ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

 كتابْ الأدب

باب مَنْ أَحقُّ النَّاسِ بحُسْن الصُّحبة

 757- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه – قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِى؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمُّكَ. قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ.

  جاء رجل: قيل: هو معاوية بن حيدة، بفتح الحاء. الصحابة، بالفتح: مصدر مثل الصحبة، وهي المعاشرة. أمك: خبر لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف أي أحق الناس بحسن الصحابة، وعند مسلم: "أمك" بالنصب مع رواية "أباك" فى آخر الحديث، وتوجيه النصب على تقدير فعل هو: الزم او احفظ. والتكرار فى هذا دلالة على أن محبة الأمر والشفقة عليها ورعاية جانبها ينبغي أن يكون أمثال ما يوجه إلى الأب، وذلك لما تعانيه من مشقة الحمل والوضع، والرضاع والتربية؛ ولأنها فى ضعفها وشدة حنوها، جديرة بأن تجد من ولدها برا ظاهرا مضاعفا.

باب ليس الواصل بالمكافىء

758- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا.

 ليس الواصل بالمكافىء أي: ليس حقيقة الواصل من يكافئ صاحبه بمثل فعله؛ لأن هذا إنما يكون نوعا من المعاوضة والمقاصة. قطعت رحمه: وفى رواية: "قَطَعَتْ رحمه". أي الذي إذا مُنع أعطى. فهم ثلاث درجات: متواصل يتفضل ولا يتفضل عليه. ومكافىء: لا يزيد فى الإعطاء على ما يأخذ. وقاطع: يُتفضل عليه ولا يَتفضل. والواصل له الوعد الذي وعد الله عباده عليه جزيل الأجر فى قوله: " والذين يصلوم ما أمر الله به أن يوصل".

باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته

 759- عن أنس: أَخَذَ النبي صلى الله عليه وسلم إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ.

 إبراهيم: هو ولده صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية، ولد بالمدينة وعاش ستة عشر شهرا، ومات قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر. والتقبيل بالفم تعبير بدنى عن المحبة، وكذلك الشم بالأنف. واشتقاق التقبيل من المقابلة والمواجهة.

 760- عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِى غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ. 

 فحدثته أي: حدثته بخبر هذه المرأة وما كان من صنيعها. من يلي: من الولاية. وفى رواية أبى ذر: "من بُلي" من الابتلاء. وفى رواية الترمذى: "من ابتلي" فعلى هاتين الروايتين تنصب "شيئا" على نزع الخافض أي: بشيء، أو تنصب على المفعولية المطلقة أي: شيئا من البلاء أو الابتلاء. من هذه البنات شيئا: هذه إشارة إلى الجنس، ف (أَلْ) فى البنات للجنس. سترا من النار أي: حجابا يقيه النار.

والحديث حث على رعاية البنات من بين الولد بوجه خاص، لما فيهن من ضعف عن القيام بمصالحهن في الغالب، من الاكتساب، وحسن التصرف، وقوة الرأى، ولشعورهن بالحاجة إلى العطف والرعاية. وفي سنن ابن ماجه من حديث سراقة بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلك على فضل الصدقة؟ ابنتك مردودة إليك ليس لها كاسب غيرك".

وفى الحديث تنويه بسخاء عائشة؛ إذ جادت بما لا تملك غيره. وفيه الحث على التصدق بما تيسر، قل أو كثر.

761- عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها – قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ. 

تقبلون الصبيان؟: بحذف أداة الاستفهام أي: أتقبلون؟ وفى رواية: "أتقبلون"، بالهمزة. أو أملك… أي: لا أملك لك دفع نزع الله الرحمة من قبلك، بتقدير مضاف قبل المصدر المؤول. أو معناه لا أملك وضع الرحمة فى قبلك، وذلك لنزع الرحمة من قلبك، بتقدير مفعول محذوف لأملك، وجعل المصدر مفعول لأجله. وهذان التفسيران على رواية "أن" بفتح الهمزة، وروى بكسر همزة "إن" فيكون معناه: إن نزع الله من قبلك الرحمة لا أملك ردها. بتقدير جواب للشرط مفهوم مما سبق.

762- عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِى، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا.

 سبي أي: أسرى. تحلب ثديها: ويروى: "قد تَحَلَّبَ ثديها" أي: سال منه اللبن؛ ومنه سمي الحليب لتحلُّبه. تسقى أي: ترضع. وروى: "تسعى" من السعي، وهو المشي في سرعة فألصقته ببطنها وأرضعته: وذلك من شدة رحمتها بالأولاد؛ إذ أنها كانت قد فقدت ولدها، وذلك أيضا عنها ليخف عنها اللبن ويزول عنها ضرر تحفله في ثدييها. أترون هذه طارحة ولدها فى النار أي: أتظنونها وهي بهذه الشفقة العارمة قادرة على إلقاء ولدها فى النار. لا، وهي تقدر على ألاّ تطرحه أي: لا تطرحه وهي قادرة على عدم طرحه أي: إنها لاتطيق ذلك ولا تفعله اختيارا. لله: اللام فيه للتأكيد. والعباد لفظه عام ومعناه هنا خاص بالمؤمنين. فكان مظهر الرحمة من هذه المرأة مجالا للتنبيه على أن رحمة الله فوق هذه الرحمة التى لمسها المؤمنون من هذه المرأة التى سكبت حنانها فيمن تلقاه من الصبيان.

باب جعل الله الرحمة فى مائة جزءِ

763- عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.

الرحمة: الرقة والتعطف، وهي من الله العطف على خلقه بالأرزاق المادية والمعنوية، وبقبول توبة التائب. فى مائة جزء أي: منحصرة فى هذه الأجزاء المائة على الحقيقة، أو على المجاز على إرادة التكثير والمبالغة. أو "فى" زائدة، كما فى قوله: وفى الرحمن للضعفاء كاف.

وفى رواية: "جعل الله الرحمة مائة جزء". وأنزل فى الأرض أي: إلى الأرض، بنيابة حرف الجر عن مثله. أو هو على تضمين أنزل معنى نشر وبثَّ. يتراحم الخلق أي: يرحم بعضهم بعضا، سواء فى ذلك العقلاء من الخلق وغير العاقلين كضروب الحيوان. الحافر للفرس بمنزلة الظلف للشاة فى أطراف قوائمها. أن تصيبه أي: خشية إصابتها له بحوافرها. إتما خص الفرس لأنها أشد الحيوان المألوف حركة مع ولدها، ولما فيها من الخفة والنشاط وسرعة الحركة، وهي مع ذلك تتوقى أن يصل الضرر منها إلى ولدها.

والحديث تصوير لسعة رحمة الله التى وسعت كل شيء.

باب فضل من يعول يتيما 

764- عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا. وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

كافل اليتيم: القائم بمصالحه ورعاية شيءونه. وقال بإصبعيه أي: أشار بهما. وقال، بمعنى أشار للتمثيل. السبابة: الإصبع التى بين الإبهام والوسطى، وتعرف بالسبحاة أيضا، بتشديد الياء، وهي التى يشار بها فى تشهد الصلاة.

وفى هذا التعبير إشارة إلى قرب المنزلة كقرب ما بين هاتين الإصبعين المتجاورتين. 

باب رحمة الناس والبهائم

765- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ.

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ.

 فشرب، ثم خرج أي: من البئر. يلهث: يخرج لسانه من العطش، أو يرتفع نَفَسُه بين أضلاعه. الثرى: التراب الندى. بلغ هذا الكلب: ويروى: "هذا الكلبُ" بالرفع، "مثل" بالنصب أي: بلغ الكلب مبلغا مثل الذي بلغ بى. ثم أمسكه بفيه: ليستطيع الصعود به، إذ أن يديه مشغولتان بالصعود من البئر. فشكر الله له، فغفر له أي: أثنى الله عليه، أو قبل عمله منه أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته. وفى رواية: "فأدخله الجنة" بدل: "فغفر له". قالوا أي: قال الصحابة، وسمى منهم سراقة بن مالك بن جعشم، فيما رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان. وإن لنا فى البهائم أجرا أي: الأمر كما ذكرت، وإن لنا فى الإحسان إلى البهائم أجرا؟ جاء الاستفهام مقرونا بالتأكيد إظهارا للتعجب. الكبد مؤنثة. والرطبة: الحية، لملازمة الرطوبة لجميع الأحياء. أو معناه فى كل كبد كادت أن تيبس من العطش أجر لمن سقاها حتى تصير رطبة فهو من وصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه.

وفى الحديث حث على الإحسان، وأن السماح بالماء من أعظم القربات. وقديما كان المحسنون يعنون بإقامة المشارب والحياض للناس والحيوان، يبتغون بذلك القربة إلى الله، وفى القاهرة المعزية مشارب أثرية بنيت وحدها أو ملحقة بالمساجد والقصور لهذا الغرض الكريم، يسميها العامة "السبيل".

 766- عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكي عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى.

التراحم: أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإسلام. والتواد: المواصلة الجالبة للمحبة، كالتزاور والمهاداة. والتعاطف: أن يعين بعضهم بعضا، كما يعطف شيء على شيء ليقويه. كمثل الجسد أي: كمثل الجسد بالنسبة لجميع الأعضاء. ووجه الشبه التوافق فى التعب والراحة، والاتحاد فى المشاعر، والتربط التام. تداعى أي: دعا بعضه بعضا إلى المشاركة فى الألم. والحديث حث على التعاون والتكافل والمشاركة فى الآمال والآلام. 

باب الوَصَاة بالجار 

767- عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ.  

"الوصاة": كذا فى جميع أصول البخاري. وعند العيني والقسطلاني: "الوصاءة" بالهمز. يوصيني بالجار: فى مراعاة حقوقه، وفى مواساته، وإردة الخير له ودفع الضرر عنه، وإمداده بالنصح، ومعاملته بالحسنى. واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والنافع والضار، والقريب والأجنبى. واختلف فى حد الجوار، فعن على أن الجار من سمع النداء، وعن عائشة حق الجوار أربعون دارا من كل جانب. سيورثه أي: سيجعله بمنزلة القريب المستحق للميراث.

باب تعاون المؤمنين بعضِهم بعضا

768- عن أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: اشْفَعُوا، فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ.

 أبو موسى: أبو موسى الأشعري.

هذا تمثيل لبناء المجتمع الإسلامى: أن يتعاون أفراده، ويتكاتفوا، ويكونوا فى تعاونهم كالبنيان لا يقوم إلا على أساس من الترابط والتساند والنظام المحكم، فإذا اختل من البنيان شيء سرى الخلل منه إلى سائره. فكذلك المؤمنون لا تتم سلامتهم وقوتهم إلا بسلامة الأفراد وقوتهم، وإمداد بعضهم بعضا بالتقويم والنصح والرعاية الشاملة.

ثم شبك بين أصابعه: تمثيلا للترابط والتماسك. إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة. ويروى: "طالب حاجة". اشفعوا فلتؤجروا أي: اشفهوا فى قضاء حاجة السائل أو الطالب. والفاء للسببية بعدها لام كي المسكورة، وجاز اجتماعهما لأنهما بمعنى واحد وهو التعليل، أو اللام الزائدة على مذهب الأخفش كزيادتها فى "قوموا فلأُصَلِي لكم". ويحتمل أن تكون اللام لام الأمر، وهذه يجوز فيها الكسر على الأصل وتسكينَها تخفيفا لأجل الحركة التى قبلها. وليقض الله: اللام للأمر المقصود به الدعاء أي: اللهم اقض. دعا الله أن يجرى على لسانه ما يشاء مما يأمر به المسلمين من خير؛ ليتم فى ذلك قضاء الله وقدره. وفى رواية: "ويقضى".

باب كيف يكون الرجل فى أَهله

769- عنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ. 

 

الأسود: هو الأسود بن يزيد ين قيس النخعى، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه. ما كان يصنع فى أهله؟ أي إذا كان فى أهله أي: معهم وبينهم. المهنة: الخدمة، وهي بكسر الميم وفتحها. وإنما كان يفعل ذلك ليقتدى به فى التواضع والتعاون والمشاركة فى الشعور والمسئولية الأسرية، والاعتماد على النفس؛ فكان يخيط ثوبه، ويخضف نعله، ويحلب شاته، كما ورد فى السنن. حضرت الصلاة: جاء وقتها.

باب ما يجوز من اغتياب أَهل الفساد والريَب 

770- عن عَائِشَةَ - رضي الله عنها – قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ، أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوِ ابْنُ الْعَشِيرَةِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الْكَلاَمَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلاَمَ قَالَ: أي عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ - أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ - اتِّقَاءَ فُحْشِهِ. 

استأذن رجل: هو عيينة بن حصن الفزارى، أو مخرمة بن نوفل. العشيرة: القبيلة، وبنو الأب الأدنون. وبئس: عبارة من عبارات الذم والاستنكار. وأخو القبيلة: الرجل منها، كقولهم: يا أخا العرب، لكل عربى. "ألان له الكلام": استئلافا له، وليضرب مثلا فى المداراة. "قُلْتَ الذي قُلْتَ ثم ألَنْتَ له الكلام": القائل عائشة. تسأل عن سر تحوله صلى الله عليه وسلم من ذم هذا الرجل إلى إلانة الكلام له. أي عائشة: أى: أداة من أدوات النداء أي: يا عائشة. ودعه يدعه ودْعا: تركه. وهذا نص على استعمال الماضى من يدع وإن زعم بعض اللغويين أن الماضى منه ممات. وقد قرىء فى خارج السبع: "ما وَدَعَكَ ربك وما قلى". وهذا تعليل للمداراة التى اصطنعها الرسول. وكان فعله صلى الله عليه وسلم تشريعا فى جواز غِيبة أهل الفساد والريب، وجواز مداراتهم دفعا لشرهم وفحشهم.

باب ما يُكره من النَّميمة 

771- عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ.

همام: همام بن الحارث النخعى الكوفى. حذيفة: حذيفة بن اليمان رضي الله عنه. رفع الحديث إليه: يبلغه إليه. يعني عثمان بن عفان. لا يدخل الجنة، المراد لا يدخلها دخول الفائزين، أو لا يدخلها إذا استحل ذلك الفعل. القتات: مبالغة من قت الحديث يقته قتا، إذا نقله على سبيل النميمة. وقيد بعضهم القتات بالذي يتسمع على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم حديثهم.

باب ما قيل فى ذى الوجهين

 772- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ. 

 من شرار: ويروى: "من شرِّ" و"من أشرٍّ". والأولى من هاتين الروايتين أفعل تفضيل سماعى مشهور، والثانية أفعل تفضيل قياسي قليل الاستعمال. يأتى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه أي: يأتى قوما بوجه ويظهر عندهم أنه منهم ومخالف للآخرين مبغض لهم، ثم يأتى إلى الآخرين ويصنع نحو هذا الصنيع. لكن لو أتى كل قوم بكلام فيه صلاح واعتذر عن كل قوم للآخرين، ونقل ما أمكنه من قول جميل مع ستره للقبيح، كان بذلك محمودا. وإنما كان الأول شر الناس لأنه بمنزلة المنافق.

باب ما يُنْهي عن التحاسُد والتَّدابر

773- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا.

باب ما ينهي أي: باب النهي، و"ما" فيه مصدرية. إياكم والظن أي: اجتنبوا اتهام أحد بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها. أكذب الحديث أي: أكذب ما تحدث المرء به نفسه؛ أو إذا حدث الناس به صاحب الظن دون أن يتحقق منه كان أكذب المحدثين. التحسس والتجسس كلاهما بمعنى، وهو تطلب الأخبار. وقيل التحسس بالمهملة: الاستماع لحديث القوم، والتجسس بالجيم: البحث عن العورات. التناجش: تفاعل من النجش، بالفتح، وهو أن يزيد الرجل ثمن السلعة وهو يريد شراءها، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته. لا تحاسدوا أي: لا يحسد بعضكم بعضا. لاتدابروا أي: لا تتدابروا، بحذف إحدى تاءى الفعل أي: لا تتهاجروا فيولى كل واحد منكما دبره لصاحبه. عبادَ الله أي: يا عباد الله. أي كونوا كالإخوان من النسب فى الشفقة والرحمة والمحبة، والمواساة، والمعاونة، والنصيحة.

باب ستر المؤمنِ على نَفْسهِ

774- عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ. 

 ستر المؤمن على نفسه أي: إذا صدر منه ما يعاب عليه. معافى: من المعافاة، وهو العفو فمن تستر ولم يجاهر بذنبه كان أهلا لعفو الله، وأما المجاهرون الذي يستعلنون بذنوبهم وآثامهم فليسوا أهلا للعفو. ويروى: "إلا المجاهرون"، وخرجه ابن مالك بأن "إلا" فيه بمعنى لكن أي: لكن المجاهرون بالمعاصى لا يعافون. "وإن من المجاهرة": ويروى: "من المجانة" بفتح الميم وتخفيف الجيم أي: عدم المبالاة. البارحة: أقرب ليلة مضت. كذا وكذا أي: من المعصية.

باب الكِبْر

775- عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ.

ألا أخبركم بأهل الجنة أي: بأغلب أهلها. "كل ضعيف متضاعف" أي: هم كل ضعيف متضاعف، والمراد بالضعيف هنا ضعيف الحال فى الدنيا، لاضعيف البدن. والمتضاعف: التواضع. وهؤلاء أبعد الناس عن الشرور والمآثم وما يدفع إليه الغرور والاستعلاء. لو أقسم على الله لأبره أي: لو أقسم على الله طمعا فى كرمه لأبره أي: أجابه إلى ما أقسم عليه. ويقال فى نقيضه: أحنثه، إذا لم يجبه إلى ما أقسم عليه. ألا أخبركم بأهل النار أي: معظم أهلها. العتل: الغيظ الجافى الشديد العنف. والجواظ: المنوع للخير، أو المختال فى مشيته. والحديث حث على التواضع ونهي عن الكبر والاستعلاء.

776- عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ.

الأمة: المملوكة غير الحرة. حيث شاءت: حيث شاءت من الأمكنة ولو كان المكان خارج المدينة. زاد أحمد: "فى حاجتها". وفى أخرى له: "فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت". والمراد بالأخذ باليد لازم ذلك، وهو الانقياد والمطابقة. وهذا أعلى درجات التواضع والبعد عن الكبر، صلى الله عليه وسلم.

باب الصدق والكذب

777- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا.

 عبد الله: عبد الله بن مسعود. يهدى إلى البر أي: يوصل إلى الخيرات كلها. والصدق ضروب كثيرة، منها صدق فى اللسان وهو نقيض الكذب؛ وصدق فى النية وهو الإخلاص، وصدق فى العزم، وصدق فى الوفاء بالعزم، وثدق فى الأعمال ويكون باستواء السر والعلانية. "ليصدق حتى يكون صديقا" أي: ليستمر فى صدقه حتى يصل إلى درجة الصديقين. والصديق مبالغة فى الصادق. الفجور: ضد البر، وهو اسم جامع للشرور، قال تعالى: "إن الأبرار لفى نعيم. وإن الفجار لفى جحيم". ليكذب أي: ليستمر فى كذبه، ويتكرر ذلك منه. حتى يكتب عند الله أي: يحكم له بذلك ويظهره للمخلوقين فى الملأ الأعلى، وفى الأرض. وفى رواية: "حتى يكون".

باب الحياءِ

778- عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِى إِلاَّ بِخَيْرٍ.                 الحياء: فسروه بأنه تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم. ويقال: حيى منه يحيا حياء، واستحيى استحياء. وأنشد:

ألا تَحْيَوْنَ مِنْ تَكْثِيرِ قَوْمٍ لعلاَّتٍ وأُمُّكُم رَقُوبُ

ومعناه أن من استحيا من الناس أن يروه مدانيا لرذيلة، أو مرتبكا لما يلام عليه، فذلك داعية أن يكون أشد حياء من الله أن يأتى من الفجور وارتكاب المحارم ما يستوجب غضب الله، وذلك بطبيعة الحياء الكامنة فيه. فالحياء بذلك يبعد صاحبه عن الشرور، ويدنيه من الخير وما يرضي الله والناس.

779- عن أَبُي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِى، فَاصْنَعْ مَا شئت.

أبو مسعود: أبو مسعود عقبة بن عمرو البدرى الأنصارى، وورد فى العيني والقسطلاني: "عقبة بن عامر" وهو خلط بينه وبين غيره. انظر الإصابة 5599. وقد جاء اسمه على الصواب عندهما فى كتاب بدء الخلق. العيني 476:7 والقسطلاني 440:5. الناس، بالرفع فى جميع طرق الصحيح كما قال ابن حجر أي: مما أدركه الناس. ويجوز النصب أي: مما بلغ الناس، والمراد بالإدراك أنه باق إلى الآن لم ينسخ فيما نسخ من شرائع الأنبياء. من كلام النبوة الأولى أي: مما اتفق عليه الأنبياء الأولون فى كلامهم وهديهم. لم تستح: وفى رواية: "لم تستحى". وقد ذكر المفسرون لهذا أوجها كثيرة: أحدها: إذا لم تستح من العتب ولم تخش العار فافعل ما تحدثك به نفسك، حسنا كان أو قبيحا. فالأمر مراد به التوبيخ. الثاني: إن تيقنت أن ما ستفعله لا يستوجي حياء لأنه صواب لا يستحيا منه فافعله. الثالث: أن معناه الوعيد أي: افعل ما شئت تلق جزاءه، كقولة تعالى: "اعملوا ماشئتم". الرابع: تركك الحياء أعظم مما تفعله أي: إن اطراح الحياء هو غاية ما يذم به المرء، فمن هان عليه حياؤه هان عليه مقارفة كل معصية وفجور.

 780- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لاَ يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ.

اللدغ: عض الحية والعقرب. وقرئت "يلدغ" بضم الغين على الإخبار، أو على الإخبار المراد به النهي، وقرئت أيضا بكسر الغين مسبوقا بلا الناهية فيكون معناه التحذير أي: ليكن المؤمن حازما حذرا لا يؤتى من ناحية الغفلة، فيخدع مرة بعد أخرى. وقد يكون ذلك فى أمر الدين كما يكون فى أمر الدنيا، وذلك أولاهما بالحذر. وأصح القراءتين قراءة الرفع، لأن العبارة مثل له أصل معروف، وهو كلام لم يسبق إليه صلى الله عليه وسلم.

وأول ما قاله لأبى عزة الجمحى الشاعر، عندما أسر بوقعة بدر واشتكي عَيْلة وفقرا، فمنَّ عليه صلى الله عليه وسلم، وأطلقه بغير فداء، وشرط عليه ألا يجلِّب عليه ولا يهجوه، فلما بلغ مأمنه عاد إلى ما كان منه من التحريض والهجاء، وخان العهد، فأسر مرة أخرى فى وقعة أحد، فسأله أن يمن عليه وذكر فقره وعياله، فلم يعفُ عنه هذه المرة وقال له: "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"، وقال له أيضا: "لا تمسح عارضيك بمكة تقول سخرت بمحمد مرتين"، وأمر به، فقتل.

باب إِذا عَطَسَ كيف يشمَّت

781- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَلْيَقُلْ: لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ.

تشميت العاطس: الدعاء له، وأصله إزالة شماتة الأعداء، فكأن الدعاء له بالخير قصد به ألا يكون فى حالة من يشمت به، فيكون التفعيل به بمعنى السلب، كما يقال جلدت البعير تجليدا أي: أزلت عنه جلده. أو هو من شمته بغيره: جعله يشمت به، فكأنه حين دعا له قد جعله يشمت بالشيطان، إذ أدخل على الشيطان ما يسوءه. العطاس: حركة غير إرادية تندفع بها بعض إفرازات الأنف والحلق، وبها يزول عن العاطس كثير من الأذى الكامن فى الدماغ. فهو نعمة تستحق الحمد، وتغير مفاجىء للعاطس يتطلب الدعاء له بالسلامة. وليقل له أخوه أو صاحبه: الشك من الراوي. والمراد بالأخوة أخوة الإسلام. ويصلح بالكم: أي حالكم وشأنكم. وهو سنة كريمة فى تبادل الدعاء الداعي إلى زيادة الألفة، وتوثيق روابط الإخاء.