما يبني في جانبيها من حجارة توضع عليها الخشبة التي تعلق فبها بكّرة الدلو.فلقيهما أي: لقى الملكين. لن تراع أي: لا تخف، والروع: الخوف. وجهه ابن مالك بأنه سكَّن العين للوقف، ثم شبهه بسكون الجزم، فحذف الألف قبله، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. ويجوز أن يكون جزمه بلن، وهي لغة قليلة، كما جاء في قوله: *فلن يحل للعينين بعدك منظر*. حفصة، هي أخته أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عائشة. قصتها حفصة، ولم يقصها بنفسه عليه صلى الله عليه وسلم تأدبا ومهابة.

 باب مناقب عمَّار وحُذيفة

515- عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الشَّأْمَ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَأَتَيْتُ قَوْمًا فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي، قُلْتُ: مَنْ هَذَا قَالُوا أَبُو الدَّرْدَاءِ. فَقُلْتُ: إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَيَسَّرَكَ لِي، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ: أَوَ لَيْسَ عِنْدَكُمُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادِ وَالْمِطْهَرَةِ وَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم؟ أَوَ لَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ سِرِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ غَيْرُهُ؟ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ يَقْرَأُ عَبْدُ اللَّهِ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى). قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ.

 عمار: ابن ياسر العنسي، بالنون، أسلم هو وأبوه وأمه سمية قديما، وعُذِّبوا في ذات الله. قتل بصفين سنة 37. وحذيفة: ابن اليمان العبسي، بالباء وهو من الأنصار. علقمة: ابن قيس النخعي. صلى ركعتين: في المسجد. ابن أم عبد: هو عبد الله بن مسعود. أمه أم عبد بنت عبد ود. صاحب النعلين: كان يلي نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحملهما ويتعاهدهما. الوساد والمطهرة: وسادة الرسول ومطهرته. والوساد والوسادة سواء. والمطهرة: بفتح الميم وكسرها، هي كل إناء يتطهر منه. يريد بذلك الثناء عليه بخدمة الرسول وملازمته، وأنه لذلك يكون عنده من العلم ما يستغني به الطالب عن غيره. الذي أجاره الله من الشيكان: يعني عمارا، أجاره الله من أن يغويه الشيطان. أراد به قوله صلى الله عليه وسلم: "ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار". لا يعلم أحد غيره: أي: لا يعلم أحد غيره. وهو حذيفة، كان يعرف المنافقين بأسمائهم وأنسابهم كما يفضي به إليه رسول الله، وكان عمر إذا مات أحد تبع حذيفة، فإن صلى عليه حذيفة صلى عليه. كيف يقرأ عبد الله: ابن مسعود رضي الله عنه. والذكر والأنثى: بحذف "ما خلق" وبجر الذكر والأنثى. وهي الآية من سورة الليل. وقد قيل: إنها نزلت كذلك ثم أنزل: "وما خلق الذكر والأنثى"، فلم يسمعه ابن مسعود ولا أبو الدرداء، وسمعه سائر الناس، وأثبت في المصحف.

 باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه

 516- عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيَّتُهَا الأُمَّةُ

أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.

 ابن الجراح: اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أُهيب، قتل أبوه يوم بدر كافرا، وقد قيل: إنه هو الذي قتله. ومات أبو عبيدة وهو أمير على الشام من قبل عمر سنة 18 في طاعون عمواس وقبره بغور بيسان. الأمين: هو الثقة المرضي، والفضل مشترك بين الصحابة، لكن يزيد كل منهم على الآخر في صفة خاصة. يدل على ذلك ما رواه الترمذي من حديث أنس: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة الجراح". أيتها الأمة: بالرفع والنصب على النداء، وبالرفع فقط على الاختصاص أي: مخصوصين من بين الأمم. وانظر الأشموني 186:3.

 باب مناقب الحسن والحسين

 517- عَنْ أَبِي بَكْرَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ، يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ

 مَرَّةً، وَيَقُولُ: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

أبو بكرة: هو نفيع بن الحارث الثقفي. ابني: ابن البنت والابن بمنزلة الابن. نعته بالسيادة تكريما له وتشريفا. الفئة: الفرقة والجماعة، وقد تحقق ذلك. فإنه لما نشب الخلاف بينه وبين معاوية في الخلافة وانقسم المسلمون إلى فرقتين، وكاد الشر أن يعصف بهم، دعته تقواه وشفقته بالمسلمين أن يترك الملك والدنيا، رغبة فيما عند الله، مع عزة جانبه إذ ذاك؛ إذ كان قد بايعه على الموت حينئذ أربعون ألفا.

 518- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نُعْمٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ عَنِ الْمُحْرِمِ، قَالَ شُعْبَةُ: أَحْسِبُهُ يَقْتُلُ الذُّبَابَ، فَقَالَ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونَ عَنِ الذُّبَابِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا"؟!

ابن أبي نعم: اسمه عبد الرحمن. سأله عن المحرم: السائل رجل من أهل العراق، كما عند الترمذي. المحرم: بالحج أو بالعمرة. أحسبه يقتل الذباب: أي: ما يلزمه إذا قتلها وهو محرم؟ ابن ابنة رسول الله: هو الحسين بن على رضي الله عنه. ريحانتاي: كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويقبلهما. من الدنيا أي: نصيبي منها.

ذكر ابن عباس رضي الله عنهما

 519- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ.

ابن عباس: هو عبد الله بن عباس. قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث قلت: أعلم الناس، وكان ابن عباس عالما بالشعر والنسب، وأيام العرب ووقائعها، وبالفقه والحديث. توفي بعد أن عمي سنة 68 وهو ابن سبعين سنة. اللهم علمه الحكمة: أي: القرآن، أو السنة، وبهذه الأخيرة فسر قوله تعالى: "ويعلمهم الكتاب والحكمة". وقد ضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه البر والكرامة. وقد تحققت إجابته صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان بحر العلم، وحبر الأمة، وشيخ المفسرين، وترجمان القرآن.

 باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة

 520- عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ذُكِرَ عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لاَ أَزَالُ أُحِبُّهُ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَبَدَأَ بِهِ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. قَالَ: لاَ أَدْرِى بَدَأَ بِأُبَيٍّ أَوْ بِمُعَاذٍ؟

 سالم: هو سالم بن معقل، كان من أهل فارس، من الصحابة الموالي، معدودا في المهاجرين؛ لأنه هاجر، وفي الأنصار؛ لأنه كان مولى امرأة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. تبناه أبو حذيفة لما تزوجها، فنسب إليه. واستشهد سالم باليمامة. مسروق: ابن الأجدع. عبد الله: ابن مسعود. استقرئوا القرآن: أي: أطلبوه. قال (لا أدري بدأ): أي: عبد الله بن عمرو.

إنما خص هؤلاء؛ لأنهم كانوا أكثر ضبطا للفظ القرآن وأتقن لأدائه، وإن كان غيرهم أفقه في معانيه منهم، ولأنهم أخذوه من الرسول مشافهة وغيرهم اقتصر على أخذ بعضهم من بعض.

 باب مناقب الأنصار

 521- عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها – قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ، وَجُرِّحُوا، فَقَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِي دُخُولِهِمْ فِي الإِسْلاَمِ.

 بعاث: موضع على ميلين من المدينة وقع فيها حرب بين الأوس والخزرج، استمرت فيه الحرب مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام. كان وما قدمه الله لرسوله: إذ لو كان رؤساؤهم الذين قتلوا أحياء لاستكبروا عن متابعته صلى الله عليه وسلم، ولمنعهم حب الرياسة عن قبولهم لدخول رئيس عليهم. قدم رسول الله: قد المدينة. الملأ: أشراف القوم الذين يملؤون العين مهابة وخشية. سرواتهم أي: خيارهم وأشرافهم. وسروات: جمع سراة بالفتح. جرحوا: بالتشديد، من التجريح. ويروى: "خرجوا" أي: عن أوطانهم. قدمه في دخلولهم الإسلام: أي: لأجل دخول من بقى منهم في الإسلام.

 باب مناقب سعد بن معاذ

 522- عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنها، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.

 سعد بن معاذ: ابن امرئ القيس بن عبد الأشهل الأنصاري، كبير الأوس، كام أن سعد بن عبادة كان كبير الخزرج. وفيهما قال الشاعر:

فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالف

اهتز العرش أي: تحرك فرحا بقدوم روحه، أو المراد: اهتز حملة العرش من الملائكة استبشارا بصعود روحه، لكرامته. أو المراد الكناية عن تعظيم شأن وفاته. والعرب تنسب الشيء العظيم إلى أعظم الأشياء، فتقول: أظلمت الأرض لموت فلان، وقامت له القيامة.

 باب مناقب أبي بن كعب

رضي الله عنه

 523- عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه: قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك: { لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا } وَقَالَ: وَسَمَّانِي؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَبَكي. 

أبي بن كعب: ابن قيس الأنصاري الخزرجي النجاري. شهد العقبة وبدرا. وتوفي سنة 30. الآية: الأولى من سورة البينة. وسماني أي: وسماني الله لك يا رسول الله؟ يقول ذلك ليعاد عليه القول، فيتضاعف فرحه، ويطمئن اطمئنانا كاملا. فبكي: فرحا وسرورا، أو خوفا ألا يقوم بشكر تلك النعمة العظيمة. قال القرطبي: خص هذه السورة بالذكر لما احتوت عليه من التوحيد والرسالة والإخلاص، والصحف والكتب المنزلة على الأنبياء، وذكر الصلاة والزكاة والمعاد، وبيان أهل الجنة والنار. وذلك مع وجازتها.

 باب مناقب أبي طلحة رضي الله عنه

 524- عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه – قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ: انْثُرْهَا لأَبِي طَلْحَةَ. قَالَ: وَيُشْرِفُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لاَ تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِى دُونَ نَحْرِكَ.

وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَىْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاَثًا. 

أبو طلحة: زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري الخزرجي الأنصاري. عقبى بدري. وكان زوج أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك راوي الحديث. توفي سنة 51. مجوب: من التجويب: التتريس. والحجفة: الترس إذا كان من جلود لا خشب فيه. وكلمة "به" ثابتة في جميع الأصول كأن المراد: بترس. راميا: بالقوس. والقد: السير من جلد لم يدبغ أي: شديد وتر القوس. يكسر قوسين أو ثلاثا: وذلك لشدة نزعه في القوس. الجعبة، بالفتح: كنانة السهام. والنبل السهام العربية، مؤنثة لا واحد لها من لفظها، إنما يقال للمفرد سهم ونشابة. انثرها لأبي طلحة: لأجل أن يرمي بها. لا تشرف يصيبك أي: فإنه يصيبك سهم. ويروى: "يصبك" بالجزم على جواب النهي. والمسألة موضع خلاف بين النحويين. النحر: الصدر أي: صدري عند صدرك أي: أقف أنا بحيث يكون صدري كالترس لصدرك. عن الكرماني. ولقد رأيت عائشة: الكلام هنا كلام أنس. أم سليم: هي أم أنس، وزوجة أبي طلحة. مشمرتان: أي: رافعتان أثوابهما. السوق: جمع ساق. والخدم: جمع خدمة، بالتحري، وهي الخلخال، أو أصل الساق. وكان ذلك قبل نزول الحجاب. تنقزان: تثبان وتقفزان، من سرعة السير. القرب أي: بالقرب، وهو منصوب على نزع الخافض. وروى: "تنقزان" من انقز فتكون متعدية. المتون: جمع متن، وهو الظهر. تفرغانه أي: تفرغان الماء في أفواه المسلمين. إما مرتين وإما ثلاثا: زاد مسلم في روايته: "من النعاس".

 باب تزوج النبي صلى الله عليه وسلم

خديجة وفضلها رضي الله عنها

 525- عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها – قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِى فِي خَلاَئِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ.

 الغيرة: الحمية والأنفة. رجل غيور وامرأة غيور أيضا، لأن فعولا يشترك فيه المذكر والمؤنث. و"ما" في "ما غرت" الأولى نافية، وفي الثانية مصدرية أي: مثل غيرتي، أو موصولة أي: مثل التي غرتها. هلكت قبل أن يتزوجني: أي: ماتت قبل أن يدخل بي، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة بعد ثلاث سنين من وفاء خديجة، وعقد عليها قبل هذه السنوات بمدة سنة ونصف، كما ذكر النووي. ببيت أي: في الجنة. والقصب، بالتحريك: اللؤلؤ المجوف. وكان هذا أيضا من جملة أسباب الغيرة، لأن اختصاصها بهذه البشرى يشعر بمزيد محبته لها. إن كان: "إن" هي المخففة من الثقيلة؛ ولذا جاءت اللام الفارقة في خبرها. الخلائل: جمع خليلة، وهي الصديقة. ما يسعهن: ما يكفيهن. وفي الحديث ثبوت الغيرة، وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلا عمن دونهن. وفيه أن عائشة رضي الله عنها كانت تغار من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من خديجة أكثر.

 526- عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها - قَالَتِ اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَالَةَ. قَالَت ْفَغِرْتُ فَقُلْتُ مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا!

عرف استئذان خديجة أي: عرف صفة استئذان خديجة لشبه صوتها بصوتها، فتذكر بذلك خديجة. ارتاع: فزع، لكن المراد طروء تأثر وتغير. اللهم هالة: بالرفع والنصب. أي: هذه هالة، أو اجعلها هالة. حمراء الشدقين: الشدق، بالكسر: جانب الفم. وصفتها بالدرد، وهو سقوط الأسنان من الكبر. تعني: أنه لم يبق بشدقيها بياض، إنما بقيت فيهما حمرة الثات. 

باب ذكر هند بنت عتبة

ابن ربيعة رضي الله عنها

 527- عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها – قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ: لاَ أُرَاهُ إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ. 

 

هند: هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس القريشية، والدة معاوية بن أبي سفيان، أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها. وكانت امرأة ذات أنفة ورأي وعقل، وشهدت أحدا كافرة، وهي التي مثلت بحمزة. وهي القائلة عند ما سمعت آية المبايعة: "ولا يسرقن ولا يزنين": وهل تزني الحرة؟! الخباء: بيت من وبر أو صوف، ثم أطلق على البيت كيف كان. وأيضا والذي نفسي بيده: يعني: وأنا أيضا بالنسبه إليك مثل ذلك، كنت كما كنت. وقيل: معناه ستزيدين في ذلك، ويتمكن الإيمان في قلبك، فيزيد حبك للرسول، ويقوى رجوعك عن بغضه. المسيك: البخيل الشحيح الممسك. الحرج: الإثم. لا أراه إلا بالمعروف: أي: لا أرى الإطعام إلا بقدر الحاجة، دون زيادة.

باب أيام الجاهلية

 528- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما – قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ.

 قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحِلّ؟ ِقَالَ: "الحِلٌّ كُلُّهُ".

كانوا يرون: أي كان أهل الجاهلية. ويرون بفتح الياء أي: يعتقدون، وبضمها أي: يظنون. الفجور: الانبعاث في المعاصي. صفرا: اختلف النحويون في منعه من الصرف. وللقسطلاني في ذلك بحث. والمعنى أنهم يجعلون صفرا من الأشهر الحرم، ولا يجعلون المحرم منها لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، فيضيق عليهم ما اعتادوه من الإغارة بعضهم على بعض. برأ: شفي. والدبر: الجروح التي تكون في ظهور الإبل من اصطكاك الأقتاب، واحدتها دبرة. والمراد: استراحت الإبل بعد العودة من الحج في شهر ذي الحجة، وذهب ما كان بها من قروح. عفا الأثر: أي ذهب أثر سير الحاج في الطريق وانمحى بعد رجوعهم، بوقوع الأمطار وغيرها. قدم الرسول وأصحابة رابعةً مهلين: أي: قدم هو وأصحابة مكة صبح رابعة من ليالي ذي الحجة، وأمرهم أن يجعلوها عمرة أي: يقلبوا الحجة عمرة، ويتحللوا بعملها، فيصيروا متمتعين. وهذا الفسخ كان خاصا بذلك الزمن. أي الحل؟ أي: هل هو حل عام يحل فيه كل شيء أو هو حل خاص؟ وذلك لأنهم كانوا محرمين بالحج، وكأنهم كانوا يعرفون أن له تحللين. الحل كله: أي يحل فيه كل شيء، لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد.  

529- عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَلاَ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلا َيَحْلِف ْإِلاَّ بِاللَّهِ. فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ.

أي: من أراد أن يحلف فلا يحلف إلا بالله، كوالله، وكورب العالمين، والحي الذي لا يموت، والذي نفسي بيده، ولا مقلب القلوب؛ وذلك لأن الحلف يقتضي التعظيم، وحقيقة العظمة مختصه به تعالى، فلا يضاهي به غيره. كانت قريش تحلف بآبائها: بأن تقول الواحد منهم: وأبي لأفعلن ولا أفعل. أو وحق أبي، ونهي الرسول عن ذلك؛ لأنه من أيمان الجاهلية.  

530- عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا يَقُولُونَ: إِذَا رَأَوْهَا كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا أَنْتِ مَرَّتَيْنِ.

 يقومون لها أي: للجنازة. كأنه لم يبلغها أمره صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة. أو أن عجبها إنما كان من صنيعهم في قولهم التالي. كنت في أهلك ما أنت أي: كنت في أهلك شريفا أو سيدا مثلا، فما أنت الآن؟ يقولون هذا القول مرتين. أو كلمة "مرتين" مرتبطة بما قبلها، وما نافية أي: كنت في القوم مرة ولست كائن فيهم مرة أخرى، كما هو معتقدهم في قولهم: " ما هي إلا حياتنا الدنيا". ومما يجدر ذكره أن القيام للجنازة مختلف فيه، فذهب الشافعي إلى أنه غير واجب، وأن الأمر به منسوخ، قال: والقعود أحب إلي. وصرح النووي بكراهة القيام.

531- عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها – قَالَتْ: كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشيء فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الْغُلاَمُ: تَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ، إِلاَّ أَنِي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ. فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شيء فِي بَطْنِهِ. 

 يخرج له الخراج أي: يعطيه كل يوم مبلغا من المال عيَّنه ضريبية عليه من كسبه، وكان أبو بكر يسأله عنه ليعرف حله أو حرمته. الكهانة، بالكسر: الإخبار بالغيب، وكان كثيرا في الجاهلية ولا سيما قبل البعثة. كان بعضهم يزعم أن له رئيا من الجن يلقي إليه الأخبار، وبعضهم يدعي أنه يعرف ذلك بفهم أعطيه. فأعطان بذلك أي: في مقابل ما كنت تكهنت له، حين صحت كهانتي اتفاقا. فقاء كل شيء في بطنه أي: أدخل يده في فمه ليقئ ما أكله. وذلك للنهي عن حلوان الكاهن؛ ولأن ما يحصل عليه بطرق الخديعة حرام.

 باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

 532- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما – قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَرْبَعِينَ سَنَة،ً فَمَكُثَ بِمَكَّةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم.

 أُنزل على رسول الله: أي أنزل الوحي، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة أي: بعد الوحي، ثم هاجر إلى المدينة، وأقام بها عشر سنين. وتوفي صلى الله عليه وسلم: عن ثلاث وستين سنة. 

باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم

وأصحابة من المشركين بمكة

 533- عَنِ خَبَّاب قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وَهْوَ فِي ظِل ِّالْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْتُ: أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ، فَقَالَ :لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُه ُذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ.

 خباب: ابن الأرت. متوسد بردة أي: جاعلها وسادة له. وفي رواية أخرى: "برده". محمر وجهه: وذلك من الغضب. مشاط: جمع مشط بالضم، كرمح ورماح. ما دون عظامه: دون هنا بمعنى فوق، كما تكون في غيره بمعنى تحت، وبمعنى قبل وبمعنى أمام، وبمعنى وراء. الميشار: هو المنشار، وقد ورد بهذه في رواية أخرى. وليتمن الله هذا الأمر: أي أمر الإسلام؟ ما يخاف إلا الله: وفي رواية "إلا الله، والذئب على غنمه".

 534- عَنِ عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شيء صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

 قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِي اللَّهُ) الآيَة.  

ابن عمرو: هو عبد الله بن عمرو بن العاص. حجر الكعبة: هو اسم الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي. عقبة بن أبي معيط: قُتل كافرا بعد وقعة بدر. فوضع ثوبه أي: ثوب النبي صلى الله عليه وسلم. أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله: أي كراهية لأن يقول: ربي الله، وهي من الآية 28 من سورة غافر.

 باب ذكر الجن وقول الله تعالى:

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ)

 535- عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ – يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ - أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ

مسروق: هو مسروق بن الأجدع. آذنه إيذانا: أعلمه. عبد الله: ابن مسعود. آذنت بهم شجرة: أي أعلمت بهم شجرة.

 536- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلاَ تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلاَ بِرَوْثَةٍ فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وَضَعْتُ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ :هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَنِعْمَ الْجِنُّ، فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لاَ يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلاَ بِرَوْثَةٍ إِلاَّ وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا. 

الإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. ابغني: يقال: بغيته الشيء: طلبته له. وأبغيته: أعنته على طلبه. وفي رواية "فأبغني" بهمزة القطع. الاستفاض: الاستنجاء. وأستنفض بالجزم جوابا للأمر. روثة: واحدة الروث، وهو رجيع ذي الحافر. حتى وضعت إلى جنبه: بحذف المفعول. وفي رواية: "وضعتها". نصيبين: هي من بلاد الجزيرة على طريق القوافل من الموصل إلى الشام. الطعم: بالضم الطعام. وفي رواية: "طعاما".

باب إسلام سعيد بن زيد

رضي الله عنه

 537- عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي، وَإِنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلَى الإِسْلاَمِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرُ، وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا ارْفَضَّ لِلَّذِي صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ لَكَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَرْفَضَّ.

 عمرو بن نفيل: هو أحد العشرة المبشرة بالجنة، وهو ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته جميلة. وكان من المهاجرين الأوليين، وشهد المشاهد كلها إلا بدرا. أوثقه: شده بالوثاق أي: بحبل أو قدّ (سير من الجلد) تضييقا عليه وإهانة له. يريد أن يذكر بذلك قد إسلامه معتزا بذلك. أحد: هو الجبل المعروف، بينه وبين المدينة قرابة ميل. ارفض ارفضاضا: زال من مكانه، يعني زال جزعا مما حدث عن مقتل عثمان. محقوقا: جديرا وحقيقا. يريد أن مقتل عثمان كان أمرا شنيعا جدا.

باب إسلام عمر بن الخطاب

رضي الله عنه

538- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ، وَقَالُوا: صَبَا عُمَرُ. وَأَنَا غُلاَمٌ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِى، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ، فَقَالَ: قَدْ صَبَا عُمَرُ. فَمَا ذَاكَ؟ فَأَنَا لَهُ جَارٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عَنْهُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ.

 صبا: خرج عن دينه إلى دين آخر. الديباج: الإبرسيم، وهو الحرير. فما ذاك أي: فما هذا الاجتماع؟ وما وجه العجب في ذاك؟ فأنا له جار: أجيره من أن يعتدي عليه أحد أو يظلمه. تصدعوا: تفرقوا عنه أي: عن عمر. أو عن بمعنى السبب أي: بسبب هذا الرجل؛ وهو العاص بن وائل.

539- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشيء قَطُّ يَقُولُ: إِنِي لأَظُنُّهُ كَذَا. إِلاَّ كَانَ كَمَا يَظُنُّ.

بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِي، أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَيَ الرَّجُلَ، فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَّجُلٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَإِنِي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا أَخْبَرْتَنِي. قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ! قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي السُّوقِ جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلاَسَهَا وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْد ِإِنْكَاسِهَا وَلُحُوقَهَا بِالْقِلاَصِ وَأَحْلاَسِهَا؟! قَالَ عُمَرُ: صَدَقَ، بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ رَّجُلَ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ، لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. فَوَثَبَ الْقَوْمُ قُلْتُ: لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ، يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقُمْتُ فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ: هَذَا نَبِي. 

لشيء قط يقول أي: يقول لأجل شيء أو عن شيء قط أي: في الزمن الماضي. إلا كان كما يظن: لأنه كان محدثا أي: ملهما. مر به رجل جميل: هو سواد بن قارب الدوسي. قال عمر: لقد أخطأ ظني أي: ظني أن هذا الرجل صار مسلما. أو إن هذا على دينه أي: مستمر على دينه في الجاهلية يعبد ما كانوا يعبدون. وهو تردد منه في الظن. عليَ الرجل أي: أحضروا إليَّ الرجل، أو قربوه مني. ما رأيت كاليوم أي: ما رأيت يوما مثل هذا اليوم حيت استقبل فيه رجل مسلم بمثل هذا الاستقبال. أعزم عليك: ألزمك. إلا ما أخبرتني أي: ما أطلب منك إلا إخباري. كنت كاهنهم أي: في الجاهلية، أخبرهم بالمغيبات. الإبلاس: الحيرة والانكسار. وقال بعضهم: صيرورتها مثل إبليس حائرة بائرة. اليأس: ضد الرجاء. والانكاس: الانتكاس والانقلاب على الرأس. أراد أنها يئست من السمع بعد أن كانت ألفته. وروى: "من بعد إيناسها" أي: بعد أن كانت تأنس إلى ما تسمع. لحوقها بالقلاص أي: لحوق الجن بالقلاص: جمع قلوص وهي الناقة الشابة. والأحلاس: جمع حلس، وهو كساء يجعل تحت الرحل على ظهر البعير يلازمه، ومنه قيل فلان حلس بيته أي: ملازمه. وهذا كناية عن متابعة الجن للعرب ولحقوهم بهم في الدين، إذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الأنس والجن.

والشطر وقع هكذا غير موزون. وروى موزونا برواية: "ورحلها العيس بأحلاسها". جاء رجل بعجل: هو ابن عبس، شيخ أدرك الجاهلية. جليح: هو وصف معناه الوقح، أو المكاشف بالعداوة. أو هو علم على رجل بعينه. نجيح: وصف من النجاح، وهو الظفر بالبغية. فصيح: من الفصاحة. وفي رواية: "يصيح" من الصياح. مانشبنا: أي مالبثنا. وأصل النشوب التعلق بالشيء. 

باب انشقاق القمر

 540- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ، حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا.

 أهل مكة هنا: هم كفار قريش، وقيل: إنهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، وابنه زمعة، والنضر بن الحارث. آية أي: معجزة تشهد لما ادعاه من نبوته. شقتين أي: نصفين. وروي بفتح الشين. حراء: هو الجبل المعروف، على ثلاثة أميال من مكة.

 باب هجرة الحبشة

 541- عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه – قال: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَكُمْ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ.

 المخرج: مصدر ميمي، بمعنى الخروج، والمراد خروجه إلى المدينة. فألقتنا سفينتنا: بسبب هيجان البحر وشدة العواصف؛ إذ لم يملكوا أمرهم. النجاشي: ملك الحبشة. فأقمنا معه حتى قدمنا أي: أقمنا معه بالحبشة حتى قدمنا المدينة. خيبر: هي ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، وكانت تشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، وكانت من مواطن اليهود بالجزيرة. فتحت سنة سبع أو ثمان للهجرة. وذكر ياقوت أن لفظ خيبر هو الحصن بلسان اليهود. والهجرتان: هجرة من مكة إلى الحبشة، وهجرة من الحبشة إلى المدينة. وأماغيرهم فليس لهم إلا هجرة واحدة من مكة إلى المدينة.

 باب موت النجاشي

 542- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ.

نعى لهم النجاشي: أي أخبر أصحابه بموته. نعى الميت ينعاه نعيا. والنجاشي: لقب من ملك الحبشة. واسم هذا النجاشي أصحمة، كما ورد في حديث لجابر. وهذا النجاشي هو الذي هاجر إليه المسلمون، فأحسن إليهم. وكتب له صلى الله عليه وسلم كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام سنة ست للهجرة، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب. وكان موته في سنة تسع أو ثمان قبل فتح مكة. وكان هذا الإخبار علما من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم. استغفروا لأخيكم أي: أخيكم في الإسلام. وفي حديث آخر لأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "صف بهم في المصلى، فصلي عليه، وكبر أربعا"، يعني: صلى عليه صلاة الغائب. 

باب قصة أبي طالب

 543- عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - رضي الله عنه - قَالَ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.

 ما أغنيت عن عمك أي: أي شيء دفعته عنه؟ وماذا نفعته؟ حاطه يحوطه: صانه وحفظة. وقد استمر أبو طالب في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم على قومه حتى توفي سنة عشر من المبعث. الضحضاح: القريب القعر. ومعناه أنه خفف عنه من العذاب. لولا أنا أي: لولا شفاعتي. الدرك الأسفل، هو أقصى قعرها. والدرك مقابل الدرج، الدرك إلى أسفل، والدرج إلى أعلى.

 544- عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: أي عَمِّ، قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَالاَ يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شيء كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ. فَنَزَلَتْ (مَا كَانَ لِلنَّبِي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (وَنَزَلَتْ:) إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ(.

 أبو جهل: هو عمرو بن هشام بن المغيرة، فرعون هذه الأمة. أحاج: من الحجة والاحتجاج. وكلمة نصب على البدل من مقول القول. عبد الله بن أبي أمية: ابن المغيرة. وهو أخو أم سلمة أم المؤمنين. وقد أسلم عبد الله هذا يوم الفتح. مالم أُنه عنه أي: عن الاستغفار. ما كان للنبي...: الآية 113 من سورة التوبة. إنك لا تهدي...: الآية 65 من سورة القصص.

حديث الإسراء

545- عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللَّهِ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ.

 لما كذبني: وفي رواية "كذبتني" يعني: تكذيبه في إخباره أنه جاء بيت المقدس، ثم رجع في ليلة واحدة، وهو الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. الحجر: حجر الكعبة، وهو ما تركت قريش في بنائها من أساس إبراهيم عليه السلام، وحجرت على الموضع ليعلم أنه من الكعبة. جلاه تجلية: كشفه وأظهره. وفي رواية: "جلا" بتخفيف اللام، وهما بمعنى. أي: كشف الحجب بيني وبينه فرأيته، فطففت أخبرهم عن آياته أي: جعلت وأخذت أخبرهم عن علاماته وأوضاعه وأحواله. وكانوا لا يسألونه عن شيء منه إلا أخبرهم به. وفي حديث مسلم: فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا نبأتهم به".

باب المعراج

 546- عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - رضي الله عنهما - أَنَّ نَبِي اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعًا، إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَقَدَّ – قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ - مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ - فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهْوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ- فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُوتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ. - فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: هُوَ الْبُرَاق ُيَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ، يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ - فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلاَمَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثانيةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا. فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالاَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال:َ جِبْرِيلُ. قِيل:َ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ. قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ قَالَ: هَذَا هَارُونُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا مُوسَى قَالَ: هَذَا مُوسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكي، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكي لأَنَّ غُلاَمًا بُعِثَ بَعْدِي، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلاَمَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهي، فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلاَلِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهي، وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ. فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ، فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ. ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ. فَرَجَعْتُ، فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ، فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ. قَالَ: سَأَلْتُ رَبِي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ.

قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِى وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِى.

المعراج مفعال من العروج، وهو الصعود، كأنه آلة له. وسميت ليلة المعراج لصعود النبي صلى الله عليه وسلم فيها. وقد وقع الإسراء والمعراج معا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده المكرم صلى الله عليه وسلم. وكانا قبل الهجرة بسنة، وقيل: بعد المبعث بخمس سنين. الحطيم: هو الحجر. وانظر الحديث السابق. أتاني آت: هو جبريل عليه السلام. قدَّ: شق طولا. قال الجارود: يعني من ثغرة نحره إلى شعرته، وثغرة النحر: المنخفض بين الترقوتين. بطست من ذهب: قالوا: إن ذلك قبل تحريم استعماله. فغُسل قلبي: بماء زمزم، كما في رواية للبخاري ومسلم. ثم أتيت بدابة: هو البراق بضم الباء. خطوه عند أقصى طرفه أي: يضع رجله عند منتهي ما يرى بصره. فاستفتح أي: طلب جبريل فتح الباب. فنعم المجيء جاء أي: نعم المجيء الذي جاء، أو نعم المجيء جاء، بحذف الموصول أو الموصوف، وهو المخصوص بالمدح. ففُتح: بفتح الفاء أي: فتح الخازن الباب. أما ففُتح بضم الفاء، ابتداء من ذكر السماء الثالثة، بالبناء للمفعول، كما قيدت في الشروح. ونظائرها فيما سبق بفتح الفاء مبني للفاعل. خلصت: أي وصلت. يحيى وعيسى ابنا خالة: لأن أم يحيى: إيشاع بنت فاقوذ. وأم عيسى: مريم بنت حنة بنت فاقوذ. فهما ابنا خالة بهذا الاعتبار. أَوَقَد: هذه بإثبات همزة الاستفهام. بكي موسى: أسفا على ما فاته من الأجر المترتب عليه رفع درجته بسبب ما حصل من أمته من كثرة المخالفة التي تقتضي تنقيص أجورهم، وهذا يستلزم نقص أجره؛ لأن لكل نبي مثل أجر جميع من اتبعه. وقوله "غلام" يريد أنه صغير السن بالنسبة إليه. السدرة: واحدة السدر، وهو شجر النبق. وسميت: سدرة المنتهي، لأنه لا يتجاوزها ملك ولا نبي. القلال: جمع قلة وهي الجرة، يريد أنها مثلها في الكبر. وهجر: اسم بلد بقرب المدينة، وهي غير هجر البحرين. بما أُمرت: وفي رواية: "بم أُمرت"؛ وهما وجهان في العربية. وقرئ: "عما يتساءلون". عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة: أي مارستهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم من الطاعة. تعقيبا على ختام الحديث: قال صاحب الفتح: هذا أقوى ما يستدل به على أنه صلى الله عليه وسلم كلمه ربه ليلة الإسراء بغير واسطة.  

باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة

وبيعة العقبة

547- أنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - مِنَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - وَمِنْ أَصْحَابِهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - أَخْبَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُونَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهْوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ. قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ.

 عبادة بن الصامت: هو أحد النقباء، وأحد الستة أهل العقبة الأولى في قول بعضهم، وأحد الاثنى عشر أهل العقبة الثانية، وأحد السبعين في الثالثة. المبايعة: المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخلية أمره. ولا تقتلوا أولادكم: تسجيل لما كان شائعا في الجاهلية من وأد البنات خشية الفقر أو العار. ونهي لهم عن عمل شنيع مجافٍ للإنسانية. البهتان: الكذب يبهت سامعه أي: يوقعه في حيرة ودهشة. والافتراء: الاختلاق بين أيديكم وأرجلكم أي: من قبل أنفسكم، كنى باليد والرجل عن الذات؛ لأن معظم الأفعال بهما. ولا تعصوني في معروف: قاله تطييبا لأنفسهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يأمر إلا بمعروف. والمعروف: ما يستحسن من الأمور. وهو ما إذا رآه الناس لا ينكرونه. فمن وفى أي: من وفى بالعهد. كفارة: من ذلك أي: مما أصاب ما عدا الشرك. فعوقب به: بسببه بإقامة الحد عليه. فهو أي: العقاب، كفارة له لا يعاقب عليه في الآخرة. وسميت الكفارة كفارة؛ لأنها تكفر الذنوب أي: تسترها، وتمحوها. فبايعته على ذلك: القائل عباده. وفي رواية: "فبايعناه".

 باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وقدومها المدينة وبناؤه بها

548- عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها – قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ، فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي فَوَفَى جُمَيْمَةً، فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا لاَ أَدْرِى مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِي لأَنْهَجُ، حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِى، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهي وَرَأْسِى، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ، فَقُلْنَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ. فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلاَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.

 تزوجني أي: عقد علي. وعكت، بالبناء للمفعول: أصابتني الحمى. تمرق الشعر: انتتف. فوفى أي: ثم برئت من الحمى فوفى شعري أي: كثر وزاد. جميمة: مصغر جمة بالضم، وهو من شعر الرأس ما سقط عن المنكبين. وجميمة: روى بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على الحالية. أم رومان: اسمها زينب الفراسية. الأرجوحة، كما في اللسان: خشبة تؤخذ فيوضع وسطها على تل ثم يجلس غلام على أحد طرفيها وغلام آخر على الطرف الآخر؛ فترجح الخشبة بهما ويتحركان، فيميل أحدهما بصاحبه الآخر. أنهج أي: أتنفس عاليا من الإعياء. على خير طائر أي: على خير حظ ونصيب. لم يرعني أي: لم يفجأني. ضحى: أي دخل عليَّ ضحى بغير علم مني.

وكان ذلك في السنة الأولى أو الثانية من الهجرة.

 باب التاريخ

 549- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلاَ مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلاَّ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ. 

ما عدوا من مبعثه: لأنه مختلف فيه، باعتبار بدء الدعوة أو بدء الرؤيا الصالحة. ولا من وفاته: وذلك لما يستدعيه من أسف وحزن. مقدمه المدينة: سنة الهجرة. وإنما جعل من أول المحرم؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في أول المحرم، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال محرم. وكان بدء التاريخ في خلافة عمر سنة 17.