ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

 كتاب الفتن

باب التحذير من الفتن

 891- عَنِ أَسْمَاءُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي فَأَقُولُ أُمَّتِي. فَيَقُولُ لاَ تَدْرِي، مَشَوْا عَلَى الْقَهْقَرَى قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ. 

أسماء: أسماء بنت أبي بكرالصديق رضي الله عنهما. الحوض: مجتمع للماء معروف وحوض الرسول: الذي يسقي منه أمته يوم القيامة. و"أنا على حوضي" تصوير لما يكون منه صلى الله عليه وسلم فى يوم القيامة، إذ ينتظر من يرد عليه أي: يحضر ليشرب. من دوني: من دونه أي: بالقرب منه. فأقول: أمتي أي: هؤلاء من أمتي فاعف عنهم. وفى باب الحوض من الرقاق: "فأقول: يارب، مني ومن أمتي!". فيقال: لا تدرى: وفى رواية: "فيقول". القهقرى: الرجوع إلى خلف أي: ارتدوا عما كانوا عليه.

 892- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لأُنَاوِلَهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ أي رَبِّ أَصْحَابِي. يَقُولُ: لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ.

 عبد الله: هو عبد الله بن مسعود. الفرط والفارط: الذي يتقدم الواردة (القوم يردون الماء) فيهيىء لهم الأرسان (ما كان من أَزِمَّة الخيل على أنوفها) والدلاء ويملأ الحياض. أي أنا أتقدمكم. ليرفعن إلى: يقال رفع إليه الشيء أي قرب منه وأدنى. كما يقال: رفع له الشيء أبصره من بعد. وأنشد:

ما كان أبصرني بغرات الصبا فاليوم قد رفعت لى الأشباح

أهويت: يقال: أهوى بيده إليه أي: مدها نحوه وأمالها. لأناولهم أي: لأعطيهم، والمراد تقديم الماء. اختلجوا، بالبناء للمجهول أي: اجتذبوا واقتطعوا. أي رب، أصحابي: أي أمتي. 

باب سَتَرونَ بعدِي أُمورا تنكرونَها 

893- عَنْ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا".

 قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:" أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ".

عبد الله: عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي. الأثرة: بالتحريك، وبضم لبهمزة: الاستئثار. أراد: إنه يستأثر عليكم، فيفضل غيركم فى نصيبه من الفىء والحظوظ الدنيوية. يعني: أثرة الأمراء والولاة لأنفسهم ولمن يلوذ بهم. فماذا تأمرنا يا رسول الله أي: إذا وقع ذلك، فماذا تأمرنا به أن نفعل. أدوا إليهم حقهم أي: أدوا إلى الأمراء حقهم الذي لهم المطالبة به: كمال الزكاة، والخروج إلى الجهاد. وسلوا الله حقكم أي: سلوا الله أن يأخذ لكم حقكم، ويقيض لكم من يؤديه إليكم.

894- عن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ رَأى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.

 من رأى شيئا يكرهه أي: شيئا من أمور الدين. فليصبر عليه أي: ولا يخرج عن طاعته. الجماعة: جماعة الإسلام. والمراد بالشبر: أدنى شيء. مات ميتة جاهلية أي: على الهيئة التى كان يموت عليها أهل الجاهلية الذين كانوا لا يرجعون إلى طاعة أمير، ولا يسيرون خلف هدى إمام. و"إلا" زائدة أو عاطفة على رأي الكوفيين. أو الكلام قبل "إلا" مضمن معنى النفي، أو مقدر فيه ما النافية.

 

895- عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهْوَ مَرِيضٌ قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.

 جنادة: أبو عبد الله جنادة بن أبى أمية كثير الأزدي، صحابي، أو هو من كبار التابعين. فيا أخذ علينا أي: فيما اشترط علينا وأخذ من عهد. أن بايعنا: أن فيه تفسيرية. منشطنا ومكرهنا: كلاهما مصدر ميمي. والمراد فى حال نشاطنا، والحال التى نكون فيها كارهين للعمل عاجزين عنه. وأثرة علينا: انظر للأثرة ما سبق فى الحديث 893. ننازع الأمر أهله أي: أمر الولاية والسلطان. إلاَّ أن تروا: كان مجرى القول: "إلا أن نرى" بالنون، فالكلام على تقدير القول أي: "قائلا: إلا أن تروا". والبواح: الظاهر يجهر به وصرح به. عندكم من الله فيه برهان أي: نص من القرآن أو الخبر الصحيح الذي لا يحتمل التأويل. فلا يجوز الخروج على الإمام ما دام فعله يحتمل التأويل.

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم

ويل للعرب، من شرِّ قد اقترب

896-عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ - رضي الله عنهن - أَنَّهَا قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ النَّوْمِ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيْل ٌلِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ. وَعَقَدَ سُفْيَانُ تِسْعِينَ أَوْ مِائَةً. قِيلَ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ.

 ويل: كلمة تقال لمن وقع فى هلكة على سبيل الندبة، ويقولها أيضا من وقع فى شر. ويقولها كذلك من دعا على غيره بالوقوع فى االعذاب والهلكة. شر قد اقترب: قيل أريد به الاختلاف الذي ظهر بعد مقتل عثمان، والخلاف بين على ومعاوية. وخص العرب لأنهم أول داخل فى الإسلام وأكثره حينئذ، ولإنذارهم بأن الفتن إذا وقعت كان الشر إليهم أسرع. الردم: السد الذي بناه ذو القرنين. كما فى نص الكتاب العزيز: " فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا"، كاية عن ذى القرنين. يأجوج وماجوج بغير همز هنا، باتفاق النسخ. وانظر الحديث925. سفيان: هذا سفيان ن عيينة، أحد رجال سند هذا الحديث رواه عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش. وعقد تسعين أو مائة: العقد طريقة حسابية إشارية كان يستعملها العرب يعبرون بها عن العدد. ولاسيما عند المساومة فى البيع. فعقد التسعين: أن يجعل طرف إصبعه السبابة اليمني فى أصلها ويضمها ضما محكما بحيث تنطوى عقدتاها حتى تصير كالحية المطوية. وعقد المائة مثلها، لكن بالخنصر اليسرى. بناء على ذلك فهما متقاربان فى الإشارة؛ ولذا وقع الشك بينهما. قيل: أنهلك…: القائل زينب بنت جحش، كما فى آخر كتاب الفتن من الصحيح. الخبث: بالتحريك الفسوق والفجور، لأنه مقابل هنا بالصلاح. وقيل المراد الزنى وأولاد الزنى.

 897-عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى. قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَإِنِّي لأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْقَطْرِ.

أشرف عليه: اطَّلع من علو. والأطم: بضمتين: الحصن أو القصر. خلال بيوتكم أي: وسطها وبينها. كوقع القطر: ويروى: "كوقع المطر" وكلاهما بمعنى واحد.

باب ظُهورِ الفتِن

898- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّمَ هُوَ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ. 

 يتقارب الزمان أي: يدنو قيام القيامة. أو تقصر آماده. وفى حديث أنس عند الترمذى مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكونم السنة كالشهر والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة". فالمراد نزع البركة من كل شيء حتى الزمان. وينقص العلم: وفى رواية: "ويقبض العلم"، وأخرى: "وينقص العمل".

الشح: البخل، والمراد يلقى فى قلوب الناس على اختلاف أحوالهم ومشاربهم، فيبخل العالم بعلمه، والغنى بماله، وهكذا. تظهر الفتن أي: تكثر. أيما هو: ويروى: "أَيُّمَ هو" بحذف الألف. والمراد: أي شيء الهرج؟ قال: القتل القتل: وفى رواية "القتل" بدون تكرار.

 899- عَنْ أَبِي مُوسَى قال: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ. وَالْهَرْجُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ: الْقَتْلُ.

 أبو موسى: هو أبو موسى الأشعري. بين يدى الساعة أي: قبلها وعلى قرب منها. لأياما: كذا باللام هي هذه الرواية: وفى رواية أخرى: "أياما". يرفع فيها العلم: وذلك بسبب موت العلماء الذين يعونه ويحفظونه. وينزل فيها الجهل: بالسبب المتقدم، وبظهور الحوادث التي تستدعي ترك الاشتغال به. والهرج بلسان الحبشة القتل: هذا باعتبار الحقيقة، وأما باعتبار المجاز فهي عربية، لاتساع معانيها، فهي تدور فى تسعه معان: شدة القتل، وكثرة القتل، والاختلاط، وفتنة آخر الزمان، وكثرة النكاح، وكثرة الكذب، وكثرة النوم، وما يرى فى النوم غير منضبط، وعدم الإتقان للشيء.

 900- عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ".

معناه أن الساعة تقوم فى الأغلب والأكثر على شرار الناس، بدليل قوله عليه السلام: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرها من ناوأها حتى تقوم الساعة". فدل هذا على أن الساعة تقوم أيضا على قوم فضلاء، وأنهم فى صبرهم على دينهم كالقابض على الجمر.

باب لا يأْتي زمانْ إِلاَّ الذي بَعْدَه شرّ منه

901- عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْن َمَالِكٍ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ. سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم.

الزبير بن عدى: الكوفى الهمداني، من صغار التابعين، ليس له فى البخاري خلا هذا الحديث. الحجاج: الحجاج بن يوسف الثقفى، يشكون ظلمه وجوره. وفى قوله: "ما نلقى" ما يسمى بالاتفات. أشرُّ منه: هذه الرواية على الأصل فى صوغ أفعل التفضيل مع قلة استعماله. وقرئ: "من الكذاب الأشَرُّ". والأكثر فى الاستعمال: "شر منه"، وهي راوية فى هذا الحديث. حتى تلقوا ربكم: بالموت، أو بقيام الساعة.

902- عَنِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْخَزَائِنِ، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ - يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ - لِكي يُصَلِّينَ، رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا، عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ. 

استيقظ أي: انتبه من نومه. فزعا أي: خائفا. والفزع: الخوف. من الخزائن: كالخزائن فارس والروم، مما فتح الله به على الصحابة، فكان غنيمة للمسلمين. والخزائن: جمع خزانة، وهو ما يحفظ فيه الشيء مالا أو غيره. أزواجه: وإنما اختصهن لأنهن الحاضرات حينئذ. لكي يصلين: ويستعذن بالله من تلك الفتن النازلة. رب كاسية فى الدنيا عارية فى الآخرة أي: كاسية فى الدنيا بالثياب، عارية فى الآخرة من الثوب؛ لعدم عملها فى الدنيا. أو كاسية بثياب شفافة فى الدنيا، عارية فى الآخرة جزاء على ذلك العمل. أو كاسية من نعم الله، عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته فى الآخرة بالثواب عليه.

 باب مَنْ حَمَلَ السِّلاَح

 903- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا.

 من حمل علينا السلاح أي: من المنتمين إلى الإسلام مستحلا لما فعل. فليس منا: بل هو كافر بما فعله، باستحلاله ما هو مقطوع بتحريمه. ويحتمل أن يكون غير مستحل لذلك، فيكون المراد ليس على طريقتنا، كما فى قوله عليه السلام: "ليس منا من شق الجيوب". ونحو ذلك.

904- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلاَحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ".

لا يشير أحدكم: نفي بمعنى النهي. وروى بلفظ النهي: "لاير" كما أشار إلى ذلك فى فتح البارى. ينزغ: بالغين المعجمة أي: يحمل على الفساد، وفى رواية: "ينزع" بالمهملة أي: يقلعه من يده فيصب به المشار إليه، أو يشد سده فيصيبه. فيقع فى حفرة من النار أي: فيقع فى معصية جسيمة تفضى به إلى أن يقع فى حفرة من النار يوم القيامة.

وفى الحديث نهي عما يفضى إلى محذور وإن لم يكن المحذور محققا، سواء أكان ذلك فى جد أو هزل.

905- عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ بِأَسْهُمٍ قَدْ أَبْدَى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِنُصُولِهَا، لاَ يَخْدِشُ مُسْلِمًا.

جابر: جابر بن عبد الله الأنصارى. المسجد: المسجد النبوي بالمدينة. نصول: جمع نصل، وهو حديدة السهم. فأمر أن يأخذ بنصولها أي: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل أن يقبض عليها يكفة. ريخدش مسلما: تعليل للأمر بالقبض على نصولها أي: خشية أن يخدش بها مسلما. والخدش: قشر الجلد، وهو أول الجراح.

906- عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا -أَوْ قَالَ فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ - أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٌ. 

النبل: السهام العربية، لا واحد لها من لفظها، وتعدية أمسك بالحرف "على" للمبالغة، والأصل: فليمسك بنصالها. فليقبض بكفه أي: على نصالها. أن يصيب أي: خشية أن يصيب. بشيء: وفى رواية: "شيء" بالرفع.

باب تكونُ فتنةُ القاعدُ فيها خَيْرُ من القائم

907- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِى، وَالْمَاشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَا أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ.

 تشرف لها: تطلع إليها. تستشرفه: تدعوه إلى الوقوع فيها. فليعذ به: المعاذ، بفتح الميم: الملجأ. وفيه التحذير من الفتن، وبيان أن شرها يكون بحسب الدخول فيها. والمراد جميع الفتن، أو الفتن الناشئة عن الاختلاف فى طلب السلطان حيث لا يعلم المحق من المبطل.

 باب كيفَ الأَمْرُ إِذا لم تكُنْ جَمَاعَةُ

908- عَنْ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ. قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْىٍ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ. قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ :نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ :هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا. قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ :تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ :فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ. 

حذيفة بن اليمان: العبسى، من كبار الصحابة. كان أبوه أصاب دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسمي أبوه بذلك لكونه حالف اليمانية. وكنت أسأله عن الشر: قيل: المراد عن الفتنة، ووهن عرى الإسلام، وقوة الضلال. الدخن، بالتحريك: الفساد والخبث، والكدورة والغش. بغير هديي أي: بغير سنتي وطريقتي. تعرف منهم، وتنكر أي: تعرف الخير وتنكر الشر. دعاة على أبواب جهنم: هذا باعتبار ما يؤول إليه حالهم أي: يدعون الناس إلى الضلالة بأنواع من التلبيس، فيوردونهم النار وبس المصير، فكأنهم دعاة على أبواب جهنم. قذفوه فيها أي: كانوا سببا فى أن يقذف فيها، بما أجاب دعوتهم. من جلدتنا أي: من أنفسنا وعشيرتنا. بألسنتنا أي: بلغتنا، واللسان: اللغة. ولو أن تعض…: المراد بالعض هنا اللزوم، كما فى حديث: "عضوا عليها بالنواجذ".

باب مَنْ كره أَن يكثَّرَ سَوَادُ الفتَن والظُّلمْ

 909- عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهي، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ، فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِى أَنْفُسِهِمْ) 

 أبو الأسود: محمد بن عبد الرحمن الأسدي، الملقب بيتيم عروة. قطع عليهم العبث أي: ألزموا بإخراج جيش، وكان ذلك لقتال أهل الشام فى خلافة عبد الله بن الزبير على مكة. اكتتب فيه، بالبناء للمفعول باتفاق النسخ أي: كتب اسمي. عكرمة: عكرمة البربري، مولى ابن عباس. أناس من المسلمين: منهم: عمرو بن أبى أمية بن خلف، والعاص بن منبه، والحارث ابن زمعة، والعلاء بن أمية بن خلف. سواد المشركين أي: أشخاصهم وعددهم. فيأتي السهم فيرمى: قيل هو من القلب أي: فيرمى السهم فيأتي. أو تعد الفاء فى "فيرمى" زائدة. "إن الذين توفاهم الملائكة" الآية 97 من سورة النساء. وفى سورة النحل 28: "الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم".

باب إِذا بَقِيَ فى حُثَالَةٍ منَ النَّاس

 910- عَنْ حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ.

 وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلا أَمِينًا. وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا أَظْرَفَهُ، وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ.

 وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَلاَ أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلاَنًا وَفُلاَنًا. 

 إذا بقي فى حثالة من الناس أي: إذا بقي المسلم فى حثالة من الناس، وهم الذين لا خير فيهم. والمراد كيف يصنع إذا حدث ذلك. حذيفة: حذيفة بن اليمان. انظر الحديث908. رأيت أحدهما أي: رأيت وشاهدت تحقق مضمونه. الأمانة: هي الإيمان، أو التكليف الذي كلف لله به عباده. جذر القلب: أصله. أي أن الأماني بحسب الفطرة، ثم بطريق الكسب من الشريعة. رفعها أي: ذهابها حتى لا يبقي من يوصف بأمانة. وهذا هو الحديث الثاني. الوكت: يقال: وكت البسر (البسر: تمر النخيل قبل أن يرطب، إذا بدت فيه نقطة الإرطاب). المجل: بالفتح، غلظ الجلد من أثر العمل. نفط: النفط: أن تقرح اليد من العمل، أو يظهر فيها بثرة ملأى ماء. والمراد نفط جلد الرجل. منتبرا: منتفخا عاليا. يتابعون أي: يتبادلون البيع والشراء فى السلع. ما أجلده: من الجلد، وهو الصبر وقوة الاحتمال. ولقد أتى علىّ زمان أي: زمان كنت أعلم فيه أن الأمانة موجودة فى الناس. ولا أبالى أيكم بايعت أي: بعت واشتريت منه، غير مبال بحاله، لاطمئنان قلبى. رده على الإسلام أي: حمله الإسلام على أداء الأمانة، فينبغى أن أثق بأمانته. ويروى "إسلامه". رده علىّ ساعيه أي: تكفل به ساعى الزكاة وولاة الصدقات. إلا فلانا وفلانا أي: أفرادا قلائل ممن يثق بهم. وهو إشارة إلى أن حال الأمانة آخذ فى النقص ابتداء من ذلك الزمان. وكانت وفاة حذيفة أول سنة 36 بعد مقتل عثمان بقليل.

باب التعرُّب فى الفتنة

911- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لاَ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ.

سلمة بن الأكوع: هو سلمة بن عمرو الأكوع الأسلمي، شهد الحديبية، وكان من الشجعان، وكان يسبق الفرس عدوا، توفى نحو سنة 74. وكانت وفاة الحجاج سنة 95 بعد أن امتدت ولايته على العراق عشرين سنة. دخل على الحجاج فقال: وذلك عندما ولى الحجاج إمرة الحجاز بعد مقتل ابن الزبير سنة 74. عقب القدم: مؤخرها. وهو كناية عن أنه صار كالمرتد. يهدده بالقتل ملتمسا علة لذلك. يريد: إنك رجعت إلى البادية بعد هجرتك –كانت- إلى المدينة، فاستحققت القتل، وكانوا يعدون من رجع بعد الهجرة بغير عذر كالمرتد وفى حديث ابن مسعود مرفوعا: لعن الله آكل الربا وموكله. وفيه: "والمرتد بعد هجرته أعرابيا". تعرب: رجع إلى البادية بعد ما كان مقيما بالحضر. لا ولكن رسول الله أذن لى فى البدو: أي لا، لم أسكن البادية رجوعا مني عن الهجرة. والبدو: الإقامة فى البادية. ويقال: بدا القوم يبدون بدوا وبداء: خرجوا إلى باديتهم.

912- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ.

 يتبع بها شعف الجبال: وذلك طلبا للمرعى، وشعف الجبال: رؤوسها، جمع شعفة بالتحريك. مواقع القطر أي: حيث يقع المطر فى الأودية والصحارى يعني: العشب والكلأ.

باب الفتَنَةُ منْ قِبلَ المَشرْق

 913- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: الْفِتْنَةُ هَاهُنَا الْفِتْنَةُ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ.

 من قبل المشرق أي: من جهة المشرق. قرن الشمس: أعلاها. وإنما أشار إلى المشرق؛ لأن أهله كانوا يومئذ أهل الكفر. وكذا وقع، فكانت وقعة الجمل وصفين، ثم ظهور الخوارج فى أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق. وهذا عَلَم من أعلام النبوة.

باب فِتَنَة تَوْلِيَةِ المرْأَة

 914- عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِّي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً.

 أبو بكرة: نفيع بن الحارث. سمي بذلك؛ لأنه تدلي من حصن الطائف على بكرة. انظر ما سيأتى فى الحديث 931. أيام الجمل أي: أيام وقعة الجمل التى كانت بين علي وعائشة بالبصرة. وكانت عائشة رضي الله عنها على جمل. فارسا: كذا بالتنوين فى جميع النسخ. قال ابن مالك: "وكذا مصروفا والصواب عدم صرفه". وقال فى الكواكب: "يطلق على الفرس وعلى بردهم. فعلى الأول يجب الصرف إلا أن يقال المراد القبيلة. وعلى الثاني يجوز الأمران كسائر البلاد". كسرى هنا: هو شيرويه بن أبرويز بن هرمز. وقيل: كسرى بن قباذ، واسم ابنته بوران. قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة أي: فعرف بذلك أن أصحاب الجمل لن يفلحوا. واحتج بهذا الحديث مَنْ منع قضاء المرأة.

باب إِذا أَنْزل اللهُ بقَوْمٍ عَذابا

915- عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا، أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ.

عذابا أي: عقوبة لهم على ما ارتكبوا من سوء. من كان فيهم: ممن لم يصنع سوءا. أي أن العذاب يصيبهم جميعا. حتى الصالحين منهم، تكفيرا لإهمالهم النهي عن المنكر. بُعثوا على أعمالهم أي: ثم بُعثوا يوم القيامة، وكان حساب كل منهم على حسب عمله: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

باب إِذا قال عند قومٍ شيئا ثم خَرج فقال بخلافه

916- عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ، وَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ، وَلاَ بَايَعَ فِي هَذَا الأَمْرِ، إِلاَّ كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.

 نافع: مولى ابن عمر. لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية: كان ذلك فى فتنة ابن الزبير حينما امتنع من بيعته وأخرج عامله عن مكة، وكتب إلى أهل المدينة ينتقصه، ويذكر فسوقه، ويدعوهم إلى إخراج عامله عنهم. وقد أعلن خلعه بالمدينة سنة 62. جمع ابن عمر حشمه وولده: وذلك خشية أن ينضموا إلى أهل المدينة فى نقض بيعة يزيد. وحشم الرجل: جماعته الملازمون لخدمته. وولده أي: أولاده، يطلق الولد على الواحد والجمع. وفى الكتاب العزيز: " وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا". ينصب لكل غادر لواء أي: يرفع له راية يشهر بها على رءوس الأشهاد. قد بايعنا هذا الرجل: الرجل، يعني يزيد بن معاوية. على بيع الله ورسوله أي: على شرط ما أمرا به من بيعة الإمام. وسميت البيعة بيعة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخلية أمره. ينصب: بالرفع والبناء للمجهول فى جميع النسخ. ولا بايع فى هذا الأمر أي: بايع أحدا غيره. وفى رواية: "ولا تابع فى هذا الأمر". أي تابع غيره فى نقض البيعة. إلا كانت الفيصل بيني وبينه: أي كانت تلك الفعلة قاطعة بيني وبينه.

 917- عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ، وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ.

يسرون أي: يخفون النفاق، فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم. يجهرون أي: يجهرون بالخلاف ويخرجون على الأئمة، ويوقعون الشر بين الناس، فيتعدى شرهم إلى غيرهم.

باب لا تقومُ الساعة حتى يُغبَطَ أَهلُ القبور

918- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ".

مكانه أي: كنت ميتا مثله، فلا أرى هول تلك الفتن. وأحفظ عليَّ ديني وتقواى، ولا أمارس ذلك الخلاف الذي قد يؤدي إلى الكفر. وذكر الرجل فى الحديث للتغليب، وإلا فإن المرأة كالرجل فى ذلك.

باب تغيرُّ الزَّمان حتَّى تُعبدَ الأَوثان

919- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ. وَذُو الْخَلَصَةَ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.  

تضطرب: تتحرك. والألية: العجيزة. ودوس: قبيلة أبى هريرة. وهم دوس بن عُدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب. والمراد ترتج أعجازهن من الطواف حول ذى الخصلة أي: يكفرن ويرجعن إلى عبادة الأصنام. طاغية دوس أي: صنمها. وقيل: ذو الخلصة هو بيت الصنم الذي كان يدعى الخلصة.

قال ابن بطال: وهذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع الأرض حتى لا يبقى منه شيء، لأنه ثبت أن الإسلام يبقي إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريبا كما بدأ.

باب خروج النار

920- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى. 

 تخرج نار من أرض الحجاز أي: تتفجر النار من تلك الأرض. تضيء أعناق الإبل: وذلك لشدة توهجها وعظيم لهبها. وبصرى: مدينة بالشام بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل (المرحلة: مشافة يقطعها السائر فى نحو يوم).

 ويذكر المؤرخون أن زلزالا وقع بالحجاز فى الثالث من جمادى الثانية سنة 654 فلما كان يوم الجمعة فى نصف النهار ثار فى الجو دخان، أعقبته نار شديدة أعشت الأبصار، وانتهت إلى قرب المدينة، ووردت كتب من المدينة: أنه ظهر بها نار انفجرت من الأرض، وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد. فقيل إن تلك النار قد أضاءت أعناق الإبل ببصرى. أو المراد بإضاءة أعناق الإبل فى تصوير عظمها.

 باب ذكر الدَّجَّال

921- عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قال: مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ، وَإِنَّهُ قَالَ لِي: مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟ قُلْتُ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ. قَالَ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. 

 ما سأل…ماسألته أي: سؤالى. أي: مثل سؤالي وذلك لكثرته. وفى رواية: "أكثر ما سألته". جبل خبز ونهر ماء أي: خبزا قدر الجبل، وماء قدر النهر، وذلك ليستميل به أتباعه، ويفتنهم. هو أهون على الله من ذلك أي: مما يظن الناس. ولا سيما أن مميز بعلامة ظاهرة، وهي عَوَره، فقلما ينخدع به أحد.

922- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يَجِيءُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَنْزِلَ فِي نَاحِيَة الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ.

 يجيء الدجال: قيل: إنه يأتي من ناحية المشرق، من أرض خراسان. ناحية المدينة: جانبها. وهو بالإضافة. ترجف: تضطرب. والرجفة: الزلزلة. كل كافر ومنافق: وهم أتباعه حينئذ.

 923- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِي إِلاَّ وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، وَلَكِنِي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلا لَمْ يَقُلْهُ نَبِي لِقَوْمِهِ، إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ. 

 قام رسول الله…فى الناس أي: قام خطيبا. أنذر: يتعدى بنفسه إلى اثنين، كما فى قوله تعالى" فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى"، وقد يتعدى إلى الثاني بالحرف، يقال: أنذره بالأمر إنذارا. وقد يتعدى إلى واحد مع إهمال الثاني كما فى قوله تعالى: " وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا".

باب لا يدخل الدجال المدينة 

924- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلا عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ: يَأْتِى الدَّجَّالُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهْوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ. فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ. فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ.

أبو سعيد: أبو سعيد مالك الخدري. يأتي الدجال أي: إلى ظاهر المدينة. نقاب: جمع نقب بالفتح، وهو الطريق بين جبلين. السباخ: جمع سبخه، بالتحريك، وهي الأرض لا تنبت شيئا لملوحتها. تلي المدينة أي: من قبل الشام. فيخرج إليه: يخرج إليه من المدينة. خير الناس- أو من خيار الناس: شك من الراوى. وذلك الرجل قيل هو الخضر عليه السلام. هل تشكون فى الأمر: هو ادعاء الدجال للإلهية. فيقول: والله ما كنت…: القائل هو الرجل. ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم: لأن ذلك من علاماته.

باب يأَجُوج ومأْجوج

925- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يُفْتَحُ الرَّدْمُ رَدْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ. وَعَقَدَ وُهَيْبٌ تِسْعِينَ.

ياجوج وماجوج: بغير همز، به قرأ السبعة إلا عاصما فبهمزة ساكنة كما هنا، وسبق فى الحديث 896 بغير همز. وهما اسما قبيلتين، منعا من الصرف للعلمية والتأنيث إن عُدَّا عربيين، وللعلَمية والعجمة إن عدا غير عربيين. وفى وصفهم أحاديث غريبة فى أشكالهم وصفاتهم، وطولهم، وقصرهم، وآذانهم، لاتصلح أسانيدها. الردم: هو السد الذي بناه ذو القرنين بُزبَر الحديد أي: قِطَعه، يقال إن كل قطعة منه كاللبنة زنتها قنطار بالدمشقى. وكلاهما عبارة عن اقتراب الساعة. وهيب: هو وهيب بن خالد، الذي ساق هذا الحديث عن عبد الله بن طاوس عن طاوس عن أبى هريرة. عقد التسعين: أن يجعل طرف الإبهام بين عقدتى السبابة من باطنها وطرف السبابة عليها، مثل ناقد الدينار عند النقد.