ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة الخندق (الأحزاب)ِ

غزوة الخندق في شوال سنة خمس:

ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس. إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود، منهم: سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ النّضَرِيُّ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النّضَرِيُّ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ النَّضَرِيُّ،  وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ الْوَائِلِيُّ، وَأَبُو عَمَّارٍ الْوَائِلِيُّ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَنَفَرٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ - وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. خرجوا حتى قدموا على قُرَيْشٍ مكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قُرَيْشٌ: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومُحَمَّدٌ، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه.

فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا* أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا إلى قوله. ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ أي: النبوة ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا #[ النِّسَاءِ: 51 - 55].

فلما قالوا ذلك لِقُرَيْش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غَطَفَانَ، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قُرَيْشًا قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا معهم فيه.

فخرجت قُرَيْشٌ وقائدها أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وخرجت غَطَفَانُ وقائدها عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ في بَنِي فَزَارَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ في بَنِي مُرَّةَ، وَمِسْعَرَةُ بْنُ رُخَيْلَةَ فيمن تابعه من قومه من أَشْجَعَ. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق عَلَى المَدِينَةِ، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورُّون([1]) بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستأذنه في اللحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير واحتسابًا له، فأنزل- الله تعالى- في أولئك من المؤمنين: ﴿ِإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ #[النُّورِ: 62] فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير، والطاعة لله ولرسوله   .

ثم قال تعالى، يعني: المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذنٍ من النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ #[النُّورِ: 63]- قَالَ ابْنُ هِِشَامٍ: اللواذ: الاستتار بالشيء عند الهرب- ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ من صدق أو كذبٍ ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ #[النُّورِ: 64].

عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناءٍ من ماء، فتفل فيه؛ ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية؛ فيقول من حضرها، فوالذي بعثه بالحق نبيًا، لانهالت ([2]) حتى عادت كالكثيب، لا ترد فأسًا ولا مسحاة.

وعن سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق، فغلظت علي صخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني؛ فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة؛ ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى؛ ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟ قلت: نعم؛ قال: أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن؛ وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب؛ وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق.

وحدثني من لا أتهم عن أَبِي هُرَيْرَةَ أنه كان يقول: حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر، وزمان عثمان وما بعده: افتتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله سبحانه مُحَمَّدًا    مفاتيحها قبل ذلك.

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قُرَيْشٌ حتى نزلت بمجتمع الْأَسْيَالِ من رُومَةَ، بين الْجُرُفِ وَزَغَابَةَ في عشرة آلافٍ من أحابيشهم([3]) ومن تبعهم من بَنِي كِنَانَةَ وأهل تِهَامَةَ، وأقبلت غَطَفَانُ ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع([4]) في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام([5]) وخرج عدو الله حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ حتى أتى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيَّ، صاحب عقد بَنِي قُرَيْظَةَ وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده على ذلك وعاهده، فلما سمع كَعْبٌ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: ويحك يا كعب! افتح لي. قال: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت مُحَمَّدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا، قال: ويحك! افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقت الحصن دوني إلا على جشيشتك([6]) أن آكل منها معك! فأحفظ الرجل ففتح له، فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طامٍ([7])، جئتك بِقُرَيْشٍ على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الْأَسْيَالِ من رُومَةَ، وبغَطَفَانَ على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بِذَنَبِ نَقْمَى إلى جانب أُحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل مُحَمَّدًا ومن معه، فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام([8]) قد هراق([9]) ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك يا حيي! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من مُحَمَّدٍ إلا صدقًا ووفاءً. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب([10]) حتى سمح له على أن أعطاه عهدًا من الله وميثاقًا، لئن رجعت قُرَيْشٌ وغَطَفَانُ ولم يصيبوا مُحَمَّدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقص كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بْنَ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ، وهو يومئذٍ سيد الأوس، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمٍ، وهو يومئذٍ سيد الخزرج، ومعهما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًا فالحنوا([11]) لي لحنًا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس([12])، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا: من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا عهد بيننا وبين مُحَمَّدٍ ولا عقد! فشاتمهم سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وشاتموه، وكان رجلًا فيه حدة. فقال له سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى([13]) من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا: عَضَلٌ وَالْقَارَةُ ([14])! أي: كغدر عضل والقارة بأصحاب الرَّجِيعِ - خبيبٍ وأصحابه- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين!)).

وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال =مُعَتَّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: كان مُحَمَّدٌ يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وحتى قال أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بيوتنا عورة من العدو- وذلك عن ملإ من رجال قومه- فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى درانا، فإنها خارج من الْمَدِينَةِ. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام عليه المشركون بضعًا وعشرين ليلة، قربيًا من شهر، لم تكن بينهم حرب إلا الرِّميا([15]) بالنبل، والحصار.

فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وإلى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ الْمُرِّيِّ، وهما قائدا غَطَفَانَ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه. فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة([16]) في ذلك. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا =بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدة، وكالبوكم([17]) من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى([18]) أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك. فتناول سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا ([19]) علينا.

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قُرَيْشٍ، منهم: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيَّانِ وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الشاعر، تلبسوا([20]) للقتال ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بَنِي كِنَانَةَ، فقالوا: تهيئوا يا بَنِي كِنَانَةَ للحرب، فستعملون من الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تعنق([21]) بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها([22])!

ويقال: إن سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن المهاجرين يوم الخندق قالوا: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت».([23])

ثم تيمموا مكانًا ضيفًا من الخندق فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة([24]) بين الخندق وسلع، وخرج عَلِيُّ بْنُ =أَبِي طَالِبٍ- عليه السلام- في نفرٍ معه من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم.

وكان عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ قد قاتل يوم بدرٍ حتى أثبتته([25]) الجراحة فلم يشهد يوم أُحد. فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا ([26]) ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز له عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قُرَيْشٍ إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه. قال له: أجل! قال له علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك! قال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم([27]) عن فرسه، فعقره([28]) وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتنازلا وتجاولا([29])، فقتله علي- رضي الله عنه-.

وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة. وألقى عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ رمحه يومئذٍ وهو منهزم عن عمرو، فقال حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ في ذلك:

فَـرَّ وَأَلْـقَـى لَـنَـا رُمْـحَـهُ

لَـعَـلَّـكَ عِـكْـرِمَ لَـمْ تَـفْـعَـلْ

وَوَلَّـيْـتَ =تَعْدُو كَـعَـدْوِ الـظَّـلِـيـــمِ

مَـا إِنْ تَـجُـورَ عَـنِ الْـمَـعْـدِلِ([30])

وَلَـمْ تَـلْـوِ ظَـهْـرَكَ مُـسْـتَـأْنِـسـًا([31])

كَـأَنَّ قَـفَـاكَ قَـفَـا فُـرْعُـــلِ([32])

وكان شعار([33]) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وَبَنِي قُرَيْظَةَ: ((حم لا ينصرون)). وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم. ثم إن نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا([34]) إن استطعت، فإن الحرب خدعة)). فخرج نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حتى أتى بَنِي قُرَيْظَةَ، وكان لهم نديمًا([35]) في الجاهلية، فقال: يا بَنِي قُرَيْظَةَ، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم. فقال لهم: إن قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم. لا تقدرون على أن تحولوا([36]) منه إلى غيره، وإن قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ قد جاءوا لحرب مُحَمَّدٍ وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة([37]) أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم، يكونون بأيديكم، ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم مُحَمَّدًا حتى تناجزوه([38]). فقالوا له: لقد أشرت بالرأي!

ثم خرج حتى أتى قُرَيْشًا فقال لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ومن معه من رجال قُرَيْشٍ: قد عرفتم ودي لكم وفراقي مُحَمَّدًا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقًا أن أبلغكموه نصحًا لكم فاكتموا عني، فقالوا: نفعل. قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين مُحَمَّدٍ، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ رجالًا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا. ثم خرج حتى أتى غَطَفَانَ فقال: يا معشر غَطَفَانَ، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. قال: فاكتموا عني. قالوا: نفعل، ثم قال مثل ما قال لقُرَيْشٍ، وحذرهم ما حذرهم.

فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله    أن أرسل أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ورءوس غَطَفَانَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، في نفرٍ من قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر([39])، فاغدوا للقتال حتى نناجز مُحَمَّدًا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا، فأصابه ما لم يخف عليكم([40])، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم مُحَمَّدًا حتى تعطونا رهنًا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز مُحَمَّدًا، فإنا نخشى إن ضرستكم([41]) الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا([42]) إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك!

فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بَنُو قُرَيْظَةَ، قالت قُرَيْشُ وَغَطَفَانُ: والله إن الذي حدثكم نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لحق، فأرسلوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ: إنا والله لا ندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بَنُو قُرَيْظَةَ، حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لحق! ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قُرَيْشٍ وغَطَفَانَ: إنا والله لا نقاتل معكم مُحَمَّدًا حتى تعطونا رهنًا، فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم الريح في ليالٍ شاتيةٍ باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدروهم، وتطرح آنيتهم.

فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم، دعا حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا. عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قال: قال رجل من أهل الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد([43]). فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. فقال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويًا من الليل([44])، ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع- يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة- أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد. فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا! فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناءً. فقام أَبُو سُفْيَانَ فقال: يا معشر قُرَيْشٍ، لينظر امرؤ من جليسة؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان ابْن فلان([45]). ثم قال أَبُو سُفْيَانَ: يا معشر قُرَيْشٍ، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف([46]) وأخلفتنا بَنُو قُرَيْظَةَ، وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل.

ثم قام إلى جمله وهو معقول([47]) فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي: (( أن لا تحدث شيئًا حتى تأتيني ))، ثم شئت لقتلته بسهم.

قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرطٍ([48]) لبعض نسائه، مراجل([49])، فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه. فلما سلم أخبرته الخبر. وسمعت غَطَفَانُ بما فعلت قُرَيْشٌ فانشمروا([50]) راجعين إلى بلادهم. ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح.

التورية: أن يستر شيئًا ويظهر غيره . انهالت: تفتتت . أحابيشهم: الأحابيش جماعة متحالفين من قُرَيْش وكنانة وخزاعة . سلع: جبل بالمدينة . الآطام: الحصون، جمع أطم بضمة وضمتين . الجشيشة: طعام من البر يطحن غليظًا . طام: ممتلئ مرتفع الأمواج . بجهام:الجهام السحاب لا ماء فيه . هراق ماءه: صب ماءه . أي: يخاتله ويراوغه . وأصل المثل في البعير، يفعل به ذلك ليسكن ويأنس . الذروة: أعلى السنام . والغارب: الكاهل، وهو ما بين السنام على العنق . اللحن: التعريض والإشارة في الكلام . فت في عضده: أوهنه وأضعفه . أربى: أزيد وأكثر . قبيلتان من الهون بْن خزيمة بْن مدركة . الرميا: المراماة بالسهام . نخل: موضع بنجد من أرض غطفان . إنما قيل لها: ذات الرقاع؛ لأنهم رقعوا فيها راياتهم . وقيل: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع يقال لها: ذات الرقاع . وقيل: لأن الحجارة أوهنت أقدامهم فشدوا رقاعًا، فقيل لها: ذات الرقاع . يكبته الله: يذله ويقمعه . أخرجه البخاري(3906)، ومسلم(843) بألفاظ مختلفة. أنخه: للجمل، أبركه . فنخسه: نخس الدابة طعن مؤخرها أو جنبها بالمنخاس لتنشط . يواهقها: يعارضها في المشي لسرعته . أخرجه أحمد(15046،15068) بالقصة وطولها ، والبيهقي(10625) مختصرا. بدرهم: الدرهم قطعة من فضة مضروبة للمعاملة يعادل حوالي 2 .4 جرام . الأوقية: اثنا عشر درهما من الفضة تعادل حوالي 28 .4 جم . أثيبًا: الثيب غير العذراء . صرار، بالكسر: موضع على ثلاثة أميال من المدينة . النمارق: جمع نمرقة، وهي الوسادة الصغيرة . كيسًا: حسنًا عاقلًا . يوم الحرة: الذي كانت فيه وقعة الحرة- موضع بظاهر المدينة تحت واقم- أيام يزيد بْن معاوية . يكلؤنا: يحفظنا، يحرسنا . ربيئة القوم: الطليعة الذي يرقب العدو من مكان عالٍ لئلا يدهم قومه . فثبت: استقر . أهبَّه إهبابًا: أيقظه . أثبته: جرحه جرحًا لا يمكنه التحرك معه . نذرا به: علما به فتحرزا . أنفدها: أقضيها . واستعمل على المدينة عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ بْن أبي بْن سلول الأنصاري . السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنظة والشعير، سمي بذلك لانسياقه في الحلق . المجالدة: المضاربة بالسيوف . تهوي به: تسرع . العنجد: الزبيب الأسود . الدين: الدأب والعادة . الأتلد: الأقدم . قديد: موضع قرب مكة . ضجنان: جبيل بناحية مكة . قال ابن هشام: أنشدنيها أبو زيد الأنصاري، لكعب بْن مالك . لأبت: لرجعت . أوصال: جمع وصل، المفصل أو مجمع العظام . ثاويًا: مقيمًا . بضم الدال، وتفتح من أعمال المدينة، بينها وبينها خمس عشرة ليلة . وقد استعمل رسول الله e على المدينة في هذه الغزوة سباع بْن عرفطة . المراوضة: التجاذب في البيع والشراء، أو ما إلى ذلك، أو كالمدارة على أمر ليدخله فيه . المكالبة: المضايقة والتشديد . القرى: طعام الضعيف . ليجهدوا علينا: ليجدوا في العداوة . تلبسوا: أي: تهيئوا . تعنق: تسرع . قال ابن هشام: يقال: إن سلمان الفارسي أشار به على رسول الله e . أخرجه الطبراني في الكبير(6040)، والحاكم(6541)  السبخة: الأرض ذات الملح والنز لا تكاد تنبت . أثبتته الجراحة: حبسته . المعلم: الذي يجعل لنفسه علامة في الحرب يعرف بها . اقتحم عن فرسه: رمى بنفسه . فعقره: أدبره . تجاولا: تطاردا، وتصاولا . الظليم: ذكر النعام، وهو المثل في الجبن . تجور: تحيد . المعدل: الطريق . مستأنسًا: ناشدًا الأمان والملاذ . الفرعل: الصغير من الضباع . الشعار: العلامة التي كانوا يتعارفون بها في الحرب . خذل عنا: أي: ادخل بين القوم حتى يخذل بعضهم بعضًا . نديمًا: المصاحب على الشراب المسامر . تحولوا منه: تنصرفوا عنه إلى غيره . نهزة: فرصة . تناجزوه: تنازلوه وتقاتلوه . الخف: الإبل، والحافر: الخيل . فأصابه ما لم يخف عليكم: عدوانهم في السبت فمسخوا قردة خاسئين . ضرستكم: نالت منكم . انشمروا: انقبضوا وأسرعوا إلى بلادهم . نجهد: نجدُّ حتى نبلغ الجهد والمشقة، والنهاية: الغاية . هويًا من الليل: قطعة منه . في شرح المواهب: ((فضربت بيدي على يد الذي عن يمني فأخذت بيده فقلت: من أنت؟ قال: معاوية بْن أبي سفيان . ثم ضربت يدي على يد الذي عن شمالي، فقلت: من أنت؟ قال: عمرو بْن العاص)) . هلك الكراع والخف: الكراع يقال لمستدق الساق من البقر والغنم . والخف: الإبل . معقول: عقل البعير:ضم رسغ يده إلى عضده وربطهما معًا بالعقال ليبقى باركًا .  المرط: الكساء . المراجل: ضرب من وشي اليمن . انشمروا: جدوا وأسرعوا .

 الأدم: الجلد . أجزأت عنها: كفيتها . المنسم: خف البعير . يجب: يقطع . يحُت: يسقط .

غزوة بني لحيان:

ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ ذا الحجة والمحرم وصفرًا وشهري ربيع، وخرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة، إلى بَنِي لَحْيَانَ، يطلب بأصحاب الرَّجِيعِ: خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام، ليصيب من القوم غرة([87]). فخرج من المدينة([88]) فسلك على غرابٍ: جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشام، ثم على محيص([89]). ثم على الْبَتْرَاءِ، ثم صفق([90]) ذات اليسار فخرج على بَيْنٍ([91]) ثم على صخيرات اليمام، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مَكَّةَ، فأغذ السير سريعًا حتى نزل على غُرَانَ، وهي منازل بَنِي لَحْيَانَ - وغران: وادٍ بين أَمَجَّ وَعُسْفَانَ، إلى بلدٍ يقال له سَايَةُ- فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم ما أراد، قال: لو أنا هبطنا عُسْفَانَ لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مَكَّةَ. فخرج في مائتي راكبٍ من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثم كر وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا.

 فكان جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين وجه راجعًا: ((آيبون تائبون إن شاء الله، لربنا حامدون. أعوذ بالله من وعثاء السفر([92]) وكآبة([93]) المنقلب([94])، وسوء المنظر في الأهل والمال)).

 الغرة: الغفلة . واستعمل عليها ابن أم مكتوم .) هكذا في تحقيق مصطفى السقا وآخرين، وفي بعض الأصول (( مخيض )) . صفق: عدل وانصرف . بين، بالكسر: واد قرب المدينة . أي: مشقته وشدته . كآبة: تغير النفس والانكسار من شدة الهم والحزن . المنقلب: الرجوع والإنصاف .

غزوة ذي قرد:

ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يقم بها إلا ليالي قلائل حتى أغار عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، في خيل من غَطَفَانَ على لقاح([95]) لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة([96]) وفيها رجل من بني غفار([97]) وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح. وكان أول من نذر بهم([98]) سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ =الْأَسْلَمِيُّ، غدا يريد الغابة متوشحًا([99]) قوسه ونبله، ومعه غلام لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، معه فرس له يقوده. حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية سَلْعٍ، ثم صرخ: واصباحاه! ثم خرج يشتد في آثار القوم، وكان مثل السبع، حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمى: ((خذها وأنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع([100])))، فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربًا ثم عارضهم، فإذا أمكنه الرمي رمى ثم قال: ((خذها وأنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع)). فيقول قائلهم: ((أويكعنا هو أول النهار)). وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع. فصرخ بِالْمَدِينَةِ: الفزع الفزعَ! فترامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم   . وكان أول من انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرسان: الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَسَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ، وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ؛ وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَأَبُو عَيَّاشٍ وَهُوَ عُبَيْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الصّامِتِ.

فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ، ثم قال: اخرج في طلب القوم حتى ألحقك بالناس، ولما تلاحقت الخيل قتل أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، حَبِيبَ بْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغشاه =ببرده([101]) ثم لحق بالناس.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فحدثني عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أن أول فارس لحق بالقوم مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، وحمل عليه رجل منهم فقتله، فلم يقتل من المسلمين غيره.

وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، فإذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة، فاسترجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأبي قتادة، ولكنه قتيل لأبي قتادة وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه.

وأدرك عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَوْبَارًا وَابْنَهُ عَمْرَو بْنَ أَوْبَارٍ، وهما على بعير واحد، فانتظمهما([102]) بالرمح فقتلهما جميعًا، واستنقذوا بعض اللقاح، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذي قرد، وتلاحق به الناس، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به وأقام عليه يومًا وليلة. وقال له سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو سرحتني في مائة رجل لا ستنقذت بقية السرح، وأخذت بأعناق القوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنهم الآن ليغبقون في غَطَفَانَ))([103]) فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، في كل مائة رجل جزورًا، وأقاموا عليها. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا حتى قدم الْمَدِينَةَ.

وأقبلت امرأة الغفاري على ناقةٍ من إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدمت عليه، فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني قد نذرت لله أن أنحرها إن نجاني الله عليها! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها! إنه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة الله)).

 اللقاح، بكسر اللام: الإبل الحوامل ذوات الألبان . الغابة: موقع قرب المدينة من ناحية الشام . هو ابن أبي ذر . نذر بهم: علم بهم . متوشحًا: متقلدًا . الرضع: جمع راضع، والراضع: اللئيم . والمعنى: اليوم يهلك اللئام . وغشاه ببرده: والبرد الكساء المخطط يلتحف به . فانتظمهما: جمعهما . يغبقون: يسقون الغبوق، وهو اللبن يشرب في العشي .