ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

صلح الحديبية والهدنة

أمر الْحُدَيْبِيَةِ في آخر سنة ست:

ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ شهر رمضان وشوالًا، وخرج([141]) في ذي القعدة معتمرًا لا يريدُ حربًا. واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قُرَيْشٍ الذين صنعوا: أن يعرضوا له بحربٍ أو يصدوه عن البيت. فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي([142])، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت ومعظمًا له.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بِعُسْفَانَ ([143]) لقية بِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه قُرَيْشٌ قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ ([144])، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى([145]) يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ في خيلهم قد قدموها إلى كُرَاعِ الْغَمِيمِ ([146]).

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ويح قُرَيْشٍ! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين([147])، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قُرَيْشٌ؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة([148])))! ثم قال: ((من رجل يخرج بنا على طريقٍ غير طريقهم التي هم بها؟)) وأن رجلًا من بني أسلم قال: أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسلك بهم طريقًا وعرًا أجرل([149]) بين شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين وأفضوا إلى أرضٍ سهلةٍ عند منقطع الوادي؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: قالوا: ((نستغفر الله ونتوب إليه)). فقالوا ذلك. فقال: والله إنها للحطة([150]) التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: ((اسلكوا ذات اليمين بين ظَهْرَيِ =الْحَمْشِ))، في طريقٍ تخرجهم على ثَنِيّةِ الْمُرَارِ، مهبط الْحُدَيْبِيَةِ من أسفل مكة.

فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قُرَيْشٍ قترة الجيش([151]) قد خالفوا عن طريقهم، رجعوا راكضين إلى قُرَيْشٍ. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثَنِيّةِ الْمُرَارِ بركت ناقته، فقالت الناس: خلأت([152]) الناقة. قال: ((ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قُرَيْشٌ اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها)). ثم قال للناس: ((انزلوا)). قيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما بالوادي ماء ننزل عليه. فأخرج سهمًا من كنانته فأعطاه رجلًا من أصحابه فنزل به في قليب([153]) من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء([154]) حتى ضرب الناس عنه بعطن([155]).

فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ في رجال من خُزَاعَةَ، فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربًا، وإنما جاء زائرًا للبيت، ومعظمًا لحرمته، ثم قال لهم نحوًا مما قال لِبِشْرِ بْنِ سُفْيَانَ، فرجعوا إلى قُرَيْشٍ فقالوا: يا معشر قُرَيْشٍ، إنكم تعجلون على مُحَمَّدٍ، إن مُحَمَّدًا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرًا هذا البيت. فاتهموهم وجبهوهم([156]) وقالوا: إن كان جاء لا يريد قتالًا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا، ولا تحدث بذلك عنا العرب. وكانت خزاعة عيبة نصح([157]) رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئًا كان بِمَكَّةَ.

ثم بعثوا إليه مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلًا قال: هذا رجل غادر. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوًا مما قال لبديل وأصحابه فرجع إلى قُرَيْشٍ فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم بعثوا إليه الْحُلَيْسَ بْنَ عَلْقَمَةَ أَوِ ابْنَ زَبَّانٍ - وكان يومئذٍ سيد الأحابيش([158]) فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن هذا من قوم يتألهون([159])، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه))، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي([160]) في قلائده([161])، وقد أكل أوباره([162]) من طول الحبس عن محله([163])، رجع إلى قُرَيْشٍ ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إعظامًا لما رأى، فقال لهم ذلك، فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب عند ذلك، وقال: يا معشر قُرَيْشٍ، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له! والذي نفس الحليس بيده، لتخلن بين مُحَمَّدٍ وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه، ثم قال: يَا مُحَمَّدُ، أجمعت أوشاب([164]) الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك([165]) لتقضها بهم([166]). إنها قُرَيْشٌ قد خرجت معها الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ ([167])، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا!

ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك! فيقول عروة: ويحك! ما أفظك وأغلظك! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عروة: من هذا يا مُحَمَّدُ؟ قال: ((هذا ابن أخيك الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ)). قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس([168])! فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوٍ مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا.

فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا([169]) وضوءه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلى قُرَيْشٍ فقال: يا معشر قُرَيْشٍ، إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكًا في قوم قط مثل مُحَمَّدٍ في أصحابه! ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، فَرُوا رأيكم.

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيِّ، فبعثه إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، وحمله على بعير له يقال له: ((الثعلب))، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادو قتله، فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم دعا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قُرَيْشٍ ما جاء له، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أخاف قُرَيْشًا على نفسي، وليس بِمَكَّةَ من بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ أحد يمنعني، وقد عرفت قُرَيْشٌ عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فبعثه إلى أَبِي سُفْيَانَ وأشراف قُرَيْش، يخبرهم أنه لم يأت لحربٍ، وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظمًا لحرمته. فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، حين دخل مَكَّة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أَبَا سُفْيَانَ وعظماء قُرَيْشٍ، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبسته قُرَيْشٌ عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قد قتل.

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نميلة بْن عَبْد اللَّهِ الليثي . كان سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر . عسفان: منهل من مكة على مرحلتين . العوذ: جمع عائذ، وهي الحديثة النتاج من الإبل . المطافيل: التي معها أولادها . يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا ألبانها ولا يرجعوا حتى يناجزوا مُحَمَّدًا . ذو طوى: موضع قرب مكة . كراع الغميم: واد أمام عسفان بثمانية أميال . وافرين: لم ينقص منهم شيء، في عرض أو مال . السالفة: صفحة العنق . الأجرل: الكثير الحجارة . إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ، ومعناه اللهم حط عنا ذنوبنا . القترة: الغبار . خلأت: بركت ولم تنهض . الْقَلِيب: البئر . جاش: ارتفع . الرواء: الكثير . العطن: مبرك الإبل حول الماء . جبهه: خاطبه بما يكره . أي: خاصته وأصحاب سره . الأحباش: جماعة تحالفوا، من قُرَيْش وكنانة وخزاعة . يتألهون: يتعبدون ويعظمون الله . عرض الوادي: جانبه . القلادة: ما يعلق في عنق الهدي إعلامًا له . أكل أوباره: تساقطت . المحل: الموضع الذي ينحر فيه من الحرم . الأوشاب: الأخلاط . بيضة الرجل: قبيلته وعشيرته . تفضها: تكسرها . انظر: ما سبق في أمر الْحُدَيْبِيَة . قال ابن هشام: أراد عروة بهذا أن المغيرة بْن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلًا من بني مالك بْن ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف: بنو رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح ذلك الأمر . ابتدروا وضوءه: تسارعوا إليه .

بيعة الرضوان:

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فحدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وكان جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على ألا نفر، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس([170])، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، أخو بني سلمة، فكان جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبأ إليها([171]) يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.

 ذكر ابن هشام أن أول من بايع رسول الله e بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي . ضبأ إليها: لصق بها واستتر .

أمر الهدنة :

ثم بعثت قُرَيْشٌ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: ائت مُحَمَّدًا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدًا، فأتاه سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلًا، قال: ((قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل)). فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح. فلما التأم الأمر([172]) ولم يبق إلا الكتاب، وثب عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية ([173]) في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه([174]) فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألست برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عَبْدُ اللَّهِ ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني، فكان عمر يقول: ما =زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق، من الذي صنعت يومئذٍ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرًا.

ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طِالِبٍ رضوان الله عليه فقال: اكتب: ((بسم الله الرحمن الرحيم)). فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب ((باسمك اللهم)). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب: ((باسمك اللهم)). فكتبها. ثم قال: اكتب: ((هذا ما صالح عليه مُحَمَّدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو)). فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب: ((هذا ما صالح عليه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر شنين، يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى مُحَمَّدًا من قُرَيْش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قُرَيْشًا ممن مع مُحَمَّدٍ لم يردوه عليه. وأن بيننا عيبة مكفوفة([175]). وأنه لا إسلال ولا إغلال([176]) وأنه من أحب أن يدخل في عقد مُحَمَّدٍ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قُرَيْشٍ وعهدهم دخل فيه)). فتواثبت خُزَاعَةُ فقالوا: نحن في عقد مُحَمَّدٍ وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قُرَيْشٍ وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مَكَّةَ، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثًا، معك سلاح الراكب، السيوف في القرب([177])، لا تدخلها بغيرها.

فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، إذا جاء أَبُو جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا، وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه، دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه([178])، ثم قال: يَا مُحَمَّدُ، قد لجت القضية([179]) بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: ((صدقت)). فجعل ينتره([180]) بتلبيبه ويجره ليرده إلى قُرَيْشٍ، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا جندل، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم)).

فوثب عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنهم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب! ويدني عمر قائم السيف منه، يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه! فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية.

فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين ورجالًا من المشركين: أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمَحْمُودَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَمِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربًا([181]) في الحل، وكان يصلي في الحرم، فلما فرغ من الصلح قدم إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ #[ الْفَتْحِ: 1، 2 ].

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا...﴾ أي: لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رأى، أنه سيدخل مكة آمنًا لا يخاف. يقول: محلقين رءوسكم ومقصرين معه لا تخافون، فعلم من ذلك ما لم تعلموا. ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ #[ الْفَتْحِ: 27]: صلح الْحُدَيْبِيَةِ. يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس. فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكَلَّمْ أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه. ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر([182]).

  التأم الأمر: اجتمعوا واتفقوا عليه . الدنية: الذل والأمر الخسيس . أي: الزم أمره . والغرز للرحل، بمنزلة الركاب للسرج . أصل العيبة وعاء من جلد يكون فيه المتاع . مكفوفة: أشرجت على ما فيها وأقفلت . ضرب ذلك مثلًا للقلوب التي طويت على ما تعاقدوا عليه . الإسلال: السرقة الخفيفة . والإغلال: الخيانة . القرب: جمع قراب، غمد السيف . التلبيب: مجمع الثياب عند الصدر والنحر، أخذ بتلبيبه: جمع عليه ثوبه عند صدره وقبض عليه يجره . لجت القضية: تم الحكم . نتره: جذبه جذبًا شديدًا . مضطرًا: مقيمًا، أي: أن أبنيته كانت مضروبة في الحل؛ لقرب الْحُدَيْبِيَة من الحرم . قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله e خرج إلى الْحُدَيْبِيَة في ألف وأربع مائة، في قول جابر بْن عَبْد اللَّهِ، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف .

ما جرى عليه أمر قوم من المستضعفين بعد الصلح:

فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أَبُو بَصِيرٍ عُتْبَةُ بْنُ أُسَيْدٍ، وكان ممن حبس بِمَكَّةِ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فيه أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ زُهْرَةَ، وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثا رجلًا من بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الأزهر والأخنس؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، فانطلق إلى قومك؛ قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال: يا أبا بصير، فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا.

فانطلق معهما، حتى إذا كان بِذِي الْحُلَيْفَةِ ([183])، جلس إلى جدار، وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم؛ قال: أنظر إليه؟ قال: انظر، إن شئت. قال: فاستله أبو بصير، ثم علاه به حتى قتله، وخرج المولى سريعًا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعًا، قال: إن هذا الرجل قد رأى فزعًا؛ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ويحك! ما =لك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي. فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحًا بالسيف، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه، أو يعبث بي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل امه محش([184]) حربٍ لو كان معه رجال!

ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص، من ناحية ذي المروة، على ساحل البحر، بطريق قُرَيْشٍ التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بِمَكَّةَ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: ((ويل امه محش حرب لو كان معه رجال!))، فخرجوا إلى أبي بصير بالعيص، فاجتمع إليه منهم قريب من سبعين رجلًا، وكانوا قد ضيقوا على قُرَيْشٍ، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها، حتى كتبت قُرَيْشٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل بأرحامها إلا آواهم، فلا حاجة لهم بهم. فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا عليه الْمَدِينَةَ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أبو بصير ثقفي.

 ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة سنة أميال، أو سبعة . ومنها: ميقات أهل المدينة . محش حرب: موقد حرب ومهيجها .

أمر المهاجرات بعد الهدنة:

وهاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ في تلك المدة، فخرج أخواها عِمَارَةُ وَالْوَلِيدُ ابْنَا عُقْبَةَ، حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قُرَيْشٍ في الْحُدَيْبِيَةِ، فلم يفعل، أبى الله ذلك.

فكتب إليه عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح قُرَيْشًا يوم الْحُدَيْبِيَةِ على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام، أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم، ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ #[ الْأَعْرَافِ: 87 ] فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم، إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء كما رد الرجال ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قُرَيْشٍ يوم الْحُدَيْبِيَةِ لأمسك النساء، ولم يردد لهن صداقًا، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.