ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الكتاب

تقديم الطبعة الثانية

ما إن صدر كتاب ((تَهْذِيبِ ابْنِ هِشَامٍ)) في طبعته الأولى عام 1374هـ حتى تلقته الأمة بالقبول والإقبال، فتوالت طبعات الكتاب من هذه الطبعة التي تعدد ناشروها، فذاع صيته في الآفاق، وقد وجد فيه القارئ المسلم بغيته في تذوق عمدة كتب السيرة المطهرة كما نقلها ابْنُ هِشَامٍ عن رواية ابْنِ إِسْحَاقَ، سائغة منتقاة، في قالب موجز قريب المنال؛ تحقق به ما أراده المؤلف له أن يكون: (( التهذيب ضربًا من التيسير لمن لم تتح له قراءة الأصل، ووصلة صالحة تصل بين شباب اليوم وتراثهم القديم الكريم. وبحسبك أنك تستطيع أن تقرأ هذا الكتاب في أيام معدودات فتظفر منه بالخير العاجل الكثير، وأنت إذا قرأت الأصل- ولست بمطيقه- اقتضاك هذا من الوقت أشهرًا معدودات )).

أما كتاب (( السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ هِشَامٍ )) بنصها الكامل فقد حظيت هي الأخرى بعناية علماء أجلاء آخرين من جيل الرواد في تحقيق وإخراج التراث، فانكبوا على تحقيق طبعاتها الحديثة ومضاهاتها بأقدم مخطوطات السيرة، وغيرها من مصادر ومراجع السيرة والحديث والتأريخ واللغة، سعيًا لاستخراج وضبط وإقامة النص كما خطه ابْنُ هِشَامٍ.

ولما كانت هذه التحقيقات المتعددة قد سبقت أو واكبت أو أعقبت تأليف تهذيب السيرة في طبعته الأولى؛ كان من حق الكتاب أن يُراجَع على أفضل النسخ المحققة من السيرة الكاملة. وقد اعتُمد لهذا العمل أوثق تحقيقين وأكثرهما قبولًا وهما:

-        تحقيق مُصْطَفَى السَّقَّا وَإِبْرَاهِيمَ الْإِبْيَارِيِّ وَعَبْدِ الْحَفِيظ شَلَبِي، على عدد من المخطوطات وأقدم النسخ المطبوعة.

-        تحقيق الشيخ مُحَمَّد مُحْيِي الدِّينِ عَبْد الْحَمِيدِ، على كثير من كتب السيرة والتأريخ وشروحها.

وحيثما اختلف التحقيقات في كلمة أو عبارة كان الترجيح للمصدر الأول فيما يتعلق بإقامة النص، وللمصدر الثاني لما يتعلق بالضبط اللغوي للألفاظ والمعاني.

وإتمامًا للفائدة فقد نُقحت هذه الطبعة بإضافة مزيد من الأحداث والفقرات (( قرابة 40 موضعًا )) من أصل السيرة- مما لم يرد في الطبعة السابقة- بحسبها ذات شأن وفائدة للقارئ، كما حُذفت بعض الروايات التي وردت عن أخبار العرب قبيل مولد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، مما لا غناء فيه ولا سند له صحيحًا.

وسعيًا لمزيد من التيسير والإيضاح فقد أُثريت هذه الطبعة أيضًا بالمزيد من شرح وبيان معاني الألفاظ، كما امتازت أيضًا بالتوسع الشديد في الضبط بالشكل للألفاظ صرفًا ونحوًا- حتى يلبي الكتاب حاجة قارئ اليوم، الذي وهنت- لعوامل عديدة ومعروفة للكافة- صلته باللسان العربي القويم.

ثم رُتب التهذيب وقسم إلى اثنتي عشرة وحدة تتوزع على الأسابيع الدراسية في الفصل الدراسي؛ تشويقًا للقارئ وقطعًا للملل.

ونأمل أن يكون التهذيب في إخراجه الجديد: قريب المورد واضح العبارة وافر الفائدة.

وندعو الله القبول الحسن من كل من ساهم وآزر في ذلك، وأن يجزي كل من نقل السيرة المطهرة ورواها أو هذبها وحققها أفضل الجزاء.

نَبِيل عَبْد السَّلَامِ هَارُون

القاهرة في ذي الحجة 1426هـ

تقـــديم الكتاب

التاريخ والسيرة:

لم يعرف العرب التاريخ في جاهليتهم إلا ما توارثوه بالرواية، وكانت طبيعة التاريخ حينئذ مسايرة لطبيعة الحياة العربية، ففيه مفاخر الآباء والأجداد، من بطولة ومن كرم ومن وفاء، وفيه الأخبار تدور حول الأنساب والأحلاف، وفيه ما صنعوا من حديث يذكر تاريخ البيت وسدنته، وَزَمْزَمَ وانبعاثها، وأنباء جُرْهُمَ وأمراء قُرَيْشٍ، وَسَدِّ مَأْرِبٍ الذي انبثق فتفرق القوم إثره في البلاد، وما كان من أخبار الكهان وأسجاعهم، ونحو ذلك مما يصور حياتهم الاجتماعية والسياسية والدينية.

وجاء الإسلام وتلك الأخبار تروى، وتلك الأنباء تؤثر، ثم وجدوا في ظهور دعوة الإسلام وما سبقها من إرهاص بالنبوة، ومن حياة الرسول الأولى ونشأته الكريمة، وما تلا ذلك من أنباء الرسالة وأنباء المسلمين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبار أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين والمشركين والنصارى واليهود، مادة غزيرة النبع واسعة الآفاق، فتداولوا بينهم تلك الأخبار من طريق الرواية كذلك، وكان القرآن الكريم والحديث النبوي وكلام الأصحاب سجلًّا حافلًا لتلك الحياة الجديدة.

كان القرآن مكتوبًا، ولكنَّ الحديث النبوي ظل دهرًا طويلًا في منأى عن الكتابة، لا يعرفه الناس إلا رواية موثوقًا بها، ولم يجرؤ أحد أن يكتب الحديث بصفة عامة، استجابة لما ورد في حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ، فَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ )) ( أخرجه مسلم(3004)).

وكانت الحكمة في هذا ظاهرة، وهي الخشية من أن يختلط الوحي بحديث الرسول في أثناء نزول الكتاب، وواضح أن هذا الأمر إنما كان يقصد به المحافظة على هذا الغرض الكريم، وكان بلا ريب موقتًا بنـزول القرآن.

وظل الأمر كذلك حتى كانت أيام عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، الذي ولي الخلافة من سنة 99 إلى سنة 101. ويذكرون أنه ظل يستخير الله أربعين يومًا في تدوين الحديث، فخار الله له، وأذن لِأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ في تدوين الحديث فدون ما كان يحفظه، في كتاب بعث به إلى الأمصار. وكان أَبُو بَكْرٍ هذا قاضيًا وواليًا على الْمَدِينَةِ، وتوفي سنة 120هـ.

كما أمر عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أيضًا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ، شيخ مَالِكٍ: أن يدون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصنع في ذلك كتابًا.

واستمر المسلمون من ذلك يؤلفون في الحديث، لا تتقيد كتبهم بنهج خاص في التنسيق والترتيب، بل يجمعونها كما يتفق لهم، وقد يصنف أحدهم كتابًا في باب خاص من أبواب التشريع، ثم =تدرج التصنيف فألفيناهم يبوِّبون  كتب الحديث ويفردون من ذلك أبوابًا خاصة لأخبار الرسول r، يذكرون ما كان من أمر ولادته ورضاعه وما بعدهما إلى البعثة، ثم يفصِّلون أحواله بعد ذلك في مَكَّةَ، من دعوته قُرَيْشًا إلى دين الله، وصبره على إيذائهم له ولأصحابه، ويتناولون أخبار الغزوات والسرايا وما أشبه ذلك من أمور الجهاد.

وانطلق المؤرخون في سبيل آخر يؤلفون في التاريخ كتبًا عامة، وقد يخصص أحدهم تاريخًا لحياة الرسول الكريم، يشبعون بذلك ميولهم الدينية الخاصة، التي ترى في الرسول- لا ريب- قدوة المسلمين وهدى المهتدين.

مؤلفو السيرة:

فكان أول كُتَّاب السيرة عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ (92هـ)، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ (105)، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ (110)، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ (123)، وَابْنُ شِهِابٍ الزُّهْرِيُّ (124)، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ (135).

وقد بادت كتب هؤلاء جميعًا، لم يبق منها إلا أشلاءٌ متناثرة في بطون التاريخ كتاريخ الطَّبَرِيِّ، وإلا قطعة من كتاب وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ محفوظة في مدينة هيدلبرج بِأَلْمَانْيَا.

ثم جاءت طبقة من المؤلفين كان أشهر رجالها مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ (141، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ (150)، ومُحَمَّد بْن إِسْحَاق (152).

وطبقة أخرى كان منها زِيَادٌ البَكَّائِيُّ (183)، وَالْوَاقِدِيُّ صاحب الْمَغَازِي (207)، وَابْنُ هِشَامٍ (218)، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ صاحب الطَّبَقَاتِ (230).

سيرة ابْنِ إِسْحَاقَ:

وكان أشهر هذه الكتب وأعلاها مقامًا وأشدها وثوقًا، سيرة مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ التي ألفها في أوائل أيام العباسيين. يروون أنه دخل على الْمَنْصُورِ ببغداد، وبين يديه ابنه الْمَهْدِيُّ، فقال له الْمَنْصُورُ: أتعرف هذا يا ابْنَ إِسْحَاقَ؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين. قال: اذهب فصنف له كتابًا منذ خلق الله آدَمَ - عليه السلام - إلى يومك هذا. فذهب ابْنُ إِسْحَاقَ فصنف له هذا الكتاب، فقال له: لقد طوَّلته يا ابْنَ إِسْحَاقَ، اذهب فاختصره.

فاختصره. وألقى الكتاب الكبير في خزانة أمير المؤمنين.

ابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، أبو عبد الله المدني القرشي، مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف. كان جده يسار من سبي عين التمر، بلدة غربي الكوفة على طرف البرية، افتتحها المسلمون في خلافة أبي بكر سنة 12 فجيء به إلى المدينة، وولد حفيده محمد فيها سنة 85، وأنضى بالمدينة ثوب شبابه ورحل إلى البلدان الإسلامية، وكانت رحلته إلى الإسكندرية في سنة 115 فحدَّث عن جماعة من المصريين، ثم رحل إلى الكوفة والجزيرة والري والبصرة وبغداد، حيث ألقى عصاه ووافته منيته فيها سنة 152، وفيه يقول ابن عدي: (( ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء للاشتغال بمغازي رسول الله e، ومبعثه ومبتدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة سبق بها ابن إسحاق )).

التعريف بسيرة ابْنِ هِشَامٍ

وقد جاء بعده ابْنُ هِشَامٍ فروى لنا هذه السيرة مهذبة منقحة بعد تأليف ابْنِ إِسْحَاقَ لها بنحو نصف قرن، بوساطة رجل واحد، هو زِيَادَةُ الْبَكَّائِيُّ .

ولم يكن كتاب ابْنِ إِسْحَاقَ الذي رواه هِشَامٌ بهذا القدر الذي بين أيدينا اليوم، فإن ابْنَ هِشَامٍ تناول جوانب سيرة ابْنِ إِسْحَاقَ بكثير من التحرير، والاختصار، والإضافة، والنقد أحيانًا، والمعارضة بروايات أخرى لغيره من العلماء كذلك، وقد ساق في صدر السيرة بعض منهجه لرواية ذلك الكتاب.

ونحن لا نشك مع ذلك أن ابْنَ هِشَامٍ كان ملتزمًا جانب الأمانة والحرص في رواية كتاب ابْنِ إِسْحَاقَ، لم يبدل منه كلمة واحدة، ولم يزد كلمة لبيان الخطأ أو شرح الغامض أو معارضة الروايات إلا صدَّرها بقوله: (( قال ابْنُ هِشَامٍ )).

وأما الاختصار فإنه كان المقصد الأساسي في روايته للسيرة، فحذف ما كان قبل تاريخ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ- عليهما السلام- منذ بدء الخليفة، وكذا حديث أبناء إِسْمَاعِيلَ، والأخبار التي ليست من السيرة في شيء- فيما كان يراه هو- وحذف الأشعار الكثيرة التي يشك في مبلغ روايتها من الصحة.

والمتعقب لأصل السيرة من رواية ابْنِ هِشَامٍ يلمح في ذلك الحرص الشديد والأمانة الصارمة، التي كانت سمة العلماء المسلمين في تلك العصور القديمة.

منزلة سيرة ابْنِ هِشَامٍ:

ومهما يكن من شيء فإن كتاب ابْنِ إِسْحَاقَ كان العمدة لقراء السيرة منذ قديم الزمان إلى يومنا هذا، ولا تكاد تجد رجلًا أوغل في دراسة سيرة الرسول إلا وكتاب ابْنِ إِسْحَاقَ إمامه الأول في ذلك.

وقد عرفت سيرة ابْنِ إِسْحَاقَ بين العلماء منذ عهد عهيد باسم (( سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ )) لِمَا أنه كان راويها ومهذبها. يقول ابْنُ خَلِّكَانَ: (( وَابْنُ هِشَامٍ هذا هو الذي جمع سيرة رسول الله e من المغازي والسير لِابْنِ إِسْحَاقَ، وهذبها ولخصها، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس، والمعروفة بسيرة ابْنِ هِشَامٍ )).

وقد لقيت هذه السيرة من الدارسين والشارحين عناية صادقة، وشرحها أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّهَيْلِيُّ شرحًا مسهبًا في كتابه المسمى: (( الرَّوْضَ الأُنُفَ )).

 

وجاء بعده أَبُو ذَرٍّ الْخُشَنِيُّ ، فتصدى للكتاب فشرح غريبه، وكتب شيئًا من النقد في كتابه (( شَرْحِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ))، الذي نشره الدكتور برونله.

وصنع بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَيْنِيُّ شرحًا له سماه: (( كَشْفَ اللِّثَامِ فِي شَرْحِ سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ ))، فرغ منه سنة 805.

ومن ناحية أخرى نجد آخرين قد عنوا باختصار السيرة، ومنهم: بُرْهَانُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ المعروف بِابْنِ الْمُرَحِّلِ الشَّافِعِيِّ، اختصرها وزاد عليها بعض ما كان ينقصها في كتاب جعله ثمانية عشر مجلسًا، وسماه: «الذَّخِيرَةَ فِي مُخْتَصَرِ السِّيرَةِ» أتم تأليفه سنة 611. وَأَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَاسِطِيُّ، اختصروها في كتاب سماه: (( مُخْتَصَرَ سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ ))، فرغ منه سنة 711.

وممَّن نظمها شعرًا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الدَّمِيرِيُّ الدِّيرِينِيُّ وكانت وفاته سنة 663. وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ المعروف بِابْنِ الشَّهِيدِ المتوفى سنة 793. وقد سمى كتابه: (( الْفَتْحَ الْقَرِيبَ فِي سِيرَةِ الْحَبِيبِ ))، وهو في بضعة عشر ألف بيت.

تهذيب سيرة ابْنِ هِشَامٍ:

وقد كنت في صدر الشباب أحاول المرة بعد الأخرى أن أقرأ هذا الكتاب الجليل من مبتدئه إلى منتهاه، فكان يصدُّني عن ذلك ما كنت أجده في ذلك التأليف من اضطراب واستطراد يكدُّ الذهن ويجلب السآمة، فلا أقرأ منه إلا أجزاء متناثرة أراها كالرياض في صميم الفلاة، يغريني بقراءتها ما يجتذبني من جمال القول، وجلال الغاية.

والحق أنني كنت أجد في تلاوة السيرة شيئًا مما كنت أجد في تلاوة الكتاب الكريم وحديث الرسول، من تعبد صادق، وخشوع خاضع. ولعل سرًّا دفينًا كان ينزع بي إلى معاودة تلك التلاوة: أن والدي- رحمه الله- كان ممن ألفوا في السيرة، صنع في ذلك موجزًا سماه (( تَلْخِيصَ الدُّرُوسِ الْأَوَّلِيَّةِ فِي السِّيرَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ))، وجعله في ثلاثين فصلًا، وظل ذلك الكتاب دهرًا طويلًا لا يدرس سواه في المعاهد الدينية بِمِصْرَ؛ إذ كان من برامج الدراسة فيها درس خاص يسمى (( درس السيرة )).

ولكني مع ذلك لم أوفق لقراءة الكتاب كله، لما ذكرت من اضطراب التأليف وشيوع الاستطراد. فقارئ السيرة تعترضه فصول طوال في أسماء أُسارى بَدْرٍ، وأسماء خيل المسلمين بِبَدْرٍ، وجريدة من حضر بِبَدْرٍ من المسلمين من قُرَيْشٍ ومن الأنصار، ومن استشهد منهم يوم بَدْرٍ، ومن قتل به من المشركين، وما قيل من الشعر في يوم بَدْرٍ، وأشباه ذلك من الأمور السردية، ومن الأشعار المسهبة، والأنساب المطوَّلة، والاستطرادات اللغوية، وطائفة من تفسير كتاب الله مما لا يدخل في صميم السيرة وإن كان يحوم حولها. وشيء آخر هو السند الذي تصدر به معظم فقار السيرة، مما ليس له قدر إلا عند الناقدين من العلماء.

فحاولت في هذا (( التهذيب )) أن أستخلص لباب هذا التأليف لأقدمه إلى القارئ في ثوب جديد يستسيغ النظر فيه، ولا تنقطع به السبيل في تلاوته، مع الحرص التام على نص الكتاب، بحيث يستطيع القارئ أن يقتبس منه ويستشهد به معزوًّا إلى أصله الأول، فإني لم أبدل حرفًا واحدًا من نص الكتاب؛ لأني راعيت فيه أمانة الأداء، وراعيت باطراد أن أنسب إلى ابْنِ هِشَامٍ ما هو له، بأن أنص على ذلك في صدر كلامه، أو أجعله وحده في حاشية الكتاب معزوًّا إليه، طبقًا لما يقتضيه التأليف. وأما سائر النصوص فهي نصوص ابْنِ إِسْحَاقَ من رواية ابْنِ هِشَامٍ. ولم أذكر من الإسناد إلا ما هو ضروري لإقامة النص، مما رواه ابْنُ إِسْحَاقَ أو ابْنُ هِشَامٍ منسوبًا إلى قائله.

وقد عنيت أن أضبط تلك النصوص جميعًا، وأن أفسر منها ما يحتاج إلى توضيح معتمدًا في ذلك على شراح السيرة، وكتب الآثار واللغة المعتمدة.

وأما بعد: فإن التهذيب ضرب من التيسير لمن لم تتح له قراءة الأصل، ووصلة صالحة تصل بين شباب اليوم وتراثهم القديم الكريم. وبحسبك أنك تستطيع أن تقرأ هذا الكتاب في أيام معدودات فتظفر منه بالخير العاجل الكثير، وأنت إذا قرأت الأصل، ولست بمطيقه، اقتضاك هذا من الوقت أشهرًا معدودات.

والله أسأل أن يجعل هذا الكتاب نافعًا، كما أحتسبه فيما قدمت للعلم من مجهود ضئيل، أردت به فيما أردت رضوان الله ورضوان الرسولe.

عَبْدُ السَّلَام محمد هَارُون

مصر الجديدة في منتصف رَمَضَانَ سنة 1374.

 

   ابن هشام: هو أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري. كان منشؤه بالبصرة، ثم نزل مصر واجتمع به الإمام الشافعي، وتناشدا من أشعار العرب الشيء الكثير. وصنف ابن هشام سوى تهذيبه سيرة ابن إسحاق كتابًا في أنساب حمير وملوكها، وكتابًا في شرح ما وقع في أشعار السير من الغريب. توفي بالفسطاط سنة 218. البكائي: هو الحافظ أبو محمد زياد بن عبد الملك بن الطفيل البكائي العامري الكوفي. والبكائي نسبة إلى بني البكاء، من بني عامر بن صعصعة. قدم زياد إلى بغداد وحدث بها بالمغازي عن محمد بن إسحاق، وبالفرائض عن محمد بن سالم، ثم رجع إلى الكوفة فمات بها في خلافة هارون سنة 183. وكان ابن هشام يقدر هذا الشيخ حق قدره، فيقول في صدر كتابه: (( وأنا تارك أشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته )). الخثعمي: هو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبع الخثعمي السهيلي الأندلسي المالقي، وسهيل: ولد بالأندلس من كورة مالقة. عاش حياته في الأندلس؛ إذ ولد بها سنة 508، وأقام بمراكش أعوامًا ثلاثة حيث توفي بها سنة 581.الخشني: هو أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود الجياني الخشني، نسبة إلى خشين، وهي قرية بالأندلس، وقبيلة من قضاعة. ولد سنة 532 وتوفي سنة 604.