ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

 كتاب الأحكام

 باب قوله تعالى: " أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ"

 926- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِّي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِّي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِى فَقَدْ عَصَانِي.

 (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ): الآية 59 من سورة النساء. وأولو الأمر: هو الولاة والأمراء، أو هم العلماء الذين يعلمون الناس دينهم، لأن أمرهم ينفذ        على الأمراء. وهذا الأخير قول الحسن والضحاك ومجاهد. من أطاعنى فقد أطاع الله: لأن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به. ومن عصاني أي: عصى الأمر الإيجابى، أو عصى الأمر السلبى الممثل فى النهي.

كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلما كان الإسلام وولى عليهم الأمراء أنكرتهم أنفسهم، وامتنع بعضهم من الطاعة، فلذا أعلمهم صلى الله عليه وسلم أن طاعة هؤلاء وعصيانهم مرتبطان بطاعته وعصيانه، جمعا لكلمة المسلمين.

 927- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

 

الراعى: الحافظ المؤتمن على مايليه، وهو مسئول أمام الله على ما نيط به من أمر من يليهم ويرعاهم. رعاية الإمام: أن يحفظ الرعية من أعدائها، ويقيم فيهم الحدود والأحكام. رعاية الرجل: قيامه بالحق فى النفقة وحسن العشرة، وسائر معاني الرعاية المادية والمعنوية. رعاية المرأة: قيامها بحسن التدبير فى أمر بيتها. ورعاية ولده، بحسن تأديبهم وتعهدهم. ومن ذلك أمانتها فى مال زوجها وإكرامها لضيفه ومن يلوذ بالبيت. رعاية العبد: أن يحفظ مال سيده ويعمل فيه بما أمره. وقد أجمل القول أولا، ثم فله أحسن تفصيل، ثم أتى بالخاتمة تصديقا للإجمال الأول.

 باب ما يكره من الحرص على الإمارة

 928- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ.

الإمارة أي: الإمامة العظمى. تحرصون، بكسر الراء وفتحها، من بابَيْ ضرب وعلم، لكن ضبطت فى النسخ بكسر الراء فقط. ستكون ندامة: وذلك لمن لم يعمل فيها بما ينبغي. فنعم المرضعة: لما قدر عليه من النافع واللذات لبعلجبة. ونعم هنا لم تلحقها التاء كما لحقتها فى "بئست". وبئست الفاطمة: عند انفصاله عنها بموت أو غيره.

باب من استُرعِيَ رعيةً فلم ينصح

929- عَنْ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلاَّ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ.

 استرعاه الله رعية أي: استحفظه إياها. وفى رواية: "يسترعيه". فلم يحطها بنصيحة أي: لم يحفظها ولم يتعهد أمرها. إلا لم يجد رائحة الجنة: كناية عن عدم مقاربته لها فضلا عن دخولها، وذلك إذا كان مستحلا لتلك الخيانة، أو لم يجدها مع الفائزين الأولين.

باب من شاقَّ شقَّ الله عليه

 930- عَنِ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ، وَهْوَ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ – قَالَ: - وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالُوا: أَوْصِنَا. فَقَالَ :إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَأْكُلَ إِلاَّ طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ. قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ يَقُولُ: سَمِعْت ُرَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جُنْدَبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جُنْدَبٌ. 

 أبو تميمة: كنية له، وهو طريف بن مجالد الهجيمي. صفوان: صفوان بن محرز بن زياد التابعي البصري. جندب: جندب بن عبد الله البجلي الصحابي المشهور، كان من أهل الكوفة، ثم تحول إلى البصرة. وأصحابه أي: أصحاب صفوان: وهو يوصيهم: وهو: أي جندب. عملا للسمعة والتظاهر. سمع الله به: أظهر سريرته للناس وملأ أسماعهم بما ينطوي عليه. وقيل: معناه: من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه. يشاقق: يضر الناس، ويحملهم على ما يشق من الأمر. وفى رواية: "من يشاق" بالإدغام، وأخرى: "ومن شاق شق الله عليه". يشق الله عليه: يعذبه. إن أول ما ينتن من الإنسان: يعني: بعد الموت، والإنتان: أن تظهر للشيء رائحة كريهة. المراد بالطيب: الحلال المباح. أهراقه أي: صبه بغير حقه. بملء كف: ويروى: "بملء كفه"، ويروى: "ألا يحول بينه وبين الجنة ملءُ كفه". أقلت لأبى عبد الله: القائل هو الفِرَبْرىّ، تلميذ البخاري، وآخر من سمع منه الجامع الصحيح موتا. وأبو عبد الله هو محمد بن إسماعيل البخاري. 

باب هل يقضي القاضي أَو يُفْتِي وهو غَضْبان

931- كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ بِأَنْ لاَ تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لاَ يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ".

أبو بكرة: هو نفيع بن الحارث، سمى أبا بكرة؛ لأنه تدلي من حصن الطائف على بكرة –أي: خشبة مستديرة فى وسطها محز للحبل تدور على محور-، وذلك حين قال رسول الله لأهل الحصن: "أيما عبد نزل إليَّ فهو حر". وابنه هذا هو عبيد الله، وكان قاضيا بسجستان. سجستان: إحدى مدن العجم خلف كرمان. الحكم: الحاكم. والغضب كثيرا ما يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق. ويحمل على الغضب ما هو فى معناه مما يغير الفكر، من جوع أو شبع مفرطين، أو مرض مؤلم، أو خوف مزعج، أو فرح شديد، أو غلبة نعاس أو همّ، أو مدافعة حدث، أو حر لافح، أو برد قارس.

 

932- عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ.

أبو مسعود الأنصارى: هو عقبة بن عمرو الأنصارى البدرى. جاء رجل: هو سليم بن الحارث، أو حزم بن أبى كعب. صلاة الغداة أي: الصبح. من أجل فلان: هو معاذ بن جبل، أو أبي بن كعب. مما يطيل بنا فيها أي: بسبب إطالته الصلاة فى الغداة. منفرون أي: ينفرون المأمومين بسبب إطالتهم للصلاة. فأيكم ما صلى: ما، زائدة مؤكدة لمعنى الإبهام فى أي، وهي أي الشرطية. والإيجاز: التخفيف. وفى كتاب العلم: "فمن صلى بالناس فليخفف".

باب الشهادة على الخطِّ المختوم

933- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قَالُوا: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ، وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.

لما أراد أن يكتب إلى الروم: وذلك فى سنة ست من الهجرة. قالوا: إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما: القائل هم الصحابة الذين عرفوا صنيع الروم فى ذلك. والمختوم: الذي طبع عليه الخاتم، على طينة الختم؛ لأن خاتم الكتاب يصونه ويمنع الناظرين عما فى باطنه. الوبيص: اللمعان والبريق. نقشه أي: ما نقش عليه. وفى رواية: "ونَقَشه" بصيغة فعل الماضى.

باب رزق الحاكِم والعامِلِين عليها

934- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلاَفَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالا، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ عُمَرُ: مَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا، وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأَرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِى صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ عُمَرُ: لاَ تَفْعَلْ فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَإِلاَّ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ". 

العاملون عليها، أو العاملين على الزكاة. عبد الله بن السعدى: إنما قيل لأبيه: السعدي؛ لأنه كان استرضه فى بني سعد بن بكر. واسم السعدي وقدان، وقيل: قدامة، وقيل: عمرو بن وقدان. أنك تلي من أعمال الناس أعمالا: كالإمرة والقضاء. العمالة: بالضم: أجرة العمل. وبفتحها: العمل نفسه. ما تريد إلى ذلك أي: ما غاية قصدك بهذا الرد؟ أعْبُدا: جمع عبد، وهذه عبارة استغنائه وثرائة. وفى رواية "أعتدا" بالتاء، جمع عتيد، وهو المال المدخر. أردت الذي أردت أي: عدم أخذ العمالة. يعطيني العطاء: من المال الذي يقسمه فى المصالح. تَمَوَّلْه: اجعله لك مالا. وهذا الأمر للإرشاد، يدل على أن التصدق بالمال بعد القبض أفضل من التصدق به قبل القبض، لأنه إخراج ما فى الملك والحيازة. غير مشرف: غير طامع، ولا ناظر إليه. والسائل: الطالب.

باب من قَضَى ولاعَنَ في المْسجِد

935- عَنْ سَهْلٍ أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلا، أَيَقْتُلُهُ فَتَلاَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ.

قضى ولاعن أي: حكم بإيقاع التلاعن بين الزوجين، وذلك إذا قذف الرجل امرأته بالزنى. سهل: هو سهل بن سعد الساعدى. وهم ساعدة بن كعب بن الخزرج. أن رجلا من الأنصار: اسمه عويمر العجلاني. أرأيت: هنا بمعنى أخبرني. وإنما يسأل طلبا للحكم على زوجته التى قذفها بالزنى. فتلاعنا أي: عويمر العجلاني وامرأته خولة قيس. وفى كتاب الطلاق "فأقبل عويمر حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنزل فيك وفى صاحبتك فاذهب فأت بها.

باب أَمْر الوالى إِذا وجَّه أَميرينِ

إلى موضعٍ أَن يتَطاوعَا ولا يتعاصيا

936- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبِي وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ عَلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ :يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: إِنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا الْبِتْعُ. فَقَالَ: كُلُّ  مُسْكِرٍ حَرَامٌ.  

أبو بردة: هو أبو بردة عامر بن عبد الله أبى موسى الأشعري التابعى. وأبوه، هو أبو موسى الأشعري. وقد أرسلهما إلى اليمن قاضيين، وذلك قبل حجة الوداع. يسرا وتعسرا أي: خذا بما فيه اليسر والسهولة ومجانبة التعسف. (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).التبشير: بتطييب النفوس بما يسرها. تطوعا أي: كونا متفقين فى الحكم لاتحتلفان فيه، فإن اختلافكما يؤدي إلى اختلاف أتباعكما، فتقع العدواة والمحاربة بينهم. بأرضنا: يعني اليمن، وكان أبو موسى أشعريا من اليمن. والبتع: بالكسر: نبيذ العسل.

باب هدايا العُمَّال

    937- عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلا مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأُتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ - قَالَ سُفْيَانُ أَيْضًا: فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَأْتِى يَقُولُ هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي؟ فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْتِي بِشيء إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ". ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ: أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟" ثَلاَثًا.

 الأتبية: روي بفتح الهمزة وضمها مع فتح التاء، وهي اسم أمه. وقيل: صوابه "اللتبية" بضم اللام مع سكون التاء. واسمه عبد الله بن اللتبية بن ثعلبة الأزدي. والأسد، بسكون السين: لغة فى الأزد. على صدقة: من صدقات بني سليم، أو بني ذبيان. لا يأتي بشيء أي: من مال الصدقة يحتازه لنفسه. الرغاء، كغراب: صوت البعير. الخوار: صوت البقر والثيران والعجول. وفى رواية: "جؤار" أي صوت. تعير: تصوت صوتا شديدا. العفرة، بالضم: البياض المشوب بالسمرة. والجملة اعتراض من الراوى بين طرفى الحديث النبوى. ألا هل بلغت: استفهام تقريرى. أي قد بلغت حكم الله إليكم.

باب العُرفاءِ للناس

 938- عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: حِينَ أَذِنَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ إِنِّي لاَ أَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ. فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.

حين أذن لهم المسلمون فى عتق سبي هوازن أي: حين أذن المسلمون له صلى الله عليه وسلم ولمن معه فى عتق ذلك السبي. وكانت هوازن قد أتوه مؤمنين وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لأصحابه: "إني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفىء الله علينا فليفعل". من أذن فيكم، وفى رواية: "منكم". العرفاء: جمع عريف، وهو قيِّم القبيلة أو الجماعة، يلي أمورهم ويحفظها. سمى بذلك؛ لأنه يتعرف أمورهم ثم يُعرِّفها من فوقه من الرؤساء عند الحاجة. فرجعوا أي: العرفاء. طيبوا، بالتشديد أي: حملوا أنفسهم على ترك السابايا حتى طابت بذلك ورضيت. وأذنوا: استمعوا فى إعجاب، وميل والمراد: أطاعوا وانقادوا، كما فى قوله تعالى: "وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ" أي: انقادت فعل المطيع، إذا ورد عليه أمر المطاع أنصت.

باب ما يكره من ثناء السُّلطان وإذا خرج قال غير ذلك

939- قَالَ أُنَاسٌ لاِبْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى سُلْطَانِنَا، فَنَقُولُ لَهُمْ خِلاَفَ مَا نَتَكَلَّمُ إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمْ. قَالَ :كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا.

ثناء السلطان أي: من ثناء أحد على السلطان فى حضرته. قال أناس: منهم عروة بن الزبير. سلطاننا: أطلق على جنس السلاطين. وفى اللسان عن المبرد: "من ذكَّر السلطان ذهب به إلى معنى الواحد، ومن أنثه ذهب به إلى معنى الجمع. قال: وهو جمع واحده سليط، فسليط وسلطان مثل قفيز وقفزان". وفى راوية الطيالسى: "على سلاطيننا". فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم: يمدحونهم بالثناء فى وجوهم، ويذمونهم فى الغيب. كنا نعدها نفاقا: أي كنا على عهد رسول الله نعد هذه الفعلة من النفاق. 

باب القَضاء على الغائب

940- عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدَ قَالَتْ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَأَحْتَاجُ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ. قَالَ :خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".

هند: هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وهي أم معاوية بن أبى سفيان. الشحيح: الذي يبخل بكل شيء. والبخيل: من يمنع المال. بالمعروف أي: من غير إسراف. والمراد بالولد الأولاد.

باب بيع الإمام على الناس أَموَالهَم وضِيَاعَهم

941- عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلاَمًا عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ.

الضياع: بالكسر جمع ضيعة بالفتح، وهي العقار والأرض المغلة. والمراد بيعها من السفيه أو الغائب لتوفية دينه، أو الممتنع منه. أن رجلا من أصحابه: هو أبو بكر مذكور الأنصارى. أعتق غلاما: اسمه يعقوب، وكان قبطيا، كما فى الحديث 832. عن دبر أي: بعد موت سيده، علق عتقه على ذلك. وهو المدَّبر. فباعه بثمانمائة درهم أي: باعه النبي صلى الله عليه وسلم من نعيم النحام. أرسل بثمنه إليه أي: إلى الذي علق عتقه. وإنما فعل ذلك لأنه رآه أنفق جميع ماله فتعرض للهلكة وصار فى حكم السفيه.

باب الإمام يأتي قوما فيُصلِحُ بينهم

942- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرٍو، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَتَاهُمْ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ فَأَذَّنَ بِلاَلٌ وَأَقَامَ وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ، فَتَقَدَّمَ، وَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلاَةِ، فَشَقَّ النَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، فَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ. قَالَ: وَصَفَّحَ الْقَوْمُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ لَمْ يَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْرُغَ، فَلَمَّا رَأي التَّصْفِيحَ لاَ يُمْسَكُ عَلَيْهِ الْتَفَتَ، فَرَأى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنِ امْضِهْ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ هُنَيَّةً يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ مَشَى الْقَهْقَرَى، فَلَمَّا رَأى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ تَقَدَّمَ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ أَنْ لاَ تَكُونَ مَضَيْتَ. قَالَ: لَمْ يَكُنْ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم.

وَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحِ النِّسَاءُ".

بنو عمرو: هم بنو عمرو بن عوف بن مالك من الأوس، وكانت منازلهم بقباء. وأمر أبا بكر، فتقدم أي: جاء بلال أبا بكر بأمر الرسول له الصلاة؛ إذ كان قد قال لبلال كما روى الطبراني: "إن حضرت صلاة العصر ولم آتك، فمر أبا بكر فليصل بالناس". فتقدم أبو بكر لذلك إلى الصلاة بالناس. فشق الناس حتى قام خلف أبى بكر، فتقدم فى الصف الذي يليه: هذه خاصة من خواص الرسل والأئمة. صفَّحوا: صفَّقوا، تنبيها لأبي بكر على حضوره صلى الله عليه وسلم التصفيح: التصفيق؛ لأنه ضرب صفحة اليد بالأخرى، فرأي النبي صلى الله عليه وسلم خلفه: فتحدثته نفسه بالتأخر. امضه أي: امض واستمر فى صلاتك. والهاء للسكت. أومأ: أشار أي: بالمكث فى مكانه. هنية: زمانا يسيرا. يحمد الله على قول النبي أي: إشارته التى هي بمثابة القول. وقد حمد الله على ما أعطيه من وجاهة فى الدين. مشى القهقرى أي: رجع إلى الخلف. أن لا تكون مضيت: لا، فى الكلام زائدة مثلها فى قوله تعالى: " مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ"، وقوله: "مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ". لم يكن لابن أبى قحافة: لم يقل لى، أو لأبى بكر، تأدبا منه ووضعا لنفسه. نابكم: أصابكم. 

باب ترجمة الحُكَّام

وهل يجوز تَرْجُمانْ واحدْ

943-عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْيَهُودِ، حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم كُتُبَهُ، وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ.

 ترجمة الحكام أي: ترجمة كلام الحكام. وفى رواية: "ترجمة الحاكم". والترجمة: تفسير الكلام بلسان آخر. زيد بن ثابت: الأنصارى كاتب الوحى، وجامع القرآن فى عهد أبى بكر. وفى حديث له آخر: "قال لى النبي صلى الله عليه وسلم: إني أكتب إلى قوم، فأخاف أن يزيدوا على أو ينقصوا، فتعلم السريانية. فتعلمتها فى سبعة عشر يوما". الإصابة 2874. كاتبهم: كتابتهم وخطهم. كتبه: يعني المرسلة إلى اليهود. 

باب بِطانَة الإمام وأَهل مَشُورته

944- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِي وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى.

المشورة: اسم من شاورته أي: عرضت عليه أمري حتى يدلني على الصواب فيه. استخلف من خليفة: يخلفه بعده. البطانة: مصدر سمي به، الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث سواء. والبطانة: خلاف الظهارة، وبطانة الرجل: صاحب سره، وداخلة أمره، الذي يشاور فى أحواله. تحضه أي: ترغبه فيه، وتحثه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه: ولا يلزم من ذلك قبولهم منهم ذلك، للعصمة التى اختص بها الأنبياء ويعض الخلفاء.

باب كيف يبايع الناس الإمام

945-عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ فَقَالَ:

اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَهْ  فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ

 فَأَجَابُوا:

 نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا

كان ذلك: فى سنة خمس من الهجرة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك، كما فى رواية غزوة الخندق. اللهم إن الخير…: البيت من شعر عبد الله بن رواحة، وقد تمثل به رسول الله. وفيه ما فيه من الخزم أي: زيادة الحروف فى أوله. فأجابوا أي: الأنصار والمهاجرون. وفى رواية: "فأجابوه". على الجهاد: فى رواية مسلم: "على الإسلام".

 946- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما – قَالَ: كُنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتَ.

السمع: للأوامر والنواهي. والطاعة: للحاكم. يقول لنا أي: للمبايع منا. فيما استطعت: أي يقول للمبايع الواحد. وفى رواية "فيما استطعتم"، وذلك للمبايعين. وهذه شفقة منه ورحمة بأمته.

947- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ حَيْثُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: كَتَبَ إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا اسْتَطَعْتُ، وَإِنَّ بَنِي قَدْ أَقَرُّوا بِمِثْلِ ذَلِكَ.

عبد الله بن دينار العدوى، مولاهم. اجتمع الناس على عبد الملك: وذلك ليبايعوه بالخلافة. كتب: إني أقر أي: كتب ابن عمر فى صيغة المبايعة. وهو تسجيل؛ لأن المبايعة أحيانا تكون بالكتابة. ما استطعت أي: قدر استطاعتى. وإن بنيِّ: هم عبد الله، وأبو بكر، وأبو عبيدة، وبلال، وعمر، أمهم صفية بنت أبى وعبيج بن مسعود الثقفى. وعبد الرحمن أمه أم علقمة بنت نافس بن وهب. وسالم، وعبيد الله، وحزة أمهم أم ولد. وزيد أمه أم ولد أخرى. قد أقروا بمثل ذلك أي: الذي أقررت به من السمع والطاعة وفى رواية الإسماعيلى بعده: "والسلام".

948- عَنْ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ: أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلاَّهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا، قَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَسْتُ بِالَّذِي أُنَافِسُكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ، وَلَكِنَّكُمْ إِنْ شئتم اخْتَرْتُ لَكُمْ مِنْكُمْ. فَجَعَلُوا ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا وَلَّوْا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَمْرَهُمْ، فَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَتَّى مَا أَرَى أَحَدًا مِنَ النَّاسِ يَتْبَعُ أُولَئِكَ الرَّهْطَ وَلاَ يَطَأُ عَقِبَهُ، وَمَالَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُشَاوِرُونَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا، فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ قَالَ الْمِسْوَرُ: طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ الْبَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَقَالَ: أَرَاكَ نَائِمًا، فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا، فَدَعَوْتُهُمَا لَهُ، فَشَاوَرَهُمَا، ثُمَّ دَعَانِي، فَقَالَ: ادْعُ لِي عَلِيًّا. فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ قَامَ عَلِي مِنْ عِنْدِهِ، وَهْوَ عَلَى طَمَعٍ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْشَى مِنْ عَلِي شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عُثْمَانَ، فَدَعَوْتُهُ، فَنَاجَاهُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُؤَذِّنُ بِالصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ كَانَ حَاضِرًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ، وَكَانُوا وَافَوْا تِلْكَ الْحَجَّةَ مَعَ عُمَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَلِي، إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَلاَ تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلا. فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ.

فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ وَالْمُسْلِمُونَ. 

المسور بن مخرمة: ابن أخت عبد الرحم بن عوف. الرهط: ما دون العشرة. ولاهم: عينهم للتشاور فيمن يعقد له الخلافة فيهم. أنافسكم على هذا الأمر أي: أنازعكم فيه. وفى رواية: "عن هذا الأر". اخترت لكم منكم أي: ممن سماهم عمر دونه. ولوا عبد الرحمن أمرهم أي: فى الاختيار منهم. ولا يطأ عقبه: كناية عن الإعراض. لا يطأ عقبه: لا يمشى خلفه. يشاورونه: فى أمر الخلافة. إذا كانت الليلة: وفى رواية: "تلك الليلة". بعد هجع، بفتح الهاء أي: بعد طائفة منه. ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم أي: ما دخل النوم جفنى كما يدخله الكحل. ويروى: "هذه الليلة". ويروى: "بكبير نوم". فادع الزبير وسعدا: الزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص. فشاورهما: وفى رواية: "فسارهما"، من المسارة، وهو حديث السر. ادع لى عليا…فدعوته: أي فدعوته فجاء إليه. ابهارَّ الليل: انتصف، مأخوذ من بُهَرَ الشيء وهي وسطه. وهو على طمع أي: فى أن يولّيه. كان عبد الرحمن يخشى من على شيئا: من المخالفة الموجبة للفتنة. صلى للناس الصبح: وفى رواية: "صلى الناس الصبح". فأرسل إلى من كان…: أي عبد الرحمن بن عوف. وأرسل إلى أمراء الأجناد…مع عمر: ورافقه إلى المدينة. يعدلون بعثمان أي: يعدلون به غيره أي: يساوونه به، بل يرجحونه عليه. فلا تجعلن على نفسك سبيلا أي: لاتجعلن من اختيارى لعثمان سبيلا على نفسك أي: ملامة، إذا لم توافق الجماعة. فقال: أبايعك أي: عبد الرحمن بن عوف، مخاطبا لعثمان. وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار: وفى رواية: "والمهاجرون والأنصار"، من عطف الخاص على العام.

باب مَنْ رَجُلا لا يبايِعُهُ إلا لِدُنْيا

949- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَاهُ، إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَهَا، وَلَمْ يُعْطَ بِهَا.

 لا يبايعه إلا لدنياه، أي: لا يقصد طاعة الله في مبايعة من يستحق الإمامة. وَفَّى له: أعطاه حقه وافيا تاما. بايع مبايعة وبياعا: عقد معه البيع.

باب من بايَع مرَّتين

950- عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: بَايَعْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ لِي :يَا سَلَمَةُ، أَلاَ تُبَايِعُ. قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَايَعْتُ فِي الأَوَّلِ. قَالَ: وَفِي الثاني.

سلمة: سلمة بن الأكوع. الشجرة: الشجرة التى بالحديبية، وهي بيعة الرضوان. أي تبايع: ألا هنا للعرض. فى الأول أي: فى الزمن الأول، وكذا فى الثاني، معناه فى الزمن الثاني. وفى رواية: "فى الأولى" و"وفي الثانية" أي: فى المرة، أو فى الساعة، أو فى الطائفة. وإنما عرض عليه تجديد البيعة تأكيدا لها، لعلمه صلى الله عليه وسلم بشجاعته وغتائه فى الإسلام، وشهرته بالثبات على دينه.

وهذا الحديث من ثلاثياته، وهي الأحاديث التى فى سلسلة روايتها ثلاثة فقط. انظر الحديث 564.

باب بيعة الصغير

951- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: هُوَ صَغِيرٌ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ، وَكَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ.

حميد: حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن قصى. وفى رواية: "بنت حميد". هو صغير أي: فلا تلزمه البيعة. ودعا له أي: لعبد الله بن هشام وعند القسطلاني: "فمسح رأسه أي: رأس زهرة". يعني زهرة بن معبد، حفيد عبد الله، وراوى الحديث عنه. وهو سهو لا ريب فى ذلك. وقد عاش عبد الله ببركة دعائه زمنا طويلا.

باب بَيْعة النِّساءِ

952- عَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها – قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلاَمِ بِهَذِهِ الآيَةِ: (لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) قَالَتْ: وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ، إِلاَّ امْرَأَةً يَمْلِكُهَا.

 كان يبايع النساء أي: من غير مصافحة باليد كما هي العادة فى مصافحة الرجال عند المبايعة. (لاَ يُشْرِكْنَ): من الآية 12 من سورة الممتحنة. إلا امرأة يملكها: بنكاح، أو بملك يمين.

باب الاستخلاف

953- عَنْ قَاسِمِ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنها - وَارَأْسَاهْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاثُكْلِيَاهْ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ، فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمني الْمُتَمَنُّونَ. ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ، وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ.

القاسم بن محمد: ابن بى بكر الصديق، ابن أخت عائشة. قالت عائشة: وذلك فى أول ما بدأ برسول الله وجعه الذي توفي فيه، تشكو رأسها. ذاك أي: موتك. واثكلياه: وفى رواية "واثكلاه". وأصل الثكل فقد الولد. وإنما كانت تجرى على ألسنتهم عند إصابة مكروه أو خوف مصيبة. إني لأظنك تحب موتى: فهمت ذلك من قوله "لو كان وأنا حى". ولو كان ذلك لظللت… أي: لو متُّ لأصبحتَ فى آخر يومك بانيا ببعض أزواجك. لقد هممت – أو أردت: الشك من الراوي. فأعهد أي: أوصى بالخلافة لأبي بكر. قيل: ما فائدة ذكر الابن إذا لم يكن له دخل فى الخلافة. وأجيب بأن المقام مقام استمالة قلب عائشة. أن يقول القائلون أي: كراهة أن يقول القائلون: الخلافة لنا أو لفلان. أو يتمني المتمنون: أن تكون الخلافة لهم. فأنا أعين الخليفة قطعا للنزاع والأطماع. يأبى الله ويدفع المؤمنون أي: يأبى الله إلا أن تكون الخلافة لأبى بكر، ويدفع المؤمنون خلافة غيره. أو يدفع الله ويأبى المؤمنون: الشك من الراوى.

 954- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما – قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ: أَلاَ تَسْتَخْلِفُ؟ قَالَ: إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: رَاغِبٌ رَاهِبٌ، وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا كَفَافًا لاَ لِي وَلاَ عَلَيَّ لاَ أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا.  

قيل لعمر: وذلك عندما أصيب. تستخلف أي: تعين خليفة بعدك على الناس. وإن أترك فقد ترك من هو خير مني أي: ترك التصريح بالتعيين فى الخليفة. وقد أخذ عمر بما بين الأمرين، فلم يترك التعيين بمرة، ولا فعله منصوصا فيه على الشخص المستخلف، فجعل الأمر فى ذلك شورى بين من قطع لهم بالجنة. وأبقى النظر للمسلمين فى تعيين من اتفق عليه رأي الجماعة الذين جعلت الشورى فيهم. فأثنوا عليه أي: أثنى عليه من حضر ذلك من الصحابة. فقال: راغب وراهب أي: قال عمر: إن الناس منهم راغب فى الخلافة، ومنهم راهب منها، فإن وليت الراغب فيها خشيت ألا يعان عليها، أو الراهب منها خشيت ألا يقوم بها. وقال عياض: هما وصفان لعمر أي: راغب فيما عند الله وراهب من عقابه، فلا أعِّول على ثنائكم، وذلك يشغلني عن العناية بالاستخلاف عليكم. إني نجوت منها كفافا: منها أي: من الخلافة. والكفاف: كسحاب: ما لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه. وهو نصب على الحال. وقيل: أراد مكفوف عني شرها، وقيل معناه أن لا تنال مني ولا أنال منها أي: تكف عنى وأكف عنها. لا لى ولا على: أي لا لى ولا على شرها. لا أتحملها حيا وميتا: بأن أعين لها بعد وفاتى شخصا بعينه.

955- عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الآخِرَةَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَذَلِكَ الْغَدُ مِنْ يَوْمٍ تُوُفِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَتَشَهَّدَ وَأَبُو بَكْرٍ صَامِتٌ لاَ يَتَكَلَّمُ قَالَ: كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَدْبُرَنَا - يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ- فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ بِمَا هَدَى اللَّهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَانِي اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ. وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمِنْبَرِ.

الآخرة: أي الأخيرة، وكاتا بعد عقد البيعة لأبى بكر فى سقيفة بني ساعدة. الغدُ: بالنصب على الظرفية، والرفع على الخبرية. من يوم: بالتنوين فى جميع الروايات. فتشهد… قال: المتشهد والقائل هو عمر. نورا تهتدون به: يعني بالنور كتاب الله. وإن أبا بكر صاحب رسول الله: قدَّم الصحبة لشرفها. ثاني اثنين: إذهما فى الغار. فإنه أولى: وفى رواية: "وإنه". بنو ساعدة: هم بنو ساعدة بن كعب بن الخزرج. والسقيفة: ساباط (ممر نافذ بين حائطين) له سقف كانوا يجتمعون فيه للحكومات. وكانت بيعة العامة على المنبر: كان سبب هذه المبايعة العامة تمكين من لم يحضر السقيفة فى اليوم السابق.

 956- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لأَبِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ: اصْعَدِ الْمِنْبَرَ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً. 

 فى الحديث إشارة إلى أن أبا بكر صعد المنبر بعد ترو وتهيب وتمنع، رضي الله عنه.

 957- عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ: تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ.

طارق بن شهاب: هو أبو عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي الكوفي. قال أبو داود: رأي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه. بزاخة: بضم الباء، وهو ماء لطيئ بأرض نجد. وكان هذا الوفد من طيئ وأسد وغطفان، وقبائل كثيرة ارتدت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، واتبعوا طليحة بن خوليد الأسدي مدعي النبوة. كان خالد قد قاتلهم بعد فراغه من مسيلمة فلما غلب عليهم تابوا، وبعثوا وفدهم إلى أبى بكر يعتذرون، فأحب أبو بكر ألا يقضي فيهم إلا بعد المشاورة فى أمرهم. تتبعون أذناب الإبل أي: تتركون السلاح وترجعون إلى البادية فى مسالمة، مزاولين حياة السلم، حتى يتضح الرأي فى قبول العذر لخليفة رسول الله وللمهاجرين.

باب إِخراج الخصوم وأَهل الرِّيَبِ

من البُيوت بَعْدَ المعرفة

958- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مَرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ.

والذي نفسى بيده أي: بتقديره وحكمه، يقبضها متى شاء. هممت: عزمت. يُحتطب، ويروى: "فيحطب". واحتطاب الحطب: جمعه، لا كسره كما ذكر القسطلاني. أخالف إلى رجال أي: آتيهم من خلفهم. لو يعلم أحدهم: وفى رواية: "أحدكم". العرق: بالفتح: العظم نزع معظم لحمه وبقي عليه لحوم رقيقة طيبة، جمعه عراق. المرماة، بفتح الميم وكسرها: ما بين ظلفي الشاة من اللحم. والمعنى: أنه لو علم أنه إن حضر العشاء ألفَى نفعا دنيويا مهما شعف قدره لشهدها. وهذا تنديد بمن لا يبادر إلى الصلاة إلا لارتقاب غرض دنيوى.

باب هل للإمام أَن يَمنع المجرمين وأَهل المعصية

من الكلام معه والزيارة ونحوه

959- عَنْ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ - فَذَكَرَ حَدِيثَهُ - وَنَهى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلاَمِنَا، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا.

والزيارة ونحوه أي: نحو ذلك. وعطف أهل المعصية على المجرمين من عطف العام على الخاص. تبوك، بفتح التاء بعدها باء مضمومة: موضع بين وادي القرى والشام. وكانت غزوة تبوك فى سنة تسع للهجرة، وهي آخر غزواته، وكان قد تجمع بها جمع من الروم وعاملة ولخم وجذام، فوجدهم قد تفرقوا فلم يلق كيدا. والأكثر فى تبوك منع الصرف. عن كلامنا: يعني الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزوة، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. آذن إيذانا: أعلم إعلاما.