ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة بدر (1)

غزوة بدر الكبرى:

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ مقبلًا من الشَّامِ في عير لِقُرَيْشٍ عظيمة، فيها أموال لِقُرَيْشٍ، وتجارة من تجارتهم، وفيها ثلاثون رجلًا من قُرَيْشٍ أو أربعون، منهم مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. فندب المسلمين إليهم وقال: هذه عير قُرَيْشٍ فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموهما، فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربًا. وكان أَبُو سُفْيَانَ حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن مُحَمَّدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك! فحذر عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ فبعثه إلى مَكَّةَ، وأمره أن يأتي قُرَيْشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن مُحَمَّدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو سريعًا إلى مَكَّةَ.

وقد رأت عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قبل قدوم ضمضم مَكَّةَ بثلاث ليالٍ رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عني ما أحدثك به. فقال لها: وما رأيت؟ قال: رأيت راكبًا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يَا لَغُدُرَ ([58]) لمصارعكم في ثلاث! فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به ([59]) بعيره ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث! ثم مَثَلَ به بعيرُهُ على رأس أَبِي قُبَيْسٍ، فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت ([60]) فما بقي بيت من بيوت مَكَّةَ ولا دار إلا دخلتها منها فلقة! قال الْعَبَّاسُ: والله إن هذه لرؤيا! وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج الْعَبَّاسُ فلقي الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَة بْنِ رَبِيعَةَ، وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الْوَلِيدُ لأبيه عُتْبَةَ، ففشا الحديث بِمَكَّةَ حتى تحدثت به قُرَيْشٌ في أنديتها.

قال الْعَبَّاسُ: فغدوت لأطوف بالبيت، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ في رهطٍ من قُرَيْشٍ قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أَبُو جَهْلٍ قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أَبُو جَهْلٍ: يا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، متى حدثت فيكم هذه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة. فقلت: وما رأت؟ قال: يا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث. فستتربص بكم هذه الثلاث، فإن يكُ حقًا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب.

قال الْعَبَّاسُ: فوالله ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدت ذلك! وأنكرت أن تكون رأت شيئًا. ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غِيَرٌ ([61]) لشيءٍ مما سمعت! قلت: قد والله فعلت، ما كان مني ؟ إليه من كبير، وايم الله لا تعرضن له، فإن عاد لأكفينكنه.

فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد ([62]) مغضب: أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به- وكان رجلًا خفيفًا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر- إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، فقلت في نفسي: ما له لعنه الله، أكل هذا فرق مني أن أشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدع بعيره ([63]) وحول رحله ([64]) وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قُرَيْشٍ، اللطيمة ([65]) اللطيمة! أموالكم مع أَبِي سُفْيَانَ قد عرض لها مُحَمَّدٌ في أصحابه، لا أرى أن تدركوها! الغوث الغوْث! فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر.

يا لغدر: غدر جمع غادر. مثل به: قام. ارفضت: تفرقت وتفتتت. الغير: الغيرة. حديد: مغضب. جدعه: قطع أنفه. حول رحله: حمله على ظهره، ورحله: متاعه وما بعد الرحيل. اللطيمة: العير تحمل المسك والبر وغيرهما للتجارة.

تجهيز قُرَيْشٍ للخروج:

فتجهز الناس سراعًا وقالوا: أيظن مُحَمَّدٌ وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ([66]). كلا والله ليعلمن غير ذلك! فكانوا بين رجلين: إما خارج وإما باعث مكانه رجلًا. وأوعبت ([67]) قُرَيْشٌ، فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أَبَا لَهَبِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ تخلف، وبعث مكانه الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وكان قد لاط له ([68]) بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزئ عنه.

وإن أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ كان أجمع القعود، وكان شيخًا جليلًا جسيمًا ثقيلًا، فأتاه عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه، بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر ([69]) حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا علي، استجمر، فإنما أنت من النساء. قال: قبحك الله وقبح ما جئت به! ثم تجهز فخرج مع الناس. ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا. فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ، وكان من أشراف بَنِي كِنَانَةَ فقال لهم: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعًا.

هو عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية عبد الله بن جحش. انظر ما سبق: سرية عبد الله بن جحش. أوعبت: خرجت كلها للغزو. لاط: احتبس وامتسك. المجمر: العود يتبخر به.

خروج الرسول e  :

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلمفي ليالٍ مضت من شهر رَمَضَانَ في أصحابه، واستعمل عَمْرَو بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ على الصلاة بالناس، ثم رد أَبَا لُبَابَةَ من الرَّوْحَاءِ واستعمله على الْمَدِينَةِ، ودفع اللواء إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكان أبيض. وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يقال لها: الْعُقَابُ، والأخرى مع بعض الأنصار.

وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرًا فاعتقبوها ([70])، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ يعتقبون بعيرًا. وكان حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو كَبْشَةَ وأنسة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرًا. وكان أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يعتقبون بعيرًا.

فسلك طريقه من الْمَدِينَةِ إلى مَكَّةَ على نقب ([71]) الْمَدِينَةِ، ثم على الْعَقِيقِ، ثم على ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثم على أولات الجيش. ثم مر على تُرْبَانَ ثم على مَلَلٍ ثم غَمِيسِ الْحَمَامِ من مَرَيَيْنِ. ثم على صُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثم على السَّيَّالَةِ، ثم على فَجِّ الرَّوْحَاءِ ثم على شَنُوكَةَ. حتى إذا كان بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ لقوا رجلًا من الأعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرًا، فقال له الناس: سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أوفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم. فسلم عليه. ثم قال: إن كنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه. قال له سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ: لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها، ففي بطنها منك سخلة ([72])؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَهْ أَفْحَشْتَ عَلَى الرَّجُلِ! )). ثم أعرض عن سلمة.

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سَجْسَجَ، وهو بئر الرَّوْحَاءِ، ثم ارتحل منها، حتى إذا كان بِالْمُنْصَرَفِ ([73]) ترك طريق مَكَّةَ بيسار، وسلك ذات اليمين على النَّازِيَةِ يريد بدرًا، فسلك في ناحية منها حتى جزع ([74]) واديًا يقال له: رُحْقَانُ، بين النازية وبين مضيق الصفراء. ثم على المضيق، ثم انصب ([75]) منه، حتى إذا كان قريبًا من الصفراء بعث بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ وَعَدِيَّ بْنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ الْجُهَنِيَّ إلى بدرٍ يتحسسان له الأخبار عن أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وعيره.

فاعتقبوها: تناوبوها. نقب المدينة: الطريق بين جبلين. السخلة: الصغيرة من الضأن، استعارها لولد الناقة. بالمنصرف: مكان الانصراف.
جزع واديًا:
قطعه عرضًا. انصب منه: انحدر منه.

استشارة الأنصار:

ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمهما. وأتاه الخبر عن قُرَيْشٍ بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قُرَيْشٍ، فقام أَبُو بَكْرٍ الصديق، فقال وأحسن، ثم قام عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فقال وأحسن، ثم قام الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت =بَنُو إِسْرَائِيلَ لمُوسَى: ((اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون))، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْكِ الْغُمَادِ ([76])، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له به.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أشيروا علي أيها الناس )). وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس ([77])، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا براء من ذمامك ([78]) حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرة إلا ممن دهمه بِالْمَدِينَةِ من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (( أجل )). قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت ([79]) بنا هذا البحر فخضته لخضناه ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله!

فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد. ونشطه ([80]) ذلك، ثم قال: (( سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطَّائِفَتَيْنِ ([81])، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم! )).([82])

برك الغماد: موضع باليمن. عدد الناس: أي: أكثر الناس. ذمامك: الذمام، العهد والأمان والكفالة. استعرضت البحر: استقبلته. نشطه ذلك: جعله ينشط، طابت نفسه له. الطائفة الأولى: طائفة عير قريش ذات التجارة العظيمة، وفيها أبو سفيان وأبو عمرو بن العاص، والأخرى: الطائفة التي استنفرها أبو جهل، وكانوا ذوي شوكة وعدد. أخرجه مسلم(1779)

التعرف على أخبار قُرَيْشٍ:

ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبًا من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه ([83]) حتى وقف على شيخ من العرب ([84]) فسأله عن قُرَيْشٍ، وعن مُحَمَّدٍ وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك )). قال: أذاك بذاك؟ قال: (( نعم )). قال الشيخ: فإنه بلغني أن مُحَمَّدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبلغني أن قُرَيْشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه قُرَيْشٌ. فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نحن من ماء ))! ثم انصرف عنه. يقول الشيخ: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، في نفرٍ من أصحابه، إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية ([85]) لِقُرَيْشٍ فيها أَسْلَمُ غلام بَنِي الْحَجَّاجِ، وَعَرِيضٌ أَبُو يَسَارٍ، غُلَامُ بَنِي الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ. فأتوا بهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي. فقالا: نحن سقاة= قُرَيْشٍ بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لِأَبِي سُفْيَانَ، فضربوهما، فلما أذلقوهما ([86]) قالا: نحن لِأَبِي سُفْيَانَ. فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه، ثم سلم وقال: (( إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما؟ )) صدقا والله إنهما لِقُرَيْشٍ! أخبراني عن قُرَيْشٍ؟ قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم القوم؟ قالا: كثير. قال: كم ينحرون ([87]) كل يوم؟ قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم فيما بين التسعمائة والألف. ثم قال لهما. فمن فيهم من أشارف قُرَيْشٍ؟ قالا: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ،  وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: هَذِهِ مَكّةُ قَدْ أَلْقَتْ إلَيْكُمْ أَفْلَاذِ كَبِدِهَا ([88])!

وكان بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَدِيُّ بْنُ أَبِي الزَّغْبَاءِ، قد مضيا حتى نزلا بدرًا، فأناخا ([89]) إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنًا ([90]) لهما يستقيان فيه. وَمَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهْنِيُّ على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر ([91]) وهما يتلازمان ([92]) على الماء، والملزومة ([93]) تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدًا أو بعد غدٍ، فأعمل لهم، ثم أقضيك الذي لك. قال مجدي: صدقت. ثم خلص بينهما. وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخبراه بما سمعا.وأقبل أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ حتى تقدم العير حذرًا حتى ورد الماء، فقال لِمَجْدِيِّ بْنِ عَمْرٍو: هل أحسست أحدًا؟ قال: ما= رأيت أحدًا أنكره. إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا. فأتى أَبُو سُفْيَانَ مناخهما ([94]) فأخذ من أبعار ([95]) بعيريهما ففته فإذا فيه النوى. فقال: هذه والله علائف ([96]) يَثْرِبَ. فرجع إلى أصحابه سريعًا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل ([97]) بها، وترك بدرًا بيسارٍ، وانطلق حتى أسرع.

ولما رأى أَبُو سُفْيَانَ أنه قد أحرز ([98]) عيره أرسل إلى قُرَيْشٍ: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا. فقال أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا- وكان بدر موسمًا من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوق كل عام- فنقيم عليه ثلاثًا، فننحر ونطعم الطعام، ونُسْقَى الخمر وتعزف علينا القيان ([99])، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضوا. ومضت قُرَيْشٌ حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، وبعث الله السماء وكان الوادي دهسًا ([100]) فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم عن السير، وأصاب قُرَيْشًا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماءٍ من بدرٍ نزل به.

هو أبو بكر الصديق. هو سفيان الضمري. الراوية: البعير يستقي عليه الماء. والمراد بها السقاة. أذلقوهما: بالغوا في ضربهما حتى أجهدوهما. كم ينحرون: من الإبل لطعامهم. أفلاذ: جمع فلذة، وهي القطعة. فأناخا: أقاما. الشن: الزق البالي. الحاضر: القوم النزول على الماء. اللازم: أن يتعلق الغريم بغريمه. الملزومة: المدينة، التي عليها الدين. مناخهما: مبرك الإبل، ومحل الإقامة. أبعار: جمع بعر، رجيع الإبل. علائف: جمع عليف، ما يعلف للسمن من الدواب. فساحل بها: أتى الساحل، أو سار عليه. أحرز عيره: حازه. القيان: الجواري المغنيات. الدهس: اللين لم يبلغ أن يكون رملًا.

مشورة الْحُبَابِ:

قال الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغور ([101]) ما وراءه من القلب ([102])، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماءٍ من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى على القليب الذي نزل عليه، فمليء ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية.

قال سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا ([103]) تكون فيه، ونعد عندك ركائبك ([104])، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا. وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش فكان فيه.

وقد ارتحلت قُرَيْشٌ حين أصبحت، فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب ([105]) من الْعَقَنْقَلِ - وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي- قال: اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا ([106]) وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ فَنَصْرُكَ الَّذِي وَعَدْتنِي، اللَّهُمَّ أَحِنْهُمُ الْغَدَاةَ ([107])!

فلما نزل الناس أقبل نفر من قُرَيْشٍ حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيهم حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دعوهم )). فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل، إلا ما كان من حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجاني من يوم بدر!

التغوير: الدفن والطمس. القلب: جمع قليب، البئر. عريشا: ما يستظل به. ركائبك: المركوب من الدواب، جمع ركوبة. تصوب: أي: تنحدر. الخيلاء: الكبر والعجب. أحنهم: أهلكهم. حان: هلك.

تشاور قُرَيْشٍ:

ولما اطمأن القوم بعثوا عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيَّ فقالوا: احزر ([108]) لنا أصحاب مُحَمَّدٍ. فاستجال ([109]) بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال: ثلثمائة رجلٍ، يزيدون قليلًا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئًا، فرجع إليهم فقال: ما وجدت شيئًا، ولكني قد رأيت، يا معشر قُرَيْشٍ، البلايا ([110]) تحمل المنايا، نواضح يَثْرِبَ تحمل الموت الناقع ([111])، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك! فروا رأيكم.

فلما سمع حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ذلك مشى في الناس، فأتى عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قُرَيْشٍ وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى ألا تزال تذكر فيها بخيرٍ إلى آخر الدهر، قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ([112]) قال: قد فعلت، أنت علي بذلك، إنما هو حليفي، فعلي عقله ([113]) وما أصيب من ماله، فأت ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ ([114]). فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس ([115]) غيره. ثم قام عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ خطيبًا فقال: يا معشر قُرَيْشٍ، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا مُحَمَّدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلًا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين مُحَمَّدٍ وبين سائر العرب: فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ([116]) ولم تعرضوا ([117]) منه ما تريدون.

قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل ([118]) درعًا له من جرابها فهو يهنئها ([119])، فقلت له: يا أبا الحكم، إن عُتْبَةَ أرسلني إليك بكذا وكذا، للذي قال. فقال: انتفخ والله سحره ([120]) حين رأى مُحَمَّدًا وأصحابه. كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين مُحَمَّدٍ، وما بِعُتْبَةَ ما قال، ولكنه قد رأى أن مُحَمَّدًا وأصحابه أكلة جزور ([121]) وفيهم ابنه، فقد تخوفكم عليه. ثم بعث إلى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك ([122]) ومقتل أخيك. فقام عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فاكتشف ثم صرخ: واعمراه واعَمراه ([123]) فحميت الحرب، وحقب أمر الناس ([124])، واستوسقوا([125]) على ما هم عليه من الشر، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عُتْبَةُ.

 احزر: أي: قدر بالحدس والظن. فاستجال بفرسه: ساقه وذهب به. البلايا: جمع بلية، وهي الناقة أو الدابة التي تربط إلى قبر الميت فلا تعلف، ولا تسقى حتى تموت. النواضح: الإبل يستقي عليها. الناقع: الثابت، البالغ في الإفناء. انظر ما مضى في سرية عبد الله بن جحش. العقل: الدية. هو أبو جهل بن هشام. أمه من حنظلة بن مالك. أي: يخالف بينهم. ألفاكم: وجدكم. لم تعرضوا منه: لم يكن لكم عرضة وهدفًا. نثل: أخرج. يهنئها: يطليها بعكر الزيت. ويروى: يهيئها. السحر: الرئة، وهذا كناية عن الجبن. أي: قليلو العدد: وأكلة الجزور نحو المائة. أي: اطلب من قريش الوفاء بخفرتهم لك، أي: عهدهم، فقد كان جارًا لهم وحليفًا. يندب أخاه عمرو بن الحضرمي. حقب: اشتد. استوسقوا: اجتمعوا.

بدء القتال:

وقد خرج الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ الْمَخْزُومِيُّ- وكان رجلًا شرسًا سيء الخلق- فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه! فلما خرج خرجَ إليه حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فلما التقيا ضربه حَمْزَةُ فأطن قدمه ([126]) بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب ([127]) رجله دمًا نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن يبر بيمينه، وأتبعه حَمْزَةُ فضربه حتى قتله في الحوض. ثم خرج بعده عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، بين أخيه شَيْبَةَ وابنه الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة. وهم: عَوْفٌ وَمُعَوّذٌ ابْنَا الْحَارِثِ، ورجل آخر يقال هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا مُحَمَّدُ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِث، وقم يا حَمْزَةُ، وقم يا عَلِيُّ. فلما قاموا ودنوا منهم قالوا: من أنتم؟ قال عُبَيْدَةُ: عُبَيْدَةُ. وقال حَمْزَةُ: حَمْزَةُ. وقال عَلِيٌّ: عَلِيٌّ. قالوا: نعم، أكفاء كرام، فبارز عبيدة- وكان أسن القوم ([128])- عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وبارز حَمْزَةُ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وبارز عَلِيٌّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ. فأما حَمْزَةُ فلم يمهل شَيْبَةَ أن قتله، وأما عَلِيٌّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدةُ وعُتْبَةُ بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه ([129]). وكر حَمْزَةُ وعَلِيٌّ بأسيافهما على عُتْبَةَ فذففا عليه ([130])، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.

ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ألا يحملوا ([131]) حتى يأمرهم، وقال: إن اكتنفكم ([132]) القوم فانضحوهم ([133]) عنكم النبل. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، معه أَبُو بَكْرٍ الصديق. فكانت وقعة بدرٍ يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رَمَضَانَ.

ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش، فدخله ومعه فيه أَبُو بَكْرٍ الصديق، ليس معه غيره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: ((اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ الْيَوْمَ لَا تُعْبَدْ! ))([134]) وَأَبُو بَكْرٍ يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة ([135]) وهو في العريش، ثم انتبه فقال: أبشر يا أَبَا بَكْرٍ، أتاك نصر الله! هذا جِبْرِيلُ آخذ بعنان فرس ([136]) يقوده، على ثناياه النقع ([137]). ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال:والذي نفس مُحَمَّدٍ بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة. فقال عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ، أخو بني سلمة، وفي يده ثمرات يأكلهن: بخ بخْ ([138])، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء! ثم قذف الثمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قُتل.

أطنها: أطارها. تشخب: تسيل بصوت. أسن القوم: أكبرهم سنًا. أثبته: جرحه جراحة لم يقم معها. ذفف عليه: أجهز وأسرع. ألا يحملوا: يكروا عليهم. اكتنفكم القوم: أحاطوا بكم. انضحوهم: ارموهم. أخرجه مسلم(1763)  أي: نام نومة يسيرة. آخذ بعنان فرسه: ممسك بسير لجامه. النقع: الغبار. كلمة تقال عند الإعجاب.

هزيمة قُرَيْشٍ:

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء ([139]) فاستقبل قُرَيْشًا بها، ثم قال: شَاهَتِ الْوُجُوهُ! ثم نفحهم ([140]) بها، وأمر أصحابه فقال: شدوا! فكانت الهزيمة. فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قُرَيْشٍ، وأسر من أشرافهم.

عن ابْنِ عَبَّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومئذ: إني عرفت أن رجالًا من بَنِي هَاشِمٍ وغيرهم قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بَنِي هَاشِمٍ فلا يقتله، ومن لقي أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ فلا يقتله. ومن لقي الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهًا. فقال أَبُو حُذَيْفَةَ: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا، ونترك الْعَبَّاسَ! والله لئن لقيته لألحمنه السيف ([141])! فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟ فقال عمر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق! فكان أَبُو حُذَيْفَةَ يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عني الشهادة! فقتل يوم الْيَمَامَةِ شهيدًا.

عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قال: قال لي أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأنا بينه وبين ابنه، آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامةٍ في صدره؟ قال: قلت: ذاك حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ قال: الذي فعل بنا الأفاعيل؛ قال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بِلَالٌ معي- وكان هو الذي يعذب بِلَالًا بِمَكَّةَ على ترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مَكَّةَ إذا حميت، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين مُحَمَّدٍ؛ فيقول بِلَالٌ: أحد أحَد.

ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدرٍ من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددًا ومددًا، لا يضربون.

 الحصباء: صغر الحجارة. نفحهم بها: رماهم بها. أي: لأمكنن منه السيف. ويروى: (( لألجمنه )) أي: لأضربنه به في وجهه.