ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

ما بين أحد والخندق (1)

رجـوع الـرسـول إلى المـدينـة:

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا إلى المدينة، فلقيته حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، كما ذكر لي، فلما لقيت الناس نعي إليها أخوها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، فاسترجعت واستغفرت له. ثم نُعي لها خالها حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها زوجها مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فصاحت وولوت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن زوج المرأة منها لبمكان!)) لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها.

$ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدارٍ من دور الأنصار من بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَظَفَرَ، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، ثم قال: (( لكن حمزة لا بواكي له )). فلما رجع سَعْد بْن مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، إلى دار بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أمر نسائهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بُكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: (( ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن ([136]) بأنفسكن ))([137]).

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأةٍ من بَنِي دِينَارٍ وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحد، فلما نُعوا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. حتى إذا رأته قالت: كل مُصيبةٍ بعدك جلل. تريد: صغيرة. $فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: ((اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني اليوم)). وناولها عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ سيفه فقال: وهذا أيضًا فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقني اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وأَبُو دُجَانَةَ))([138]).

 المؤاساة: التعزية والمعاونة. أخرجه أحمد(23707)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني(630)  أخرجه الحاكم(4310)

غـزوة حَمْرَاءِ الْأَسَدِ:

وكان يوم أُحد يوم السبت، للنصف من شوال. فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، فأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس. فكلمه جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك. فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حَمْرَاءَ الْأَسَدِ- وهي من المدينة على ثمانية أميال- واستعمل على المدينة ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى الْمَدِينَةِ. وقد مر به مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيُّ، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصحٍ ([139]) لرسول الله صلى الله عليه وسلم بِتِهَامَةَ، صفقتهم معه ([140])، لا يخفون عنه شيئًا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا مُحَمَّدُ، أما والله لقد عز علينا ما أصابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، حتى لقي أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ومن معه بالروحاء ([141])، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم. ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: مُحَمَّدٌ قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا ([142])، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق ([143]) عليكم شيء لم أر مثله قط! قال: ويحك! ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتًا من شعر. قال: وما قلت؟ قال: قلت:

كَـادَتْ تُـهَـدُّ مِنَ الْأَصْـوَاتِ رَاحِـلَـتِي

إِذْ سَـالَـتِ الْأَرْضُ بِـالْجُـرْدِ الْأَبَـابِـيـلِ([144])

تَـْردِي بِـأُسْـدِ كِـرَامٍ لَا تَـنَـابِـلَـةٍ

عِـنْـدَ الـلِّـقَـاءِ وَلَا مِـيـلٍ مَـعَـازِيـلِ([145])

فَـظَـلَّتْ عَـدْوًا أَظُـنُّ الْأَرْضَ مَـائِـلَـةً

لَمَّـا سَـمَـوْا بِـرَئِـيـسِ غَـيْـرِ مَخْـذُولِ([146])

فَـقُـلْتُ: وَيْـلُ ابْـنِ حَـرْبٍ مِنْ لِـقَائِكُمْ

إِذَا تَـغَـطْـمَطَتْ الْبَـطْـحَـاءُ ([147]) بِـالْجَـيْلِ([148])

إِنِّـي نَـذِيـرٌ لِأَهْـلِ الْبَـسْلِ ضَـاحِـيَـةً

لِـكُلِّ ذِي إِرْبَةٍ مِـنْـهُـمْ وَمَـعْـقُـولِ([149])

مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ لَا وَخْشِ تَنَابِلَةٍ

وَلَيْسَ يُـوصَفُ مَـا أَنْـذَرْتُ بِـالْـقِـيلِ([150])([151])

فثنى ذلك أَبَا سُفْيَانَ ومن معه. ومر به ركب من عَبْدِ الْقَيْسِ فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد الْمَدِينَةَ. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة ([152]) قال: فهل أنت مبلغون عني مُحَمَّدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بِعُكَاظٍ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه، لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحَمْرَاءَ الْأَسَدِ، فأخبروه بالذي قال أَبُو سُفْيَانَ، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهة ذلك، قبل رجوعه إلى المدينة، مُعَاوِيَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبَا عَزَّةَ الْجُمَحِيَّ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره ببدرٍ ثم مَنَّ عليه، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقلني([153]). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والله لا تمسح عارضيك ([154]) بِمَكَّةَ بعدها وتقول: خدعت مُحَمَّدًا مرتين ([155])، اضرب عنقه يا زبير! )) فضرب عنقه.

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ له مقام يقومه كل جمعة لا يُنكر، شرفًا له في نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه ([156])، واسمعوا له وأطيعوا))، ثم يجلس. حتى إذا صنع يوم أُحد ما صنع ورجع بالناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس أي عدو الله، لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت! فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرًا ([157]) أن قمت أشدد أمره! فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال: =ما لك؟ ويلك! قال: قمت أشدد أمره فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجرًا أن قمت أشدد أمره. قال: ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كان يوم أُحد يوم بلاءٍ ومُصيبةٍ وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين. ممن كان يظهر الإيمان بلسانه، وهو مستخفٍ بالكفر في قلبه. ويومًا أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته.

 عيبة نصحه: موضع سره . الصفقة: الاجتماع . الروحاء: قرية لمزينة على ليلتين من المدينة . الترحق: الغيظ . الحنق: شدة الغيظ . تهد: تسقط لهول ما رأت . والجرد: جمع أجرد، وهو الفرس القصير الشعر . الأبابيل: الجماعات . تردي: تسرع . التنابلة: القصار . الأميل: الذي لا يثبت على السرج . المعزال: الذي لا سلاح معه . العدو: مشي سريع . سموا: ارتفعوا إلينا . البطحاء: المكان المتسع يمر به السيل، فيترك فيه الرمل والحصى الصغار . تغطمطت: اهتزت . الجيل: الصنف من الناس . البسل: الحرام . والمراد قُرَيْش؛ لأنهم أهل مكة، ومكة حرام . ضاحية، أي: علانية . الإربة: العقل، وكذلك المعقول . القيل: القول، المراد فضول القول . الوخش: رذالة الناس والأخساء منهم . والتنابلة: القصار . الميرة: الطعام يجلب من بلد إلى آخر . أقلني: اصفح عني وتجاوز . العارضين: صفحتا الخد . وقيل: قال له: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين! اضرب عنقه يا عاصم بْن ثابت . فضرب عنقه . التعزير: النصر . البجر: الشر والأمر العظيم .

يـوم الرَّجِيعِ في سـنة ثـلاث:

قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحدٍ رهط من عضل والقارة ([158]) فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرًا ستة من أصحابه. وهم مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَخَبِيبُ بْنُ عَدِيٍّ،  وَزَيْدُ بْنُ الدِّثِنَّةِ ؛ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ فخرج مع القوم، حتى إذا كانوا على الرَّجِيعِ: ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور ([159]) الهدأة ([160])، غدروا بهم، فاستصرخوا ([161]) عليهم هُذَيْلًا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مَكَّةَ، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم.

فأما مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، فقالوا: والله لا نقبل من مشركٍ عهدًا ولا عقدًا أبدًا. فقال عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ:

مَـا عِـلَّتِي وَأَنَـا جَـلْـدٌ نَـابِـلٌ([162])

وَالْقَـوْسُ فِـيهَا وَتَـرٌ عُـنَابِـلُ ([163])

تَـزِلَّ عَـنْ صَـفْحَتِهَا الْمَعَابِـلُ ([164])

الْـمَوْتُ حَـقٌّ وَالْحَـيَاةُ بَـاطِـلُ

وَكُـلُّ مَـا حَـمَّ الْإِلَـهُ نَـازِلُ ([165])

بِـالْمَـْرءِ وَالْمَـرْءُ إِلَـيْهِ آئِـلُ ([166])

ثم قاتل القوم حتى قُتل وقُتل صاحباه. فلما قُتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه، ليبيعوه من سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أُحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه([167]) الخمر، فمنعته الدبر ([168]) فلما حالت بينه وبينهم الدبر قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه. فبعث الله الوادي ([169]) فاحتمل عاصمًا فذهب به. وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدًا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا، تنجسًا. فكان عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته، كما امتنع منه في حياته.

وأما زَيْدُ بْنُ الدَّثَنَةِ، وخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْن طَارِقٍ، فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة، فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرجوا إلى مَكَّةَ، ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بِالظَّهْرَانِ انتزع عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ يده من القران ([170])، ثم أخذ سيفه، واستأخر= عنه القومُ فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره رحمه الله بِالظَّهْرَانِ.

وأما خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ وَزَيْدُ بْنُ الدِّثِنَّة، فقدموا بهما مَكَّةَ، فباعوهما من قُرَيْشٍ بأسيرين من هُذَيْلٍ كانا بِمَكَّةَ. فابتاع خُبَيْبًا حُجَيْرُ بْنُ أَبِي إهَابٍ التَّمِيمِيُّ، حليف بَنِي نَوْفَلٍ لِعُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، لقتله بأبيه. وأما زَيْدُ بْنُ الدَّثَنَةِ فابتاعه صَفْوَانُ =بْنُ أُمَيَّةَ ليقتله بأبيه أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وبعث به صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ مع مولى له، يقال له نسطاس، إلى التنعيم([171])، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه. واجتمع رهط من قُرَيْشٍ، فيهم أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فقال له أَبُو سُفْيَانَ حين قدم ليُقتل. أنشدك الله يا زيد، أتحب أن مُحَمَّدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن مُحَمَّدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي!

يقول أَبُو سُفْيَانَ: ما رأيت من الناس أحدًا يُحب أحدًا كحب أصحاب مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا! ثم قتله نِسْطَاسُ، يرحمه الله.

عن مَاوِيَّةَ مولاة حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إهَابٍ - وكانت قد أسلمت- قالت: كان خُبيب عندي، حُبس في بيتي، فلقد اطلعت عليه يومًا وإن في يده لقطفًا من عنب مثل رأس الرجل، يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبًا يؤكل، قال لي حين حضره القتل: ابعثي إلي بحديدةٍ أتطهر بها للقتل. فأعطيت غلامًا من الحي الموسى فقلت: ادخل بها على هذا الرجل البيت. قالت: فوالله ما هو إلا أن ولى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت! أصاب الله والرجل ثأره بقتل هذا الغلام، فيكون رجلًا برجل! فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك، ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إلي؟! ثم خلى سبيله.

 ثم خرجوا بخبيب حتى إذا جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما. ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعًا من القتل =لاستكثرت من الصلاة! فكان خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.

ثم رفعوه على خشبة. فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا!! ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا ([172])، ولا تغادر منهم أحدًا!! ثم قتلوه رحمه الله.

فكان مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يقول: حضرته يومئذٍ فيمن حضره مع أَبِي سُفْيَانَ، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقًا ([173]) من دعوة خبيب. وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه.

وكان عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه استعمل سَعِيدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حُذَيْمٍ الْجُمَحِيَّ على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية وهو بين ظهري القوم، فذكر ذلك لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وقيل: إن الرجل مصاب. فسأله عمر في قدمةٍ قدمها عليه فقال: يا سعيد، ما هذا الذي يصيبك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، ولكني كنت فيمن حضر خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ حين قُتل، وسمعت دعوته فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلسٍ قط إلا غشي علي! فزادته عند عمر خيرًا.

قال ابْنُ عَبَّاسٍ: لما أُصيبت السرية التي كان فيها مرثد وعاصم بالرَّجِيعِ، قال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لا =هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فأنزل الله في ذلك من قول المنافقين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: لما يظهر من الإسلام بلسانه ﴿وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ وهو مخالف لما يقول بلسانه ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك. ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾أي: خرج من عندك ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ أي: لا يحب عمله ولا يرضاه. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ* وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ #[الْبَقَرَةِ: 205- 207]، أي: قد شروا أنفسهم من الله بالجهاد في سبيله، والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك. يعني تلك السرية. وكان مما قيل في ذلك من الشعر قول خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ حين بلغه أن القوم قد اجتمعوا لصلبه:

لَقَدْ جَمَّعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلّبُوا

قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلّ مَجْمِعِ ([174])

وَكُلُّهُمْ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ

عَلَيَّ لِأَنّي فِي وِثَاقٍ ([175]) بِمَضْبَعِ

وَقَدْ جَمَعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ

وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ ([176])

إلَى اللّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمَّ كُرْبَتِي

وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي  ([177])

فَذَا الْعَرْشِ صَبَّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي

فَقَدْ بَضَّعُوا الْحُمَّى وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي ([178])

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ

يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ ([179]) شِلْوٍ مُمَزَّعِ ([180])

وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتَ دُونَهُ

وَقَدْ هَمَلَتْ ([181]) عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ

وَمَا بِي حِذَارِ الْمَوْتِ أَنِّي لَمَيِّتٌ

وَلَكِنْ حَذَارِي جَحْمَ نَارٍ مُلَفَّعِ ([182])

فَوَاَللَّهِ مَا أَرْجُو إذَا مُتُّ مُسْلِمًا

عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي  ([183])

فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوِّ تَخَشُّعًا

وَلَا جَزَعًا إنِّي إلَى اللَّهِ مَرْجِعِي

وقال حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يبكي خبيبًا:

مَـا بَـالُ عَيْـنَيْكَ لَا تَـرْقَا مَـدَامِـعُهَا

سُـحًّا عَلَى الـصَّدْرِ مِـثْلَ الـلُّؤْلُؤِ الْقَلِقِ([184])

عَلَـى خُـبَيْبٍ فَتَى الْفِـتْيَانِ قَدْ عَـلِمُوا

لَا فَـشَـلَ حِـينَ تَـلْقَـاهُ وَلَا نَـزِقِ([185])

فَـاذْهَبْ خُبَـيْبٌ جَـزَاكَ اللَّهُ طَـيِّبَـةً

وَجَـنَّةُ الْخُـلْدِ عِـنْدَ الْحَـوَرِ فِي الـرَّفُقِ ([186])

مَـاذَا تَـُقولُـونَ إِنْ قَـالَ النَّـبِيُّ لَكُمْ

حِـينَ الْمَـلَائِـكَةُ الْأَبْـرَارُ فِـي الْأُفُـقِ

فِـيمَ قَتَلْتُـمْ شَـهِـيدَ اللَّهِ فِـي رَجُـلٍ

طَاغٍ ([187]) قَدْ =أَوْعَثَ([188]) فِي الْـبُلْدَانِ وَالرَّفَـقِ([189])

 قبيلتان من الهون بْن خزيمة بْن مدركة . الصدور: جمع صدر، أعلى كل شيء وأوله . الهدأة: موضع بين عسفان ومكة . استصرخوا: استنصروا . الجلد: الشديد . النابل: صاحب النبل . العنابل: الغليظ الشديد . المعابل: جمع معبلة، وهو نصل عريض طويل . حم الإله: قدره . آئل: صائر . قحفه: القحف أحد أحقاف ثمانية تكون الجمجة . الدبر: الزنابير والنحل . فبعث الله الوادي: أرسل فيه الماء سيلًا . القران: حبل يربط به الأسير . التنعيم، موضع بين مكة وسرف، على فرسخين من مكة . بددًا: متفرقين . الفرق، بالتحريك: الخوف والفزع . ألبوا: جمعوا . وثاق: الحبل أو الشيء الذي يوثق به . ممنع: منيع محمي . أرصدوا: أعدوا . بضعوا: قطعوا . ياس: يئس . أوصال: جمع وصل، الواو بالفتح والضم والكسر، المفصل أو مجتمع العظام . الشلو: الجسد . الممزع: المقطع . هملت العين: فاضت وسالت . الجحم: اضطراب النار . ملفع: يشمله من جميع نواحيه . أرجو: أخاف . ترقا: تسكن . السح: الصب . نزق: من النزق، وهو التسرع والطيش . الرفق: جمع رفقة، وهم الأصحاب . طاغ: متجاوز الحد في الظلم . أوعث: أفسد . الرفق، بالتحريك: المرتع السهل المطلب .

حديث بِئْرِ مَعُونَةَ في صفر سنة أربع:

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال، وذا القعدة، وذا الحجة- وولي ([190]) تلك الحجة المشركون- والمحرم، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بِئْرِ مَعُونَةَ في صفر، على رأس أربعة أشهرٍ من أُحد.

قدم أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ ([191])، على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا مُحَمَّدُ، لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجدٍ، فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني أخشى عليهم أهل نجد )). قال أبو براءٍ: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ، ((الْمُعْنِقَ ليموت ([192]) ))، في أربعين رجلًا من أصحابه من خيار المسلمين، منهم: الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ،  وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ وَعُرْوَةُ بْنُ أَسَمَاءَ، وَنَافِعُ بْنُ بُدَيْلِ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مولى أبي بكر الصديق، في رجال مسمين من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ، وهي بين أرض بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ ([193]) بَنِي سُلَيْمٍ، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى وَحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ أقرب.

فلما نزلوها بعثوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله ابْنِ الطُّفَيْلِ. فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ ([194]) عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براءٍ ([195])، وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا. فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوهم حتى قُتلوا من عند آخرهم، يرحمهم الله، إلا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث ([196]) من بين القتلى، فعاش حتى قُتل يوم الخندق شهيدًا، يرحمه الله.

وكان في سرح ([197]) القوم عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضمري، ورجل من الأنصار أحد بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ([198])، فلم ينبئهما بمصاب أصحابها إلا الطير تحوم حول العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنًا. فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطنٍ قتل فيه الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو. وما كنت لتخبرني عنه الرجال! ثم قاتل القوم حتى قُتل. وأخذوا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبةٍ زعم أنها كانت على أمة، فخرج عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ حتى إذا كان بالقرقرة ([199]) من صدر قناة ([200])، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه. وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر. فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما، فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة ([201]) من بني عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما قدم عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، قال الرسول e  : (( لقد قتلت قتيلين لأدينهما! )) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهًا متخوفًا! )). فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفارُ عامر إياه، وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره.

وكان فيمن أُصيب عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. عن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عن أبيه، أن عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ كان يقول: من رجل منهم لما قُتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه؟ قالوا: هو عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.

وعن بعض بَنِي جَبَّارِ بْنِ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ - وكان جبار فيمن حضرها يومئذٍ مع عامر ثم أسلم: إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلًا منهم يومئذٍ بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول: فزت والله! فقلت في نفسي: ما فاز! ألست قد قتلت الرجل! قال: حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: للشهادة؛ فقلت: فاز لعمرو الله.

 ولي الحجة: قام بها وملك أمرها . ملاعب الأسنة: أي: الرماح، سمي بذلك يوم سوبان (من أيام العرب بين قيس وتميم) . أعنق: أسرع . وإنما سمي بذلك؛ لأنه أسرع إلى الشهادة .حرة: الحرة أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت .  استصرخهم: استعان بهم . نخفره: ننقض عهده . الارتثاث: أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثختنه الجراح . سرح: ماشية، ولا يسمى سرحا إلا ما يُغدى به ويراح . هو المنذر بْن مُحَمَّد بْن عقبة . قرقرة الكدر، بينها وبين المدينة ثمانية برد . قناة: واد يصب في قرارة الكدر . الثؤرة: بالضم: الثأر .

قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمّدٍ

وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كَالْعَنْجَدِ ([233])

تَهْوِي عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ  ([234])

قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي ([235])

وَمَاءَ ضُجْنَانَ ([236]) لَهَا ضُحَى الْغَدِ

وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ في ذلك ([237])

وَعَدْنَا أَبَا سُفْيَانَ بَدْرًا فَلَمْ نَجِدْ

لِمِيعَادِهِ صِدْقًا وَمَا كَانَ وَافِيَا

فَأُقْسِمُ لَوْ وَافَيْتَنَا فَلَقِيتَنَا

لَأُبْتُ ([238]) ذَمِيمًا وَافْتَقَدْتُ الْمَوَالِيَا

تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ ([239]) عُتْبَةَ وَابْنِهِ

وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثَاوِيَا ([240])

عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللّهِ أُفٍّ لِدِينِكُمْ

وَأَمْرِكُمْ السَّيِّئِ الَّذِي كَانَ غَاوِيَا

فَإِنِّي وَإِنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقَائِلٌ 

فِدًى لِرَسُولِ اللّهِ أَهْلِي وَمَالِيَا

أَطَعْنَاهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينَا بِغَيْرِهِ

 

شِهَابًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هَادِيَا

 واستعمل على المدينة عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول الأنصاري . السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنظة والشعير، سمي بذلك لانسياقه في الحلق . المجالدة: المضاربة بالسيوف . تهوي به: تسرع .العنجد: الزبيب الأسود . الدين: الدأب والعادة . الأتلد: الأقدم . قديد: موضع قرب مكة . ضجنان: جبيل بناحية مكة . قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الأنصاري، لكعب بْن مالك . لأبت: لرجعت . أوصال: جمع وصل، المفصل أو مجمع العظام . ثاويًا: مقيمًا. بضم الدال، وتفتح من أعمال المدينة، بينها وبينها خمس عشرة ليلة .

غـزوة دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ:

في شهر ربيع الأول سنة خمس:

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقام بها شهرًا حتى مضى ذو الحجة، وولي تلك الحجة المشركون، وهي سنة أربع من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ. ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ ([241])، ثم رجع قبل أن يصل إليها، ولم يلق كيدًا، فأقام بِالْمَدِينَةِ بقية سنته.

 وقد استعمل رسول الله e على المدينة في هذه الغزوة سباع بْن عرفطة .