ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة بَنِي الْمُصْطَلِقِ

غزوة بَنِي الْمُصْطَلِقِ([104]):

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ بعض جمادى الآخرة ورجبًا، ثم غزا بَنِي الْمُصْطَلِقِ من خزاعة، في شعبان سنة ست([105]). بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بَنِي الْمُصْطَلِقِ يجمعون له، وقائدهم الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ، أَبُو جُوَيْرِيَة بِنْت الْحَارِثِ، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم، حتى لقيهم على ماءٍ يقال له: الْمُرَيْسِيعُ، من ناحية قديدٍ إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بَنِي الْمُصْطَلِقِ وقُتل من قُتل منهم، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه.

وقد أصيب رجل من المسلمين من بَنِي كَلْبِ بْنِ عَوْفٍ، يقال له هِشَامُ بْنُ صُبَابَةَ، أصابه رجل من الأنصار من رهط عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء، وردت واردة الناس، ومع عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أجير له من بني غفار يقال له: جَهْجَاهُ بْنُ مَسْعُودٍ، يقود فرسه، فازدحم جَهْجَاهٌ وَسِنَانُ بْنُ وَبَرٍ الْجُهَنِيُّ على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين! فغضب عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ- وعنده رهط من قومه فيهم زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، غلام حدث- فقال: أوقد فعلوها، قد نافرونا([106]) وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قُرَيْشٍ([107]) إلا كما قال الأول: ((سمن كلبك يأكلك!)). أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل! ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم! وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم!

فسمع ذلك زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، فأخبره الخبر وعنده عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فقال: مر به عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فليقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن مُحَمَّدًا يقتل أصحابه! لا ولكن أذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال ولا تكلمت به! وكان في قومه شريفًا عظيمًا، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل! حدبًا على ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ودفعًا عنه.

فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار، لقيه أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعةٍ منكرة ما كنت تروح في مثلها! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟)) قال: وأي صاحبٍ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ)). قال: وما قال؟ قال: ((زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل)) قال: فأنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم والله تخرجه منها إن شئت. هو والله الذليل وأنت العزيز! ثم قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا.

ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك. حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْن أُبَيٍّ.

ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماءٍ بالحجاز فويق النقيع يقال له بقعاء. فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تخافوها. فإنما هبت لموت عظيمٍ من عظماء الكفار)). فلما قدموا المدينة وجدوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، أحد بَنِي قَيْنُقَاعَ- وكان عظيمًا من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين- مات في ذلك اليوم.

ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أُبي ومن كان على مثل أمره، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، ثم قال: هذا الذي أوفى لله بأذنه، وبلغ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ الذي كان من أمر أبيه فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه بلغني أنك تريد قتل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فيما بلغك عنه، فإن كنت لا =بد فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يمشي في الناس، فأقتله فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر =فأدخل النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا)).

وجعل بعد ذلك إن أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حين بلغه ذلك من شأنهم: ((كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف([108]) لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته)). قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.

وقدم مَقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ من مكة مسلمًا فيما يظهر، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، جئتك مسلمًا، وجئتك أطلب دية أخي، قتل خطأ! فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أَخِيهِ هِشَامِ بْنِ صُبَابَةَ، فأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدًا.

وكان شعار المسلمين يوم بَنِي الْمُصْطَلِقِ: يا منصور، أمت أمتْ.

وأصيب من بَنِي الْمُصْطَلِقِ يومئذٍ ناس([109])، وقتل عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ منهم رجلين: مالكًا وابنه. وقتل عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رجلًا من فرسانهم يقال له: أحمر، أو أحيمر.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منهم سبيًا كثيرًا، فشا قسمه في المسلمين، وكان فيمن أصيب يومئذٍ من السبايا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍٍ، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت عَائِشَةُ: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بَنِي الْمُصْطَلِقِ وقعت جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ في السهم لِثَابِتِ بْنِ الشَّمَّاسِ، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة([110])، ولا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ- أو لابن عم له- فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ((أقضي عنك كتابتك وأتزوجك)) قالت: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ((قد فعلت)).

وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأرسلوا ما بأيديهم قال: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيتٍ من بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.

وعن يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد إسلامهم الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن القوم قد هموا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم، حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغزوهم، فبينما هم على ذلك قدم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعًاَ([111])، فبلغنا أنه زعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقتله، والله ما جئنا لذلك. فأنزل الله تعالى فيه وفيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ* وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ...﴾ #[الْحُجُرَاتِ: 6،7] إلى آخر الآية. وقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك حتى إذا كان قريبًا من المدينة، وكانت معه عَائِشَةُ في سفره ذلك، قال فيها أهل الإفك ما قالوا.

 وتسمى أيضًا غزوة المريسيع . واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري . نافرونا: غلبونا وفاخرونا . لقب كان المشركون يلقبون به من أسلم من المهاجرين . لأرعدت آنف: لتوعدت وهددت، آنف: جمع أنف . قال ابن هشام: ((وكان شعار المسلمين يوم بني المصطلق: يا منصور، أمت، أمت)) . أي: شديدة الملاحة . انشمر: جد وأسرع .

خبر الإفك، في غزوة بَنِي الْمُصْطَلِقِ سنة ست:

عن عَائِشَةَ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع([112]) بين نسائه، فأيتهن خرج سهمهما خرج بها معه، فلما كانت غزوة بَنِي الْمُصْطَلِقِ أقرع بين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق([113]) لم يهبجهن اللحم فيثقلن([114])، وكنت إذا رحل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون لي ويحملونني، فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلًا([115])، حتى إذا كان قريبًا من المدينة نزل منزلًا فبات به بعض الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتي، وفي عنقي عقد لي، فيه جزع ظَفَارٍ([116])، فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي، الذين كانوا يرحلون لي البعير([117])، وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير، ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس، فتلففت بجلبابي ثم اضجعت في مكاني، وعرفت أن لو قد افتقدت لرجع إليَّ.

فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي، وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأنا متلففة في ثيابي. قال: ما خلفك يرحمك الله؟ فما كلمته. ثم قرب البعير، فقال: اركبي، واستأخر عني. فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعًا يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت، ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا. فارتعج([118]) العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك.

ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة([119])، ولا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبوي لا يذكرون لي منه قليلًا ولا كثيرًا، إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي. كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علي وعندي أمي([120]) تمرضني قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك.

 حتى وجدت([121]) في نفسي، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين رأيت ما رأيت من جفائه لي - لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني؟ قال: لا عليك.

قالت: فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قومًا عربًا([122]) لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنما كنا نذهب في فسح([123]) المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن. فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أُمّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها([124])، فقالت: تعس مسطح! قالت: قُلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدرًا! قالت: =أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك. قلت: =أوقد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان.

قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي، ورجعت، فوالله =ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع([125]) كبدي، وقلت لأمي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئًا! قالت: أي بنية، خفضي عليك الشأن([126])، فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا كثرن وكثر الناس عليها([127]).

قال: وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس يخطبهم- ولا أعلم بذلك- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال؟: ((أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيرًا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرًا، وما يدخل بيتًا من بيوتي إلا وهو معي)).

 قالت: وكان كبر ذلك([128]) عند عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ في رجالٍ من الخزرج، مع الذي قال مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وذلك أن أختها زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن من نسائه امرأة تناصيني([129]) في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرًا، وأما حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضادني لأختها، فشقيت بذلك.

فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة قال أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك، فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم! فقام سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وكان قبل ذلك يرى رجلًا صالحًا، فقال: كذبت لعمر الله، لا نضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت لعمر الله، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين! قالت: وتساور الناس([130]) حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم([131]) فدخل علي، فدعا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طِالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى علي خيرًا وقاله، ثم قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرًا، وهذا الكذب والباطل! وأما عَلِيٌّ فإنه قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ([132]) ليسألها، فقام إليها عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ فضربها ضربًا شديدًا ويقول: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتقول: والله ما أعلم إلا خيرًا، وما كنت أعيب على عَائِشَةَ شيئًا، إلا أني كنت أعجن عجيني، فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله! قالت: ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي، وعندي امرأة من الأنصار، وأنا أبكي وهي تبكي معي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((يَا عَائِشَةُ، إنَّهُ قَدْ كَانَ مَا قَدْ بَلَغَكِ مِنْ قَوْلِ النّاسِ فَاتَّقِي اللَّهَ وَإِنْ كُنْت قَدْ قَارَفْت سُوءًا، مِمّا يَقُولُ النّاسُ فَتُوبِي إلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ))! فوالله ما هو إلا أن قال لي ذلك فقلص دمعي([133]) حتى ما أحس منه شيئًا، وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يتكلما؟ وايم الله لأنا كنت أحقر في نفسي، وأصغر شأنًا من أن ينزل الله في قرآنًا يقرأ به في المساجد ويصلى به، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه شيئًا يكذب به الله عني؛ لما يعلم من براءتي، أو يخبر خبرًا، فأما قرآن ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك!

فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه. ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكرٍ في تلك الأيام! فلما أن استعجما علي([134]) استعبرت فبكيت، ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدًا! والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ #[ يُوسُفَ: 18 ]. فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجي بثوبه ووضعت له وسادة من أدم([135]) تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله- عز وجل- غير ظالمي. وأما أبواي فوالذي نفس عَائِشَةَ بيده ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طننت لتخرجن أنفسهما، فرقًا([136]) من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس.

 قالت: ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان([137]) في يوم شاتٍ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: ((أبشري يا عَائِشَةُ، فقد أنزل الله براءتك)). قلت: بحمد الله!

ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك ثم أمر بِمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عن بعض رجال بني النجار، أن أَبَا أَيُّوبَ خَالِدَ بْنَ زَيْدٍ قالت له امرأته أم أيوب: أتسمع ما يقول الناس في عَائِشَةَ. قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة. قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فَعَائِشَةُ والله خير منك! قالت: فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ #[النُّورِ: 11]- وذلك حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وأصحابه الذين قالوا ما قالوا- ثم قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا...﴾ #[النُّورِ: 12]، أي فقالو كما قال أبو أيوب وصاحبته. ثم قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ #[النُّورِ: 15].

فلما نزل هذا في عَائِشَةَ وفيمن قال لها ما قال، قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا، ولا أنفعه بنفع أبدًا بعد الذي قال لِعَائِشَةَ وأدخل علينا. قالت: فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ #[النُّورِ: 22]. فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال، والله لا أنزعها منه أبدًا.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه في فريتهم على عَائِشَةَ:

لَـقَـدْ ذَاقَ حَـسَّانُ الَّـذِي كَـانَ أَهْـلَهُ

وَحَمْـنَةُ إِذْ قَـالُـوا هَـجِيـرًا، وَمِـسْطَحُ([138])

تَـعَاطَـوْا بِـرَجْمِ الْـغَيْبِ زَوْجَ نَـبِيِّـهِمْ

وَسَـخْطَةَ ذِي الْـعَرْشِ الْـكَرِيمِ فَأُتْـرِحُوا([139])

وَآذَوْا رَسُـولَ اللَّهِ فِـيـهَا فَـجَـلَّـلُـوا

مَخَـازِيَ تَـبْقَـى عَـمَّـمُوهَـا وَفُـضِّـحُوا

وَصَـبَّتْ عَـلَيْـهِمْ مُحْـصِـدَاتٌ كَـأَنَّهَـا

شَـآبِـيبُ قَـطْرٍ مِـْن ذُرَى الْمُـزْنِ تُسْفَحُ([140])

 أقرع بينهن: ضرب القرعة ليختار . العلق: جمع علقة، بالضم، وهو ما يتبلغ به من الطعام . الهبج: الورم . هبجه تهبيجًا: ورمه . قافلًا: راجعًا . الجزع: الخرز . وظفار: مدينة باليمن قرب صنعاء . رحل البعير: وضع عليه الرحل . ارتعج: تحرك واضطرب . الشكوى: المرض . اسمها زينب بنت عبد دهمان، فيما قال ابن هشام . الوجد: الحزن . عربًا: يقال لأهل البادية إذا سكنوا المدن: عرب . فسح: جمع فسحة، السعة . المرط: الكساء . يصدع: يشق . أي: هوني عليك الأمر . أي: كثروا القول فيها والعنت عليها . روى: (( كبرن )) من الكبر وهو الإثم . كبر ذلك، أي: معظم ذلك الإثم . المناصة: المساواة . تساوروا: تواثبوا . أي من على المنبر . بريرة: مولاة عَائِشَة . قلص: ارتفع وامسك . استعجم: سكت، لم ينطق . أدم: جلد . فرقًا: جزعًا، وخوفًا شديدًا . الجمان: حب كالدر يصنع من الفضة . الهجير: الهجر، والقول الفاحش القبيح . الرجم: القول بالظن . أترحوا: أحزنوا . الترح: الحزن . المحصدات: السياط المحكمة الفتل الشديدة . الشآبيب: جمع شؤبوب، وهو الدفعة من المطر . الذرى: الأعالي . المزن: السحاب . تسفح: تسيل .