ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

 العرض على القبائل وبيعة العقبة

عرض رسول الله نفسه على القبائل في مواسمهم:

ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه، إلا قليلًا مستضعفين ممن آمن به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت، على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبي مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه، حتى يبين لهم عن الله ما بعثه به.

قال رَبِيعَةُ بْنُ عَبَّادٍ: إني لغلام شاب مع أَبِي بِمِنَى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بني فلان، إني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني، حتى أبين عن الله ما بعثني به. وخلفه رجل أحول وضيء، له غديرتان ([27])، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلانٍ، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ ([28])، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه! فقلت لأبي: من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو لَهَبٍ.

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: حدثنا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أنه أتى كِنْدَةَ في منازلهم، وفيهم سيد لهم يقال له:  مُلَيْحٌ، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه. وأنه أتى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له ((بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسٍ )): والله لو أني أخذت هذا الفتى من قُرَيْشٍ لأكلت به العرب! ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له: أَفَتُهْدَفُ ([29]) نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه.

فلما صدر الناس رجعت بَنُو عَامِرٍ إلى شيخ لهم قد كان أدركته السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم. فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قُرَيْشٍ، ثم أحد بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه من قوم معه، ونخرج به إلى بلادنا! فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بَنِي عَامِرٍ، هل لها من تلاف ([30])، هل لذُنَاباها من مطلب ([31])! والذي نفس فلان بيده ما تقوّلها إِسْمَاعِيلِيٌّ قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم؟!

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بَنِي حَنِيفَةَ في منازلهم فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردًا منهم.

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الله من الهُدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مَكَّةَ من العرب له اسم وشرف، إلا تصدى له فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده.

قدم سُوَيْدُ بْنُ صَامِتٍ أَخُو ([32]) بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَكَّةَ حاجًا أو معتمرًا، فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وما الذي معك؟ )) قال: مجلة لقمان ([33]). فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اعرضها علي )). فعرضها عليه. فقال له: (( إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا: قرآن أنزله الله تعالى علي، هو هدى ونور )). فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه. وقال: إن هذا لقول حسن. ثم انصرف عنه، فقدم الْمَدِينَةَ على قومه، فلم يلبث أن قتلته الْخَزْرَجُ. فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قُتل وهو مسلم. وكان قتله قبل يوم بُعَاثَ ([34]).

 الغديرة: الذؤابة من الشعر. هم حي من الجن تنسب إليهم الإبل الأقيشية، وهي إبل ليست عتاقًا، تنفر من كل شيء. تهدف: تصير هدفًا للرمي. التلافي: التدارك. مثل يضرب لما فات، وهو من (( ذنابى الطائر )) أي: ذنبه، إذا أفلت من الحبالة فطلبت الأخذ به. أخو: أي أحد. يعني حكمة لقمان. بعاث: موضع من نواحي المدينة، كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج.

بدء إسلام الأنصار:

فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه. وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند الْعَقَبَةِ ([35]) لقي رهطًا من الْخَزْرَجِ أراد الله بهم خيرًا ([36]). لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: (( من أنتم؟ )) قالوا: نفر من الْخَزْرَجِ قال: (( أمن موالي يهود؟ )) قالوا: نعم. قال: (( أفلا تجلسون أكلمكم؟ )) قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتابٍ وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عادٍ وإرم! فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تَعَلَموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام. وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا.

وهم فيما ذكر لي ستة نفر من الْخَزْرَجِ، فلما قدموا الْمَدِينَةَ إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 العقبة: موضع بين منى ومكة، بينها وبين مكة نحو ميلين، ومنها ترمى جمرة العقبة. كان ذلك في السنة الحادية عشر من النبوة.

بيعة العقبة الأولى:

حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ([37]) وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب، منهم: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ.

عن عُبَادَةِ بْنُ الصَّامِتِ قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب: عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ. فَإِنْ وَفّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنّةُ. وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُكُمْ إلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ إنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ.([38])

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين. فكان يسمى المقرئ بِالْمَدِينَةِ. وأنه كان يصلي بهم، وذلك أن الْأَوْسَ والْخَزْرَجَ كره بعضهم أن يؤمه بعض.

أي على نمطها. وكانت بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا بعد ما فرغ من بيعة الرجال، راجع سورة الممتحنة: 12. أخرجه البخاري(3680، 6479)، مسلم(1709).

بيعة العقبة الثانية:

ثم إن مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رجع إلى مَكَّةَ، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم، مع حجاج قومهم من أهل الشرك، حتى قدموا مَكَّةَ؛ فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، من أوسط أيام التشريق ([39]) حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته، والنصر لنبيه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله.

قال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا ([40]) لسفرنا وخرجنا من الْمَدِينَة قال البراء لنا: يا هؤلاء، إني قد رأيت رأيًا فوالله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ قلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت ألا أدع هذه البنية مني بظهر- يعني:  الكعبة- وأن أصلي إليها. فقلنا: والله ما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشَّامِ ([41])، وما نريد أن نخالفه. فقال: إني لمصل إليهما. فقلنا له: لكنا لا نفعل. فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشَّامِ وصلى إلى الكعبة، حتى قدمنا مَكَّةَ، وقد كنا عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الإقامة على ذلك، فلما قدمنا مَكَّةَ قال لي: يا ابن أخي، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه. قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك، فلقينا رجلًا من أهل مَكَّةَ، فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا. قال: فهل تعرفان الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عمه؟ قلنا نعم- وقد كنا نعرف الْعَبَّاسَ، كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا- قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع الْعَبَّاسِ؟ فدخلنا المسجد فإذا الْعَبَّاسُ جالس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سيد قومه، وهذا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ. فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ قال: نعم. فقال له البَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يا نبي الله. إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للإسلام. فرأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «قد كنت على قبلة لو صبرت عليها.»([42])

قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معنا إلى الشَّامِ. ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق. فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرٍ، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة. فأسلم وشهد معنا العقبة؛ وكان نقيبًا.

فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا ([43]) مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ ([44]). قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فقال: يا معشر الْخَزْرَجِ- وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الْخَزْرَجَ، خزرجها وأوسها- إن مُحَمَّدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا. ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعةٍ في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعةٍ من قومه في بلده. فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم!

فأخذ البَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ([45])، فبايعنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة ([46])، ورثناها كابرًا عن كابر!

فاعترض القول،والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن بيننا وبين الرجال حبالًا وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله على أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم    ثم قال: بل الدمُ الدم، والهدمُ الهدم ([47])، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم!

وقد كان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم )). فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا: تسعة من الْخَزْرَجِ، وثلاثة من الْأَوْسِ ([48]).

كان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثم بايع بعده القوم. فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب ([49])، هل لكم مذمم ([50]) والصباة ([51]) معه، قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب ([52]) )).! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ارفضوا ([53]) إلى رحالكم )). فقال له الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم )). فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلة ([54]) قُرَيْشٍ حتى جاءونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الْخَزْرَجِ، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، منكم! فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله: ما كان من هذا شيء، وما علمناه! وقد صدقوا، لم يعلموه. قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. ونفر الناس من منى، فتنطس القوم الخبر ([55]) فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَذَاخِرَ ([56])، وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، وكلاهما كان نقيبًا. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلى عنقه= بنسع رحله ([57])، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مَكَّةَ يضربونه بجمته ([58])، وكان ذا شعرٍ كثير. قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قُرَيْشٍ، فيهم رجل وضيء أبيض، شعشاع ([59]) حلو من الرجال، فقلت في نفسي، إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا. فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة، فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خير! فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي ([60]) رجل ممن كان معهم فقال: ويحك! أما بينك وبين أحدٍ من قُرَيْشٍ جوار ولا عهد؟ قلت: بلى والله، لقد كنت أُجِير لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ تجّاره، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي؛ وَلِلْحَارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلًا من الْخَزْرَجِ الآن يضرب بِالْأَبْطَحِ ([61]) ويهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوارًا. قالا: ومن هو؟ قال: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. قالا: صدق والله، إن كان ليجير لنا تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده! قال: فجاءا فخلصا سعدًا من أيديهم، فانطلق.

 أيام التشريق: ثلاثة بعد النحر، كانوا يشرقون فيها لحم الأضاحي للشمس ليجففوها.وجهنا: اتجهنا. أي: بيت المقدس. أخرجه أحمد(15836)، وابن خزيمة(429) وابن حبان(7011). القطا: نوع من اليمام يؤثر الحياة في الصحراء. قال ابن إسحاق: كان رسول الله e لا يصافح النساء، إنما كان يأخذ عليهن، فإذا أقررن قال: اذهبن لقد بايعتكن. كنوا بالأزر عن النساء. أو عن النفوس، يقال لكل منهما: إزار. الحلقة: السلاح كله. الهدم: بإسكان الدال وفتحها: إهدار الدم، أي إن طلب دمكم فقد طلب دمي، وإن أهدر دمكم فقد أهدر دمي. والهدم، بالتحريك: القبر والمنزل. أي أقبر حيث تقبرون، وأنزل حيث تنزلون. أما نقباء الخزرج السبعة فهم: أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، وأما نقباء الأوس فهم: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن المنذر. قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان، ولا يعدون رفاعة. الجباجب: المنازل، منازل منى. كان المشركون يلقبونه بذلك. الصباة: جمع صابئ. والصابئ: الخارج من دينه، كانوا يسمون من أسلم بذلك. أزب بن أزيب: اسم شيطان. ارفضوا: أي تفرقوا. جلة: معظم. أي: أكثروا البحث عنه. أذاخر: موضوع قريب من مكة. النسع: شراك يشد به الرحل. الجمة: مجتمع شعر الرأس. الشعشاع: الطويل الحسن. أوى له: رق له ورحمه. الأبطح: المكان المتسع يمر به السيل فيترك فيه الرمل والحصى الصغار.

شروط بيعة العقبة الأخيرة:

وكانت بيعة الحرب حين أذن الله لرسوله في القتال شروطًا سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى. كانت الأولى على بيعة النساء، وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه، واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة.

 قال عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب، على السمع والطاعة؛ في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا ([62])، وأثرة علينا ([63])، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم.

  المنشط: الأمر تنشط له. وهو خلاف المكره. الأثرة بمعنى الاستئثار، إشارة إلى إيثارهم المهاجرين على أنفسهم.

من نزول الأمر بالقتال إلى قدوم الْمَدِينَةِ

نزول الأمر بالقتال:

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل. وكانت قُرَيْشٌ قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه، ومن بين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارًا منهم؛ منهم من بأرض الْحَبَشَةِ، ومنهم من بالْمَدِينَةِ، وفي كل وجه. فلما عتت قُرَيْشٌ على الله عز وجل، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه e، وعذبوا ونفوا مَن عبده ووحده وصدق نبيه، واعتصم بدينه، أذن الله- عز وجل - لرسوله  e  في القتل والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في إذنه له في الحرب، وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى عليهم، فيما بلغني عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وغيره من العلماء، قول الله تبارك وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور #[الْحَجِّ: 39 -41] أي: إني إنما أحللت لهم القتال؛ لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس، إلا أن يعبدوا الله، وإنهم إذا ظهروا ([64]) أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. يعني:  النبي  e   وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين. ثم أنزل الله تبارك وتعالى عليه: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ... أي: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه ﴿...وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ... #[ الْبَقَرَةِ: 193 ]، أي: حتى يعبد الله لا يعبد معه غيره.

ظهروا: غلبوا.

الإذن بهجرة المسلمين إلى الْمَدِينَةِ:

فلما أذن الله تعالى له e في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله e أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بِمَكَّةَ من المسلمين بالخروج إلى الْمَدِينَةِ والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: (( إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها )). فخرجوا أرسالًا ([65])، وأقام رسول الله e بِمَكَّةَ ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مَكَّةَ، والهجرة إلى الْمَدِينَةِ.

ذكر المهاجرين إلى الْمَدِينَةِ:

فكان أول من هاجر إلى الْمَدِينَةِ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قُرَيْشٍ: من بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، هاجر إلى الْمَدِينَةِ قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ من أرض الْحَبَشَةِ، فلما آذته قُرَيْشٌ وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج إلى الْمَدِينَةِ مهاجرًا.

ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أَبِي سَلَمَةَ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، معه امرأته لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ. ثم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، احتمل ([66]) بأهله وبأخيه عَبْدِ بْنِ جَحْشٍ، وهو أَبُو أَحْمَدَ، وكان أَبُو أَحْمَدَ رجلًا ضرير البصر، وكان يطوف مَكَّةَ أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرًا. ثم قدم المهاجرون أرسالًا، ثم خرج عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حتى قدما الْمَدِينَةَ ثم تتابع المهاجرون.


 

 أي: جماعات، واحدة إثر الأخرى. احتمل بأهله: حملهم وارتحل بهم.