ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة أحد (1)

لما أصيب يوم بدرٍ من كفار قُرَيْشٍ أصحاب الْقَلِيبِ، ورجع فَلُّهم ([22]) إلى مَكَّةَ، ورجع أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بعيره، مشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، في رجال من قُرَيْشٍ، ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، ومن كانت له في تلك العير من قُرَيْشٍ تجارة، فقالوا: يا معشر قُرَيْشٍ، إن مُحَمَّدًا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، ففعلوا. فاجتمعت قُرَيْشٌ لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وأصحاب العير بأحابيشها ([23]) ومن أطاعها من قبائل كِنَانَةَ وأهل تِهَامَةَ، وخرجوا معهم بالظعن ([24]) التماس الحفيظة ([25]) وألا يفروا. فخرج أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وهو قائد الناس، بِهِنْد بِنْت عُتْبَةَ، وخرج عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ بِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَخَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَخَرَجَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بِبَرْزَةَ بِنْتِ مَسْعُودٍ الثّقَفِيَّةِ،  وخرج عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِرَيْطَةَ بِنْتِ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ.

وكانت هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ كلما مرت بوحشي أو مر بها، قالت: ويها ([26]) أَبَا دَسْمَةَ اشف واستشف، وكان وحشي يكنى بِأَبِي دَسْمَةَ، فأقبلوا حتى نزلوا بعينين، بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي، مقابل المدينة.

 فلهم: المنهزمون . الأحابيش: من اجتمع إلى العرب وانضم إليهم من غيرهم . الظعن: جمع ظعينة، وهي المرأة . الحفيظة: الأنفة والغضب، أو الحمية والدفاع عن العرض . ويها: كلمة معناها الإغراء والتحضيض .

رؤيا الرسول ومشاورة القوم:

فأقبلوا حتى نزلوا بعينين، بجبل ببطن السبخة، من قَنَاةَ ([27]) على شفير الوادي([28])، مقابل الْمَدِينَةِ. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: ((إنِّي قَدْ رَأَيْتُ وَاَللَّهِ خَيْرًا، رَأَيْتُ بَقَرًا، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ ([29]) سَيْفِي ثُلْمًا ([30])، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ ([31]) فَأَوَّلْتُهَا: الْمَدِينَةَ  فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدَعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَقَامٍ،  وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا))([32]).

وكان رأي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ من رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى رأيه في ذلك وألا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجالٌ من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أُحدٍ وغيره، ممن كان فاته بدر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا! فقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقم بِالْمَدِينَةِ لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أقاموا أقَاموا بشر محبس ([33])، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رَجعوا خائبين كما جاءوا. فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته، فلبس لأمته ([34])، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له: مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لنا ذلك. فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ )).([35])

 فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألفٍ من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط، بين المدينة وأُحد، انخزل ([36]) عنه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس!

قناة: مجرى للماء . شفير الوادي: حرفة وجانبه وناحيته . ذباب السيف: حده . ثلمًا: شقًا . قال e: (( أما البقر فهي ناس من أصحابي يقتلون . وأما الثلم الذي رأيت في ذباب سيفي فهو رجل من أهل بيتي يقتل)) .  أخرجه أحمد(2445)، والدارمي(2159)، والحاكم(2588) محبس: المكان يحبس فيه . اللأمة: الدرع، وقيل: السلاح . أخرجه عبد الرزاق(9735)، النسائي في الكبرى(7647)،  انخزل: انقطع .

انخذال المنافقين:

فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ  يقول: يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم. فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه. وقال الأنصار يوم أُحد: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا نستعين بخلفائنا من يهود؟ فقال: لا حاجة لنا فيهم.

نزول الرسول بالشعب:

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب ([37]) من أُحد عُدوة ([38]) الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أُحُد. وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال. وقد سرحت قُرَيْشٌ الظهر والكراع ([39]) في زروعٍ كانت بالصمغة([40]) من (( قَنَاةَ )) للمسلمين، فقال رجل من الأنصار حتى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بَنِي قَيْلَةَ ([41]) ولما نضارب! وتعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبعمائة رجل، وأمر على الرماة عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وهو معلم يومئذٍ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلًا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل ([42])، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك ([43]). وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين ([44]) ودفع اللواء إلى مُصْعَبِ بْن عُمَيْرٍ، أخي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.

 الشعب: انفراج بين جبلين . عدوة: العدوة المكان المرتفع . الظهر: الإبل . والكراع: الخيل . الصمغة: أرض قرب أُحد . هم الأوس والخزرج، وقيلة أمهم . انضحهم: ادفعهم . من قبلك: من جهتك أو ناحيتك . ظاهر بينهما: لبس إحداهما فوق الأخرى .

من أجازهم الرسول e  :

وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، ورَافِعَ بْنَ خُدَيجٍ أخا بَنِي حَارِثَةَ، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردهما، فقيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رافعًا رام. فأجازه. فلما أجاز رافعًا قيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن سمرة يصرع رافعًا. فأجازه. ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، والْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ، ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة. وتعبأت قُرَيْشٌ، وهم ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها ([45])، فجعلوا على ميمنة الخيل خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وعلى ميسرتها عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ.

 جنبوها: أبعدوها .

أمر أَبِي دُجَانَةَ:

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ فقال: وما حقه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أن تضرب به العدو حتى ينحني. قال: أنا آخذه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحقه، فأعطاه إياه. وكان أَبُو دُجَانَةَ رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم بعصابةٍ ([46]) له حمراء فاعتصب ([47]) بها علم الناس أنه سيقاتل. فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أَبَا دُجَانَةَ: ((إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا اللّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ)).([48])

 أعلم بعصابة: جعلها علامة له في الحرب . فاعتصب بها: لفها ولواها على رأسه . أخرجه الطبراني في الكبير(6508) 

تحريض قُرَيْشٍ على القتال:

وقد قال أَبُو سُفْيَانَ لأصحاب اللواء من بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يحرضهم بذلك على القتال: يا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه. فهموا به وتوعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا، ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك أراد أَبُو سُفْيَانَ.

فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قامت هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول:

وَيْـهًـا ([49]) بَنِي عَبْدِ الدَّارْ

وَيْـهًـا حُـمَـاةَ الْأَدْبَـارْ ([50])

ضَـرْبـًا بِـكُـلِّ بَـتَّـارْ ([51])

وتقول:

إِنْ تُـقْـبِـلُـوا نُـعَـانِـقْ

وَنَـفْـرِشُ الـنَّـمَـارِقْ ([52])

أَوْ تُــدْبِــرُوا نُــفَـارِقْ

فِـرَاقَ غَــيْـرِ وَامِـقْ ([53])

وكان شعار ([54]) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد: أمت أَمت!

 ويها: كلمة إغراء وحث وتحريض . حماة الأدبار: الذي يحمون أعقابهم . البتار: السيف القاطع . النمرقة: الوسادة . الوامق: المحب . الشعار: علامة يتنادون بها في الحرب بعضهم بعضًا .

بـدء القـتال:

فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أَبُو دُجَانَةَ حتى أمعن في الناس، فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحًا إلا ذفف عليه ([55])، فجعل كل واحدٍ منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن تجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أَبَا دُجَانَةَ فاتقاه بدرقته ([56]) فعضت ([57]) بسيفه، وضربه أَبُو دُجَانَةَ فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، ثم عدل السيف عنها ([58]). وقاتل حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حتى قتل أَرَطْأَةَ بْنَ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ثم مر به سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى الْغُبْشَانِيُّ وَكَانَ يُكَنّى بِأَبِي نَيَّارٍ، فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور! وكانت أمه أُمُّ أَنْمَارَ ختانة بِمَكَّةَ.

  ذفف عليه: أجهز عليه . بدرقته: في الحرب الدرقة: الترس من جلد ليس فيه خشب ولا عقب . (العقب: العصب الذي تعمل منه الأوتار) . فعضت: أمسكت . قال أبو دجانة: رأيت إنسانًا يخمش الناس خمشًا شديدًا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا أمرأة، فأكرمت سيف رسول الله e أن أضرب به امرأة .

مـقـتل حـمـزة:

قال وحشي غلام جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: والله إني لأنظر إلى حمزة يهذ ([59]) الناس بسيفه ما يليق ([60]) به شيئًا، مثل الجمل الأورق ([61])، إذ تقدمني إليه سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور! فضربه ضربة فكأن ما أخطأ رأسه، وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته ([62]) حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي فغلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي، ثم تنحيت إلى العسكر. ولم تكن لي بشيء حاجة غيره، وإنما قتلته لأعتق ([63])، فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيَّتْ ([64]) علي المذاهب، فقلت: ألحق بالشام، أو اليمن، أو ببعض البلاد. فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال لي رجل: ويحك! إنه والله ما يقتل أحدًا من الناس دخل في دينه، وتشهد شهادته. فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يرعه ([65]) إلا بي قائمًا على رأسه أتشهد بشهادة الحق، فلما رآني قال: أوحشي. قلت: نعم، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة؟» فلما فرغت من حديثي قال: «ويحك! غيب عني وجهك فلا أُرَينك!»([66]) فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان؛ لئلا يراني، حتى قبضه الله .

 يهذ: يسرع في قطع لحومهم بسيفه . ويروى: (( يهد )) بالمهملة، ومعناها يرديهم ويهلكهم . ما يليق: ما يبقى . الأورق: ما لونه إلى الغبرة . الثنة: ما بين أسفل البطن إلى العانة . كان غلامًا لجبير بْن مطعم الذي أصيب عمه يوم بدر، فقال لوحشي: إن قتلت حمزة عم مُحَمَّد بعمي فأنت عتيق . تعيت عليَّ المداهب: أعجزتني فلم أهتد لأيها . فلم يرعه إلا بي: ما شعر إلا به أمامه، أي: فاجأه من غير موعد ولا معرفة . أخرجه أحمد(16121)، وابن حبان(7017) والبيهقي(17967)

قـتل وحشـي لِمُسَيْلِمَةَ:

فلما خرج المسلمون إلى مُسَيْلِمَةَ الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة؛ فلما التقى الناس رأيت مسيلمة الكذاب قائمًا في يده السيف، وما أعرفه، فتهيأت له، وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى، كلانا يريده، فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت فيه، وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن كنت قتلته، فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قتلت شر الناس.

خلـع وحشـي من الديـوان:

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فبلغني أن وحشيًا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان، فكان عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يقول: قد علمت أن الله تعالى لم يكن ليدع قاتل حمزة.

وقاتل مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتل، وكان الذي قتله ابْنُ قَمِئَةَ اللَّيْثِيُّ، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قُرَيْشٍ فقال: قتلت مُحَمَّدًا! فلما قُتل مُصعب أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء عَلِيَّ بْنَ أَبِي طِالِبٍ، وقاتل عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍٍ ورجال من المسلمين.

اشـتداد القـتال:

لما اشتد القتال يوم أُحدٍ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طِالِبٍ: أن قدم الراية. فتقدم علي فقال: أنا أَبُو الْقُصْمِ ([67])! فناداه أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وهو صاحب لواء المشركين: أن هل لك يا أَبَا الْقُصْمِ في البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم انصرف عنه ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ قال: إنه استقبلني بعورته فعطفتني ([68]) عنه الرحم، وعرفت أن الله- عز وجل- قد قتله.

وقاتل عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، فقتل مُسَافِعَ بْنَ طَلْحَةَ وَأَخَاهُ الْجُلَاسَ بْنَ طَلْحَةَ. كلاهما يشعره سهمًا([69])، فيأتي أمه سلافة، فيضع رأسه في حجرها فتقول: يا بني، من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلًا حين رماني وهو يقول: خذها وأنا ابن أبي الأقلح، فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصمٍ أن تشرب فيه الخمر.

والتقى حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْغَسِيلُ وَأَبُو سُفْيَانَ. فلما استعلاه ([70]) حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ رَآهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ - وهو ابْنُ شَعُوبٍ- قد علا أَبُو سُفْيَانَ، فضربه شداد فقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم- يعني حنظلة- لتغسله الملائكة. فسألوا= أهله: ما شأنه؟ فسئلت صاحبته ([71]) عنه فقالت: خرج وهو جنب سمع الهاتفة ([72]). ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف ([73])، حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.

القصم: الدواهي، واحدتها قصمى . وإنما قال ذلك ردًا على قول أبي سعد: أنا قاصم من يبارزني! فعطفتني عنه: جعلتني أرجع وأنصرف عنه . أشعره السهم: أصابه في جسده فصار له كالشعار . استعلاه: قهره وغلبه . صاحبته: زوجته . الهاتفة: الدعاء والنداء، أو الصيحة . حسوهم: قتلوهم واستأصلوهم . خدم: سيقان . انكفأنا: رجعنا .

قال الزبير: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم ([74]) هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ وصواحبها، مشمراتٍ هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذا مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن مُحَمَّدًا قد قتل! فانكفأنا ([75]) وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم.

انـكشـاف المسـلمـين:

ولم يزل اللواء صريعًا حتى أخذته عَمْرَةُ= بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ فرفعته لقُرَيْشٍ، فلاثوا به ([76]). وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاءٍ وتمحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرث ([77]) بالحجارة حتى وقع لشقه ([78])، فأصيب رباعيته ([79])، وشج ([80]) في وجهه، وكلمت ([81]) شفته، وكان الذي أصابه عُتْبَةُ بْن أَبِي وَقَّاصٍ. فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: $(( كيف يفلح قوم خضبوا ([82]) وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم! ))، فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ #[آلِ عِمْرَانَ: 128].([83])

لاثوا به: اجتمعوا من حوله والتفوا . رث: أصيب . الشق: الجانب . الرباعية، كثمانية: السن المجاورة للناب . الشج: الجرح في الوجه والرأس . كلمت: جرحت . خضبوا: غيروا لونه، لطخوه بالدماء . أخرجه مسلم(1791)

مـا لقيـه الرسـول:

وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أن عُتْبَةَ بْن أَبِي وَقَّاصٍ رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السلفى، وأن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ شجه في جبهته، وأن ابْنَ قَمِئَةَ جرح وجنته ([84]). فدخلت حلقتان من حلق المغفر ([85]) في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرةٍ من الحفر التي عمل أَبُو عَامِرٍ ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون. فأخذ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حتى استوى قائمًا، ومص مَالِكُ بْنُ سِنَانٍ، أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من مس دمي دمه لم تصبه النار )).

قَالَ ابْنُ هِِشَامٍ: وذكر عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحب أن ينظر إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.

وذكر أيضًا عن عَائِشَةَ، عن أبي بكر الصديق: أن أَبَا عُبَيْدَةَ بْن الْجَرَّاحِ نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنتين.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حين غشيه ([86]) القوم: من رجل يشري لنا نفسه؟ فقام زِيَادُ بْنُ السَّكَنِ في نفرٍ خمسةٍ من الأنصار، فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا ثم رجلًا، يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد، أو عُمَارَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ السّكَنِ، فقاتل حتى أثبتته ([87]) الجراحة، ثم فاءت فئة ([88]) من المسلمين، فأجهضوهم عنه ([89])، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أدنوه مني. فأدنوه منه، فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم)).

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وقاتلت أُمُّ عُمَارَةَ، نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ الْمَازِنِيّةُ يوم أُحد. فذكر سَعِيدُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ كانت تقول: دخلت على أم عمارة، فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك؛ فقالت: خرجت أول النهار =وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أصحابه، والدولة والريح ([90]) للمسلمين. فلما انهزم المسلمون، انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي. قالت: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور، فقلت: من أصابك بهذا؟ قالت: ابْنُ قَمِئَةَ، أقمأه ([91]) الله! لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على مُحَمَّدٍ، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربني هذه الضربة ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان.

وتَرَّسَ ([92]) دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبُو دُجَانَةَ بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه. حتى كثر فيه النبل. ورمى سَعْدُ بْن أَبِي وَقَّاصٍ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل، وهو يقول: ارم، فداك أبي وأمي! حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل، فيقول: ارم به.

وعن عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْن قَتَادَةَ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها ([93])، فأخذها قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فكانت عنده، وأصيبت يومئذٍ عين قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، حتى وقعت على وجنته. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما.

وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قال: عرفت عينيه تزهران ([94]) من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأشار إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنصت.

فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، معه أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، والزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ- رضوان الله عليهم- الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، ورهط من المسلمين.

فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وهو يقول: أي مُحَمَّدٌ، لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه». فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ. يقول بعض القوم فيما ذكر لي: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء ([95]) عن ظهر البعير إذا انتفض بها. ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ ([96]) منها عن فرسه مرارًا.([97])

وكان أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ فيقول: يا مُحَمَّدُ، إن عندي العوذ ([98]) فرسًا، أعلفه كل يوم فرقًا ([99]) من ذرة، أقتلك عليه. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل أنا أقتلك إن شاء الله)). فلما رجع إلى قُرَيْشٍ وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير، فاحتقن الدم، قال: قتلني والله مُحَمَّدٌ! قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك من بأس. قال: إنه قد كان قال لي بِمَكَّةَ: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف ([100]) وهم قافلون به إلى مكة.

فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ حتى ملأ درقته([101]) ماء من المهراس([102])، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غضب الله على من دمى وجه نبيه.

ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرةٍ من الجبل ليعلوها، وقد كان بَدَّن ([103]) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر ([104]) بين درعين، فلما ذهب لينهض رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستطع، فجلس تحته طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فنهض به حتى استوى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: (( أوجب طلحة ([105]) )). حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وذكر عمر مولى غفرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أُحدٍ قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودًا.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنقَّى، دون الأعوص([106]).

لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحد، رفع حُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ، وهو الْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فِي الْآطَامِ مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه، وهما شيخان كبيران: ما أبا لك، ما تنتظر؟ فوالله لا بقي لواحد منا من عمره إلا ظمءُ ([107]) حمار، إنما نحن هامة ([108]) اليوم أو غدٍ، أفلا نأخذ أسيافنا، ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأخذا أسيافهما ثم خرجا، حتى دخلا في الناس، ولم يعلم بهما، فأما ثَابِتُ بْنُ وَقْشٍ فقتله المشركون، وأما حُسَيْلُ بْنُ جَابِرٍ، فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه ([109])، فقال حذيفة: أبي؛ فقالوا: والله إنْ عرفناه، وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه؛ فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا.

وكان ممن قتل يوم أُحد مُخَيْرِيقٌ، وكان أحد بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ الْفِطْيُونِ، لما كان يوم أُحد قال: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر مُحَمَّدٍ عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أُصبتُ فمالي لَمُحَمَّدٌ يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قُتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مخيريق خير يهود)).

الوجنة: أعلى الخد . المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة . غشية القوم: أتوه . أثبتته الجراحة: حبسته . الفئة: الجماعة . أجهضوهم: أزالوهم وغلبوهم . يريد (( بالريح )) النصر . أقمأه الله: أذله . ترس: توقى بالترس . السية: طرف القوس . تزهران: تلمعان . الشعراء: ذباب له لدغ . تدأدأ: تدحرج . أخرجه ابن المبارك في الجهاد(2/ 601/253)  العوذ: اسم فرسه . الفرق: بالفتح والتحريك: مكيال يسع اثني عشر رطلا . سرف، بفتح فكسر: موضع على ستة أميال من مكة . الدرقة: ترس من جلود . المهراس: ماء بأُحد، أو حجر ينقر ويجعل إلى جانب البئر ويودع فيه الماء . بدن تبدينا: أسن وضعف . ظاهر بين درعين: طابق بينهما ولبس أحدهما على الآخر . أي: وجت له الجنة . الأعوص: موضع قرب المدينة . الظمء: مقدار ما يكون بين الشربتين . واقصر الأظماء ظمء الحمار، لأنه لا يصبر عن الماء، فضرب مثلًا لقرب الأجل . الهامة: طائر يخرج من رأس القتيل إذا قتل (زعموا) فلا يزال يصيح: اسقوني اسقوني! حتى يؤخذ بثأره فضربته العرب مثلًا للموت . قيل: إن الذي قتله خطأ هو عتبة بْن مسعود، أخو عَبْد اللَّهِ بْن مسعود، وجد عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن عتبة بْن مسعود الفقيه . وعتبة هذا هو أول من سمى المصحف مصحفًا .