ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة بَنِي قُرَيْظَةَ في سنة خمس

فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، معتجرًا([51]) بعمامة من استبرق([52])، على بغلةٍ رحالة([53])، عليها قطيفة([54]) من ديباج([55])، فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله عز وجل يأمرك يَا مُحَمَّدُ بالمسير إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فإني عاد إليهم فمزلزل بهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنًا فأذن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا بِبَنِي قُرَيْظَةَ. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طِالِبٍ برايته إلى بَنِي قُرَيْظَةَ وابتدرها الناس، فسار عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال: لم؟ أظنك سمعت منهم لي أذًى. قال: نعم، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولًا.

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه بالصورين([56]) قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: هل مر بكم أحد؟ قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد مر بنا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ، على بغلةٍ بيضاء عليها رحالة، عليها قطيفة ديباج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك جبريل، بعث إلى بَنِي قُرَيْظَةَ يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم.

ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بَنِي قُرَيْظَةَ نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم يقال لها: بئر أنا.

وتلاحق به الناس. فأتى رجال منهم من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يصلين أحد العصر إلا بِبَنِي قُرَيْظَةَ)) فشغلهم ما لم يكن لهم منه بد في حربهم، وأبو أن يصلوا؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حتى تأتوا بَنِي قُرَيْظَةَ)). فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم([57]) الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. وقد كان حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ دخل مع بَنِي قُرَيْظَةَ في حصنهم، حين رجعت عنهم قُرَيْشٌ وِغَطَفَانُ، وفاء لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرفٍ عنهم حتى يناجزهم([58]) قال كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ لهم: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالًا([59]) ثلاثًا، فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى مُحَمَّدٍ وأصحابه رجالًا مصلتين([60]) السيوف، لم نترك وراءنا ثقلًا، حتى يحكم الله بيننا وبين مُحَمَّدٍ، فإن= نهلك نهِلك، ولم نترك وراءنا نسلًا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فلما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون مُحَمَّدٌ وأصحابه قد أمنونا فيها، فأنزلوا لعلنا نصيب من مُحَمَّدٍ وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ([61])! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازمًا!

 معتجرًا بعمامة: قد لفها على رأسه ورد طرفها على وجهه . الإستبرق: ديباج غليظ . الرحالة: السرج . قطيفة: كساء له أهداب . الديباج: ضرب من الثياب سداه ولحمته حرير . الصورين: موضع قرب المدينة . جهدهم: بلغ بهم المشقة . يناجزهم: ينازلهم ويقاتلهم . خلالًا: أمورًا، أو خصالًا . مصلتين: صلت السيف، ضرب به . المسخ: مسخ بني إسرائيل الذين اعتدوا في السبت .

أمر أَبِي لُبَابَةَ:

ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ابعث إلينا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش([62]) إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم وقالوا له: يا أَبَا لُبَابَةَ، أترى أن ننزل على حكم مُحَمَّدٍ([63])؟ قال: نعم- وأشار بيده إلى حلقه- إنه الذبح([64]). قال أَبُو لُبَابَةَ: فوالله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله   .

ثم انطلق أَبُو لُبَابَةَ على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت. وأعاهد الله: ألا أطأ بَنِي قُرَيْظَةَ أبدًا، ولا أرى في بلدٍ خنت الله ورسوله فيه أبدًا. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وكان قد استبطأه قال: أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.

عن أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك. فقلت: مم تضحك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أضحك الله سنك. قال: تيب على أَبِي لُبَابَةَ. قلت: أفلا أبشره يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى إن شئت. فقامت على باب حجرتها- وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت: يا أَبَا لُبَابَةَ، أبشر فقد تاب الله عليك! قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه.

قَالَ ابْنُ هِِشَامٍ: أقام أَبُو لُبَابَةَ مرتبطًا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في كل وقت صلاةٍ فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع.

فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنهم موالينا دون الْخَزْرَجِ، وقد فعلت في موالي إخوننا بالأمس ما قد عملت- وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بَنِي قُرَيْظَةَ قد حاصر بَنِي قَيْنُقَاعَ، وكانوا حلفاء الْخَزْرَجِ، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فوهبهم له- فلما كلمته الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيكم رجل منكم؟)) قالوا: بلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فذاك إلى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ)).

 جهشوا إليه: فزعوا إليه وهموا بالبكاء . وذلك أنهم لما حوصروا حتى أيقنوا بالهلكة، أنزلوا شأس بْن قيس، فكلم رسول الله e أن ينزلوا على ما نزل بنو النضير، من ترك الأموال والحلقة، والخروج بالنساء والذراري وما حملت الإبل إلا الحلقة . فأبى رسول الله e فقال: تحقن دماءنا وتسلم لنا النساء والذرية ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل . فأبى رسول الله e إلا أن ينزلوا على حكمه . فعاد شأس إليهم بذلك . (( عن شرح المواهب للزرقاني )) . في شرح المواهب: كأن أبا لبابة فهم ذلك من عدم إجابة رسول الله e لهم بحقن دمائهم، وعرف أن رسول الله سيذبحهم إن نزلوا على حكمه . وبهذا أشار إلى بني قريظة .

تحكيم سعد في بَنِي قُرَيْظَةَ:

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ في خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها رفيدة، في مسجده، كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة([65]) من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب. فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بَنِي قُرَيْظَةَ أتاه قومه فحملوه على حمارٍ قد وطئوا له بوسادة من أدم([66])، وكان رجلًا جسيمًا جميلًا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم! فلما أكثروا عليه قال: لقد أَنىَ لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فنعى لهم رجال بَنِي قُرَيْظَةَ قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه([67]).

فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قوموا إلى سيدكم))- فأما المهاجرون من قُرَيْشٍ فيقولون: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار. وأما الأنصار فيقولون: قد عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاموا إليه. فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: ((نعم)) قال: وعلى من ها هنا؟- في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالًا له- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)). قال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: ((لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ ([68]))). ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ في دار بنت الحارث([69]). ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة - التي هي سوقها اليوم - فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم إليه أرسالًا([70])، وفيهم عدو الله حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة، وقد قالوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالًا: يا كعب، ما تراه يصنع بنا. قال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي([71]) لا ينزع([72])، وإنه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأتى بِحُيَيِّ= بْنِ أَخْطَبَ عدو الله، وعليه حلة له فقاحية([73]) قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة؛ لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل! ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر، وملحمة([74]) كتبها الله على بني إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه.

عن عَائِشَةَ أم المؤمنين قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة. قالت: والله إنها لعندي تحدث معي وتضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق؛ إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قلت لها: ويلك! ما =لك؟ قالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت: لحدثٍ أحدثته([75]). قالت: فانطلق بها فضربت عنقها. فكانت عَائِشَةُ تقول: فوالله ما أنسى، عجبًا منها، طيب نفسها، وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تُقتل.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل كل من أنبت([76]) منهم. عن عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يُقتل من بَنِي قُرَيْظَةَ كل من أنبت منهم، وكنت غلامًا فوجدوني لم أنبت، فخلوا سبيلي.

وعن أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أن سَلْمَى بِنْتِ قَيْسٍ- وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلت معه القبلتين، وبايعته بيعة النساء سألته رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْءَلٍ الْقُرَظِيَّ، وكان رجلًا قد بلغ، فلاذ بها([77])، وكان يعرفهم قبل ذلك، فقالت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، هب لي رفاعة، فإنه قد زعم أنه سيصلي ويأكل لحم الجمل. فوهبه لها فاستحيته.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بَنِي قُرَيْظَةَ ونساءهم وأبناءهم على المسلمين. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ أخا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، بسبايا بَنِي قُرَيْظَةَ إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلًا وسلاحًا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خُنَافَةَ، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك. فتركها. وقد كانت حين سباها قد تعصت بالإسلام وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه لذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إن هذا لَثَعْلَبَةَ بْنَ سَعْيَةَ يبشرني بإسلام ريحانة. فجاءه فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أسلمت ريحانة! فسره ذلك من أمرها.

وأنزل الله تعالى في أمر الخندق وأمر بَنِي قُرَيْظَةَ من القرآن القصة في سورة الأحزاب، يذكر فيها ما نزل من البلاء، ونعمته عليهم، وكفايته إياهم، حين فرج ذلك عنهم، بعد مقالة من قال من أهل النفاق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا #[ الْأَحْزَابِ: 9 ]. والجنود قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَبَنُو قُرَيْظَةَ. وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح: الملائكة. يقول الله تعالى:﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا #[ الْأَحْزَابِ: 10 ] فالذين جاءوهم من فوقهم: بَنُو قُرَيْظَةَ، والذين جاءوهم من أسفل منهم: قُرَيْشٌ وَغَطَفَان. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا* وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا #[ الْأَحْزَابِ: 9 ] لقول مُعَتَّبِ بْنِ قُشَيْرٍ([78]) إذ يقول ما قال: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارا #[ الْأَحْزَابِ: 11، 12]. لقول أَوْسِ بْنِ قَيْظِيِّ ومن كان على رأيه من قومه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا أي: المدينة ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ أي: الرجوع إلى الشرك ﴿َلآ تَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا* وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا #[ الْأَحْزَابِ: 14، 15] فهم بنو حارثة، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أُحدٍ مع بني سلمة حين همتا بالفشل يوم أُحدٍ ثم عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها أبدًا، فذكر لهم الذي أعطوا من أنفسهم، ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا* قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا #[ الْأَحْزَابِ: 16، 17] أي: من أهل النفاق ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا #[ الْأَحْزَابِ: 18 ]أي: إلا دفعًا وتعذيرًا([79])، ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ أي: للضغن الذي في أنفسهم ﴿فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ، إعظامًا له وفرقًا منه ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ #[ الْأَحْزَابِ: 19 ]أي: في القول بما لا تحبون، لأنهم لا يرجون آخرة، ولا تحملهم حسبة([80])، فهم يهابون الموت هيبة من لا يرجو ما بعده. ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا #[ الْأَحْزَابِ: 20 ].

ثم أقبل على المؤمنين فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ #[ الْأَحْزَابِ: 21 ] أي: لئلا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ولا عن مكانٍ هو به.

ثم ذكر المؤمنين وصدقهم وتصديقهم بما وعدهم الله من البلاء ويختبرهم به، فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا #[ الْأَحْزَابِ: 22 ]، أي: صبرًا على البلاء، وتسليمًا للقضاء وتصديقًا للحق، لما كان الله تعالى وعدهم ورسوله    ثم قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ أي: فرغ من عمله ورجع إلى ربه كمن استشهد يوم بدرٍ ويوم أُحد ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ أي: ما وعد الله به من نصره والشهادة على ما مضى عليه أصحابه، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا #[ الْأَحْزَابِ: 23 ] أي: ما شكوا وما ترددوا في دينهم، وما استبدلوا به غيره ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا* وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ، أي: قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا* وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أي: بَنِي قُرَيْظَةَ ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ والصياصي: الحصون والآطام التي كانوا فيها ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا #[ الْأَحْزَابِ: 24 - 26] أي: قتل الرجال وسبي الذراري والنساء، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا يعني =خَيْبَرَ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا #[ الْأَحْزَابِ: 27 ].

فلما انقضى شأن بَنِي قُرَيْظَةَ انفجر بَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جرحه فمات منه شهيدًا. عن الحسن البصري قال: كان سعد رجلًا بادنًا. فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنًا، وما حملنا من جنازة أخف منه! فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( إن له حملة غيركم، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتز له العرش )).

وقتل من المشركين ثلاثة نفر: مُنَبِّهُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدٍ، أصابه سهم فمات منه بِمَكَّةَ. ومن بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقْظَةَ: نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده، وكان اقتحم الخندق، فتورط فيه فقتل، فغلب المسلمون على جسده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حاجة لنا في جسده ولا بثمنه))، فخلى بينهم وبينه. ومن بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ، قتله عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ.

واستشهد يوم بَنِي قُرَيْظَةَ من المسلمين: خَلَّادُ بْنُ سُوَيْدٍ، طرحت عليه رحى فشدخته شدخًا شديدًا. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن له لأجر شهيدين)). ومات أَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصِنِ بْنِ حُرْثَانَ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بَنِي قُرَيْظَةَ، فدفن في مقبرة بَنِي قُرَيْظَةَ.

 ولما انصرف أهل الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: ((لن تغزوكم قُرَيْش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم)) لم تغزهم قُرَيْشٌ بعد ذلك، وكان هو الذي يغزوها، حتى فتح الله عليه مكة.

 ضيعة: فقر . أدم: جلد . أي: ما فهمه من قوله: ((أَنيَ لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم ))، أن سعدًا رأى قتلهم، فنعاهم قبل موتهم . أرقعة: جمع رقيع: وهي السماء . اسمها كيسة بنت الحارث . أرسالًا: جماعات . الداعي: المناي . لا ينزع: لا يكف ولا ينتهي . فقاحية: على لون الورد هم أن يتفتح . الملحمة: الوقعة العظيمة القتل . قال ابن هشام: هي التي طرحت الرحى على خلاد بْن سويد فقتلته . أنبت: راهق واستبان شعر عانته ونبت، علامة للبلوغ . لاذ بها: التجأ إليها . انظر: غزوة الخندق . التعذير: أن يفعل الشيء إنما يريد أن يقيم به العذر عند من يراه . الحسبة: الأجر .

مقتل سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ:

 ولما انقضى شأن الخندق، وأمر بَنِي قُرَيْظَةَ، وكان سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، وهو أبو رافع، فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأوس قبل أُحد قد قتلت كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه، استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وهو بِخَيْبَرَ، فأذن لهم.

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قال: وكان مما صنع الله به لرسوله    أن هذين الحيين من الأنصار، والأوس والخزرج، كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناءً([81]) إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام. قال: فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها؛ وإذا فعلت الخزرج شيئًا قالت الأوس مثل ذلك.

ولما أصابت الأوس كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج: والله لا تذهبون بها فضلًا علينا أبدًا؛ قال: فتذاكروا: من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبي الحقيق، وهو بِخَيْبَرَ؛ فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم.

 غناء: منفعة .