ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

ما بين أحد والخندق (2)

إجلاء بَنِي النَّضِيرِ في سنة أربع:

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بَنِي النَّضِيرِ يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما، وكان بين بَنِي النَّضِيرِ وبين بني عامرٍ عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدارٍ من بيوتهم قاعد، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه! فانتدب لذلك عَمْرُو بْنُ جِحَاشِ بْنِ كَعْبٍ، أحدهم، فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفرٍ من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، رضوان الله عليهم.

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى الْمَدِينَةِ. فلما استلبث ([202]) النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة فسألوه عنه. فقال: رأيته داخلًا الْمَدِينَةَ. فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه    فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم، ثم سار بالناس حتى نزل بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا مُحَمَّدُ، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها!

وقد كان رهط من بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، منهم عدو الله عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَوَدِيعَةُ وَمَالِكُ بْنُ أَبِي قَوْقَلٍ وَسُوَيْدٌ وَدَاعِسٌ، قد بعثوا إلى بَنِي النَّضِيرِ: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ([203]). ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه ([204]) فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به.

 فخرجوا إلى خَيْبَرَ، ومنهم من سار إلى الشام. فكان أشرافهم من سار منهم إلى خَيْبَرَ: سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ. فلما نزلوها دان لهم أهلها.

حدث عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أنه حُدِّث: أنهم استقلوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدفوف والمزامير، والقيان ([205]) يعزفن خلفهم، وإن فيهم لأم عمرو صاحبة عُرْوَةَ بْنِ الْوَرْدِ الْعَبْسِيِّ التي ابتاعوا منه ([206])، بزهاءٍ وفخر ما رئي مثله من حي من الناس في زمانهم. وخلوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَأَبَا دُجَانَةَ سِمَاكَ بْنَ خَرَشَةَ ذكرا فقرًا، فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يسلم من بَنِي النَّضِيرِ إلا رجلان: يَامِينُ بْنُ عُمَرَ أَبُو كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جِحَاشٍ ؛ وَأَبُو سَعْدِ بْنِ وَهْبٍ أسلما على أموالهما فأحرزاها.

ونزل في بَنِي النَّضِيرِ سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله من نقمة، وما سلط عليهم به رسوله    وما عمل به فيهم، فقال- تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ #[ الْحَشْرِ: 2، 3]  وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذ احتملوها. ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ* وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء﴾ #[ الْحَشْرِ: 2،3] وكان لهم من الله نقمة ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾، أي: بالسيف. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ #[ الْحَشْرِ: 3]مع ذلك. ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ واللينة: ما خلف العجوة من النخل ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: فبأمر الله قُطعت، لم يكن فسادًا، ولكن كان نعمة من الله ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ* وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ يعني من بَنِي النَّضِيرِ ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ﴾ #[ الْحَشْرِ: 5، 6] أي: له خاصة ﴿ مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾: ما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وفتح بالحرب عنوة، فلله وللرسول ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ #[ الْحَشْرِ: 7]: هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه. ثم قال- تعالى-: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ يعني عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصحابه ومن كان على مثل أمرهم ﴿ يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ يعني بَنِي النَّضِيرِ، إلى قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ #[ الْحَشْرِ: 11 - 15] يعني بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثم القصة إلى قوله: ﴿ َكمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ ﴾  #[ الْحَشْرِ: 16،17].

 استلبثه: استبطأه . الحلقة: السلاح كله . النجاف: العتبة التي بأعلى الباب . القيان: جمع قينة، الأمة، وغلب على المغنية . اسمها سلمى، وكانت ناكحًا في مزينة، فأغار عليهم عروة بْن الورد فسباها، وكان عروة يتردد على بني النضير فيستقرضهم إذا احتاج ويبيع منهم إذا غنم . فرأوا عنده سلمى فاعجبتهم، فسألوه أن يبيعها منهم فأبى، فسقوه الخمر واحتالوا عليه حتى ابتاعمها منه وأشهدوا عليه . وفي ذلك يقول:

سـقـونـي الخـمـر ثـم تـكـتـفـونـي

عــداة الــلــه مــن كــذب وزور

فيا لـلـناس كـيـف غـلـبـت نـفـسـي

عـلـى شـيء ويـكـرهـه ضـمـيـري

غزوة ذَاتِ الرِّقَاعِ في سنة أربع:

ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ بعد غزوة بَنِي النَّضِيرِ شهر ربيع الآخر وبعض جمادى. ثم غزا نجدًا يريد بَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ من غَطَفَانَ واستعمل على المدينة أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ حتى نزل نخلًا ([207])، وهي غزوة ذَاتِ الرِّقَاعِ ([208]). فلقي بها جمعًا عظيمًا من غَطَفَانَ، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس.

$عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أن رجلًا من بني محارب، يقال له: غَوْرَثُ، قال لقومه من غَطَفَانَ وَمُحَارِبٍ: ألا أقتل لكم مُحَمَّدًا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. قال: فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فقال: يا مُحَمَّدُ، أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: نعم- وكان محلى بفضة، فيما قال ابْنُ هِشَامٍ- قال: فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه، ويهم فيكبته الله ([209])؛ ثم قال: يَا مُحَمَّدُ، أما تخافني؟ قال: لا، «وما أخاف منك». قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: لا، «يمنعني الله منك».([210]) ثم عمد إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرده عليه.

وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أيضًا قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذَاتِ الرِّقَاعِ من نخل، على جملٍ لي ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبطأ بي جملي هذا. قال: أنخه ([211]). فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لي عصا من شجرة. ففعلت، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه ([212]) بها نخساتٍ ثم قال: اركب: فركبت فخرج، والذي بعثه بالحق، يواهق ناقته مواهقة ([213]).

وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: (( أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ ))([214]) قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أهبه لك. قال: (( لا، ولكن بعنيه )). قلت: فسمنيه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (( قد أخذته بدرهم ([215])! )) قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (( فبدرهمين؟ )) قلت: لا. فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية([216]). فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ((نعم)). قلت: فهو لك. قال: ((قد أخذته)). ثم قال: ((يا جابر، هل تزوجت بعد؟)) قلت: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (( أثيبًا ([217]) أم بكرًا؟ )) قلت: لا، بل ثيبًا. قال: (( أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ )) قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبي أصيب يوم أُحد وترك بناتٍ له سبعًا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رءوسهن وتقوم عليهن. قال: (( أصبت إن شاء الله، أما إنا لو قد جئنا صرارًا ([218]) أمرنا بجزورٍ فنحرت. وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها ([219]) )). قلت: والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا من نمارق! قال: (( إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملًا كيسًا ([220]) )).

فلما جئنا صرارًا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزورٍ فنحرت، وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا، فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك، فسمع وطاعة.

فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلست في المسجد قريبًا منه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال: ما هذا. قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا جمل جاء به جابر. قال: فأين جابر؟ فدعيت له فقال: يا ابن أخي، خذ برأس جملك فهو لك. ودعا بلالًا فقال له: اذهب بجابر فأعطه أوقية. فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئًا يسيرًا، فوالله مازال ينمي عندي، ويرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا- يعني: يوم الحرة ([221]).

وعنه أيضًا قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذَاتِ الرِّقَاعِ من نخل، فأصاب رجل امرأة رجلٍ من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا، أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب مُحَمَّدٍ    دمًا! فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاَ فقال: من رجل يكلؤنا ([222]) ليلتنا هذه؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فكونا بفم الشعب. فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي =الليل تحب أن أكفيكه. أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله. فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي.

وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة ([223]) القوم، فرمى بسهم فوضعه فيه، فنزعه فوضعه فثبت ([224]) قائمًا. ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه، فنزعه ووضعه وثبت قائمًا، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه، فنزعه ووضعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه ([225]) فقال: اجلس فقد أثبت ([226]). فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذرا به ([227]) فهرب. ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله، أفلا أهببتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها فلما تابع علي الرمي ركعت فأذنتك. وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها ([228]).

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجبًا.

نخل: موضع بنجد من أرض غطفان . إنما قيل لها: ذات الرقاع؛ لأنهم رقعوا فيها راياتهم . وقيل: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع يقال لها: ذات الرقاع . وقيل: لأن الحجارة أوهنت أقدامهم فشدوا رقاعًا، فقيل لها: ذات الرقاع . يكبته الله: يذله ويقمعه . أخرجه البخاري(3906)، ومسلم(843) بألفاظ مختلفة. أنخه: للجمل، أبركه . فنخسه: نخس الدابة طعن مؤخرها أو جنبها بالمنخاس لتنشط . يواهقها: يعارضها في المشي لسرعته . أخرجه أحمد(15046،15068) بالقصة وطولها ، والبيهقي(10625) مختصرا. بدرهم: الدرهم قطعة من فضة مضروبة للمعاملة يعادل حوالي 2 .4 جرام . الأوقية: اثنا عشر درهما من الفضة تعادل حوالي 28 .4 جم . أثيبًا: الثيب غير العذراء . صرار، بالكسر: موضع على ثلاثة أميال من المدينة . النمارق: جمع نمرقة، وهي الوسادة الصغيرة . كيسًا: حسنًا عاقلًا . يوم الحرة: الذي كانت فيه وقعة الحرة- موضع بظاهر المدينة تحت واقم- أيام يزيد بْن معاوية . يكلؤنا: يحفظنا، يحرسنا . ربيئة القوم: الطليعة الذي يرقب العدو من مكان عالٍ لئلا يدهم قومه . فثبت: استقر . أهبَّه إهبابًا: أيقظه . أثبته: جرحه جرحًا لا يمكنه التحرك معه . نذرا به: علما به فتحرزا . أنفدها: أقضيها .

غزوة بدر الآخرة في شعبان سنة أربع:

ثم خرج في شعبان إلى بدرٍ، لميعاد أَبِي سُفْيَانَ، حتى نزله. فأقام عليه ثماني ليالٍ ينتظر أَبَا سُفْيَانَ. وخرج أَبُو سُفْيَانَ في أهل مكة حتى نزل مِجَنَّةَ ([229])، من ناحية الظَّهْرَانِ، ثم بدا له في الرجوع فقال: يا معشر قُرَيْشٍ إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا فرجع الناس، فسماهم أهل مكة (( جيش السَّوِيقِ ([230]) )). يقولون: إنما خرجتم تشربون السَّوِيقَ.

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدرٍ ينتظر أَبَا سُفْيَانَ لميعاده، فأتاه مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ، وهو الذي كان وادعه على بَنِي ضَمْرَةَ في غزوة ودان فقال: يَا مُحَمَّدُ، أجئت للقاء قُرَيْشٍ على هذا الماء؟ قال: نعم، يا أخا بَنِي ضَمْرَةَ، وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك ([231]) حتى يحكم الله بيننا وبينك. قال: لا والله يَا مُحَمَّدُ، ما =لنا بذلك منك من حاجة. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أَبَا سُفْيَانَ، فمر به مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيُّ، فقال وقد رأى مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وناقته تهوي به ([232]).

قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمّدٍ

وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كَالْعَنْجَدِ ([233])

تَهْوِي عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ  ([234])

قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي ([235])

وَمَاءَ ضُجْنَانَ ([236]) لَهَا ضُحَى الْغَدِ

وقال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ في ذلك ([237])

وَعَدْنَا أَبَا سُفْيَانَ بَدْرًا فَلَمْ نَجِدْ

لِمِيعَادِهِ صِدْقًا وَمَا كَانَ وَافِيَا

فَأُقْسِمُ لَوْ وَافَيْتَنَا فَلَقِيتَنَا

لَأُبْتُ ([238]) ذَمِيمًا وَافْتَقَدْتُ الْمَوَالِيَا

تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ ([239]) عُتْبَةَ وَابْنِهِ

وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثَاوِيَا ([240])

عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللّهِ أُفٍّ لِدِينِكُمْ

وَأَمْرِكُمْ السَّيِّئِ الَّذِي كَانَ غَاوِيَا

فَإِنِّي وَإِنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقَائِلٌ 

فِدًى لِرَسُولِ اللّهِ أَهْلِي وَمَالِيَا

أَطَعْنَاهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينَا بِغَيْرِهِ

 

شِهَابًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هَادِيَا

 واستعمل على المدينة عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول الأنصاري . السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنظة والشعير، سمي بذلك لانسياقه في الحلق . المجالدة: المضاربة بالسيوف . تهوي به: تسرع .العنجد: الزبيب الأسود . الدين: الدأب والعادة . الأتلد: الأقدم . قديد: موضع قرب مكة . ضجنان: جبيل بناحية مكة . قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الأنصاري، لكعب بْن مالك . لأبت: لرجعت . أوصال: جمع وصل، المفصل أو مجمع العظام . ثاويًا: مقيمًا. بضم الدال، وتفتح من أعمال المدينة، بينها وبينها خمس عشرة ليلة .

غـزوة دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ:

في شهر ربيع الأول سنة خمس:

ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقام بها شهرًا حتى مضى ذو الحجة، وولي تلك الحجة المشركون، وهي سنة أربع من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ. ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ ([241])، ثم رجع قبل أن يصل إليها، ولم يلق كيدًا، فأقام بِالْمَدِينَةِ بقية سنته.

 وقد استعمل رسول الله e على المدينة في هذه الغزوة سباع بْن عرفطة .