ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

هجرة الرسول e 

رحلة الهجرة:

فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، أتى أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ فخرجا من خوخة ([81]) لِأَبِي بَكْرٍ في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غَارٍ بثور ([82]) فدخلاه، وأمر أَبُو بَكْرٍ ابنه عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. وأمر عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها ([83]) عليهما، يأتيهما إذا أمسى في الغار. وكانت أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما ([84]).

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثًا ومعه أَبُو بَكْرٍ، وجعلت قُرَيْشٌ فيه، حين فقدوه، مائة ناقة، لمن يرده عليهم. وكان عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يكون في قُرَيْشٍ نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عَامَرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مولى أَبِي بَكْرٍ- رضي الله عنه- يرعى في رعيان أهل مَكَّةَ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أَبِي بَكْرٍ، فاحتلبا وذبحا. فإذا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غدا من عندهما إلى مَكَّةَ، اتبع عَامِر بْن فُهَيْرَةَ أثره بالغنم حتى يعفي عليه. حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه، ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍٍ بسفرتهما ([85])، ونسيت أن تجعل لها عصامًا ([86])، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصامًا، ثم علقتها به. فكان يقال لِأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذات النطاق، لذلك ([87]).

فلما قرب أَبُو بَكْرٍ- رضي الله عنه- الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له أفضلهما ثم قال: اركب، فداك أبي وأمي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني لا أركب بعيرًا ليس لي )). قال: فهي لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي أنت وأمي! قال: (( لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ )) قال: كذا وكذا. قال: (( قد أخذتها به )).

 قال: هي لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فركبا وانطلقا، وأردف أَبُو بَكْرٍ الصديق- رضي الله عنه- عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق. قالت أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، أتانا نفر من قُرَيْشٍ فيهم أَبُو جَهْلٍ ابْنِ هِشَامٍ، فوقفوا على باب أَبِي بَكْرٍ، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أَبِي بَكْرٍ؟ قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أَبُو جَهْلٍ يده- وكان فاحشًا خبيثًا- فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي! ثم انصرفوا. فمكثنا ثلاث ليالٍ وما ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مَكَّةَ، يتغنى بأبياتٍ من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته، وما يرونه، حتى خرج من أعلى مَكَّةَ وهو يقول:

جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسَ خَيْرَ جَزَائِهِ

رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمَّ مَعْبَدِ ([88])

هُمَا نَزَلَا بِالْبِرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا

فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ

لِيَهْنِ ([89]) بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ

وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ

فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى الْمَدِينَةِ. قال سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مَكَّةَ مهاجرًا إلى الْمَدِينَةِ جعلت قُرَيْشٌ فيه مائة ناقةٍ لمن رده عليهم. فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا حتى وقف علينا، فقال: والله لقد رأيت رَكَبَةً ثلاثة مروا علي آنفًا، إني لأراهم مُحَمَّدًا وأصحابه. فأومأت إليه بعيني: أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم! قال: لعله. ثم سكت. ثم مكثت قليلًا ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي فقيد لي إلى بطن الوادي وأمرت بسلاحي فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي ([90]) التي أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتي ([91]) ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: (( لا ضره )) ([92]). وكنت أرجو أن أرده على قُرَيْشٍ فآخذ المائة الناقة.

فركبت على أثره، فبينا فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، فقلت: ما هذا! ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: (( لا يضره )). فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فبينا فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، فقلت: ما هذا! ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: (( لا يضره )). فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره. فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي. فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه. ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعهما دخان كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني وأنه ظاهر ([93])، فناديت القوم فقلت: أنا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم ([94])، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ: قل له: وما تبغي منا؟ فقال ذلك أَبُو بَكْرٍ. قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أَبَا بَكْرٍ.

فكتب لي كتابًا في عظم، أو في رقعة ([95])، أو في خزفة، ثم ألقاه إلي، فأخذته فجعلته في كنانتي ([96]) ثم رجعت. فسكت فلم أذكر شيئًا مما كان، حتى إذا كان فتح مَكَّةَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرغ من حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، خرجت ومعي الكتاب لألقاه، فلقيته بِالْجِعْرَانَةِ ([97])، فدخلت في كتيبةٍ من خيل الأنصار. فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك، ماذا تريد؟ فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه ([98]) كأنها جمارة ([99])، فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا كتابك لي، أنا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ ))، ادنه. فدنوت منه فأسلمت. ثم تذكرت شيئًا أسال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الضالة من الإبل تغشى حياضي ([100]) وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال: ((نَعَمْ فِي كُلّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى ([101]) أَجْرٌ )).([102]) ثم رجعت إلى قومي فسقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي.

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: فلما خرج بهما دليلهما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَطَ، سلك بهما أسفل مَكَّةَ ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عُسْفَانَ، ثم سلك بهما على أسفل أَمَجَ، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قُدَيْدًا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الْخَرَّارَ، ثم سلك بهما ثَنِيَّةَ الْمُرَّةِ ثم سلك بهما لِقْفًا، ثم أجاز بهما مَدْلَجَةَ لَقْفٍ، ثم استبطن بهما مَدْلَجَةَ مَحَاجٍ، ثم سلك بهما مَرْجِحَ مُحَاجٍ، ثم تبطن بهما مَرْجِحَ مِنْ ذِي الْغَضَوَيْنِ، ثم بَطْنِ ذِي كَشْرٍ، ثم أخذ بهما على الْجَدَاجِدِ، ثم على الْأَجْرَدِ. ثم سلك بهما ذَا سَلَمٍ من بطن أعداء مَدْلَجَةِ تِعْهِنَ، ثم على الْعَبَابِيدِ، ثم أجاز بهما الْفَاجَّةَ.

قال ابْنُ هِشَامٍ: ثم هبط بهما الْعَرْجَ وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهم، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أَسْلَمَ يقال له أِوْسُ بْنُ حُجْرٍ ([103])، على جمل له يقال له: ابْنُ الرَّدَاءِ، إلى الْمَدِينَةِ، وبعث معه غلامًا له يقال له: مَسْعُودُ بْنُ هُنَيْدَةَ، ثم خرج بهما دليلهما من الْعَرْجِ، فسلك بهما ثَنِيَّةَ الْعَائِرِ عن يمين رَكُوبَةَ، حتى هبط بهما بطن رِيمَ، ثم قدم بهما قُبَاءً على بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، لاثنتي عشرة ليلةٍ خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين، حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل.

 ثور: جبل بأسفل مكة. يريحها: يردها. ابن هشام عن الحسن البصري: (( انتهى رسول الله وأبو بكر إلى الغار ليلًا، فدخل أبو بكر- رضي الله عنه- قبل رسول الله ﷺ، فلمس الغار، لينظر: أفيه سبع أو حية؟ يقي رسول الله بنفسه )). السفرة: الطعام يصنع للمسافر، وما يحمل فيه هذا الطعام. العصام: رباط القربة والمزادة ونحوهما. قال ابن هشام: (( وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول: ذات النطاقين. وتفسيره أنها لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر )). أم معبد: واسمها عاتكة بنت خالد: امرأة من بني كعب، نزل بها رسول الله وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أرقط، فسألوها لحمًا وتمرًا يشترون منها، فلم يصيبوا عندها شيئًا، ورأى رسول الله شاة بكسر الخيمة لا تدر، فاستأذنها أن يحلبها، فمسح ضرعها فدرت درًا غزيرًا، ثم بايعته المرأة على الإسلام. ليهن: يسر، يفرح. القداح: جمع قدح، قطع من الخشب تعرض قليلًا وتسوى، ليستقسم بها. اللأمة: الدرع والسلاح. أي: المكتوب فيه هذه الكلمة. أي: غالب منتصر. أريبكم: يريبه، يجعله شاكًا. رقعة: قطعة من الورق أو الجلد يكتب فيها. كنانتي: جعبة صغيرة من جلد يوضع فيها النبل. الجعرانة: ماء بين الطائف ومكة. الغزر للرحل، بمنزلة الركاب للسرج. جمارة: قلب النخل. حياضي: جمع حوض، الحوض مجتمع الماء. ذا كبد =حري: حري: عطشى، للمبالغة أي: أنها لشدة حرها قد عطشت ويبست من العطش، أي: كل كائن حي. أخرجه الحميدي(902)، والطبراني(6602)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني(1029) أوس بن حجر هذا صاحبي، وهو غير أوس الشاعر الجاهلي.

قدوم قُبَاءٍ:

عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ سِاعِدَةَ، قال: حدثني رجال من قومي، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مَكَّةَ، وتوكفنا ([104]) قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ([105])، ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلًا دخلنا، وذلك في أيام حارة، حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْلَةَ ([106])، هذا جدكم ([107]) قد جاء. فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أَبُو بَكْرٍ- رضي الله عنه- في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، وركبه الناس ([108]) وما يعرفونه من أَبِي بَكْرٍ، حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أَبُو بَكْرٍ بردائه عند ذلك.

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون- على كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ، ويقال بل نزل على سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ. ويقول من يذكر أنه نزل على كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ جلس للناس في بيت سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وذلك أنه كان عزبًا لا أهل له، وكان منزل الأعزاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين. ونزل أَبُو بَكْرٍ الصديق- رضي الله عنه- على خُبَيْبِ بْنِ إِسَافٍ. ويقول قائل: كان منزله على خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ. وأقام عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- عليه السلام- بِمَكَّةَ ثلاث ليالٍ وأيامها، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل معه على كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بِقُبَاءٍ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس. وأسس مسجده.

 توكفناه: استشعرناه وانتظرناه. حرتنا: الحرة، أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت. هم الأنصار جميعًا، وقيلة جدة كانت لهم. الجد: الحظ. ركبه الناس،: أي ازدحموا عليه.

قدوم الْمَدِينَةِ:

ثم أخرجه من بين أظهرهم يوم الجمعة. فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رَانُونَاءَ، فكانت أول جمعة صلاها بِالْمَدِينَةِ. فأتاه عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ، في رجال من بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة ([109]).

قال: «خلوا سبيلها، فإنها مأمورة»([110])- لناقته- فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بَنِي بَيَاضَةَ تلقاه زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو، في رجال من بَنِي بَيَاضَةَ، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة.

 فانطلقت حتى إذا مرت بدار بَنِي سَاعِدَةَ اعترضه سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، في رجال من بَنِي سَاعِدَةَ، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة.

 فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، اعترضه سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، في رجال من بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة.

 فخلوا سبيلها فانطلقت. حتى إذا مرت بدار بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وهم أخواله دنيا- أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو، إحدى نسائهم- اعترضه سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَبُو سَلِيطٍ أَسِيرَةُ بْنُ أَبِي خَارِجَةَ، في رجال من بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. فخلوا سبيلها فانطلقت.

حتى إذا أتت دار بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، بركت على باب مسجده    وهو يومئذ مربد ([111]) لغلامين يتيمين من بَنِي النَّجَّارِ- وهما في حجر مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ- سَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو. فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل وثبت، فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم تحلحلت ([112]) وأرزمت ([113]) ووضعت جرانها ([114])، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتمل أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد لمن هو؟ فقال له مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ: هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لسهل وسهيل ابْنَيْ عَمْرٍو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدًا.

فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى مسجدًا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أَبِي أَيُّوبَ حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه. فقال قائل من المسلمين:

لَئِـنْ قَـعَـدْنَـا وَالـنَّـبِـيُّ يَـعْـمَـلُ

لَـذَاكَ مِـنَّـا الْـعَـمَـلُ الْمُـضَـلَّـلُ

وارتجز المسلمون، وهم يبنونه، يقولون:

(( لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة )).

فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَا عَيْشَ إلَّا عَيْشَ الْآخِرَةِ، اللّهُمَّ ارْحَمِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ )).([115])

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أَبِي أَيُّوبَ حتى بنى له مسجده ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أَبِي أَيُّوبَ- رحمة الله عليه ورضوانه-. قال أَبُو أَيُّوبَ: لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له يا نبي الله. بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل. فقال: ((يَا أَبَا أَيّوبَ، إنَّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا ([116])، أَنْ نَكُونَ فِي سُفْلِ الْبَيْتِ))([117]). قال: فكان رسول الله  في سفله وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسرت حُب ([118]) لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة ([119]) لنا، ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء، تخوفًا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء يؤذيه.

قال: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده. فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلًا أو ثومًا، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر ليده أثرًا، فجئته فزعًا، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي أنت وأمي، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك، نبتغي بذلك البركة. قال: ((إنّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَأَنَا رَجُلٌ أُنَاجِي، فَأَمَّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ )). قال: فأكلناه، ولم نصنع له تلك الشجرة بعد.

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق بِمَكَّةَ أحد، إلا مفتون أو محبوس، ولم يوعب ([120]) أهل هجرة من مَكَّةَ بأهليهم وأموالهم إلى الله – تبارك وتعالى – إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أهل دور مسمون: بَنُو مَظْعُونٍ من جُمَحٍ، وَبَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حلفاء بَنِي أُمَيّةَ وَبَنُو الْبُكَيْرِ، من بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فإن دورهم غلقت بِمَكَّةَ هجرة، ليس فيها ساكن.

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بني له فيها مسجده ومساكنه، واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، إلا ما كان من خَطْمَةَ وَوَاقِفٍ وَوَائِلٍ وَأُمَيّةَ وتلك أَوْسُ اللَّهِ، وهم حي من الْأَوْسِ، فإنهم أقاموا على شركهم.

المنعة: العز والقوة. أخرجه ابن سعد في الطبقات(1/237) المربد: الموضع الذي يجفف فيه التمر. تحلحلت: تحركت. أرزمت: صوتت. الجران: ما يصيب الأرض من صدر الناقة وباطن خفها. أخرجه مسلم(1804) يغشانا: يأتينا. أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني(1886) ، والطبراني في الكبير(3855) والحاكم(5939) بألفاظ مختلفة. الحب: الجرة، أو جرة ضخمة. القطيفة: كساء له خمل، أي أهداب. لم يوعب: أوعب القوم، خرجوا كلهم.