ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة خَيْبَرَ

ذكر المسير إلى خَيْبَرَ في المحرم سنة سبع:

ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ حين رجع من الْحُدَيْبِيَةِ ذا الحجة وبعض المحرم، وولي([1]) تلك الحجة المشركون، ثم خرج في بقية المحرم إلى خَيْبَرَ([2]).

عن أَبِي مُعَتِّبِ بْنِ عَمْرٍو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خَيْبَرَ قال لأصحابه، وأنا فيهم: قفوا. ثم قال: ((اللّهُمّ رَبّ السّمَوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقَلَلْنَ ([3]) وَرَبِّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَلْنَ وَرَبِّ الرِّيَاحِ وَمَا أَذْرَيْنَ فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، أَقَدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ )). قال: وكان يقولها عليه السلام لكل قرية دخلها.([4])

وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قومًا لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار. فنزلنا خَيْبَرَ ليلًا، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا أصبح لم يسمع أذانًا، فركب وركبنا معه، فركبت خلف أبي طلحة، وإن قدمي لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقبلنا عمال خَيْبَرَ غادين، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ([5])، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش قالوا: مُحَمَّدٌ والخميس ([6]) معه! فأدبروا هرابًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ))([7]).

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المدينة إلى خَيْبَرَ سلك على عصر ([8])، فُبُنِيَ له فيها مسجد، ثم على الصهباء ([9]). ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه حتى نزل بوادٍ يقال له الرَّجِيعُ، نزل بينهم وبين غَطَفَانَ، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خَيْبَرَ، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغني أن غَطَفَانَ لما سمعت بمنزل الرسول  e  من خَيْبَرَ جمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا ([10]) يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة ([11]) سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسًا، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم أموالهم، وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خَيْبَرَ.

وتدنى ([12]) رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال يأخذها مالًا مالًا، ويفتحها حصنًا حِصنًا. فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، ألقيت عليه منه رحى فقتلته. ثم القموص حصن بني أبي الحقيق، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا، منهن صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ- وكانت عند كِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ- وبنتي عم لها، فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه.

وكان دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية، فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها. وفشت السبايا من خَيْبَرَ في المسلمين.

ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم: الْوَطِيحِ وَالسّلَالِمِ، وكان آخر حصون أهل خَيْبَرَ افتتاحًا، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة. وخرج مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ من حصنهم قد جمع سلاحه، يرتجز وهو يقول:

قَـدْ عَـلِمَـتْ خَيْبَرُ أَنِّـي مَـرْحَـبْ

شَـاكِـي الـسِّلَاحِ بَـطَلٌ مُجَـرّبْ ([13])

أَطْـعَنُ أَحْـيَـانـًا وَحِـيـنـًا أَضْـرِبْ

إِذَا الـلِّـيُـوثُ أَقْـبَلَـتْ تَحَـرّبْ ([14])

إِنَّ حِـمَـايَ لِلْـحِـمَى لَا يُـقَـرَّبْ

وهو يقول: من يبارز؟ فأجابه كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي كَعْبُ

مُفَرّجُ الْغَمّى جَرِيءٌ صُلْبُ ([15])

إذْ شَبّتْ الْحَرْبُ تَلَتْهَا الْحَرْبُ

مَعِي حُسَامٌ كَالْعَقِيقِ عَضْبُ ([16])([17])

نَطَؤُكُمْ حَتّى يَذِلّ الصّعْبُ

نُعْطِي الْجَزَاءَ أَوْ يَفِيءَ النّهْبُ

بِـكَفٍّ مَـاضٍ([18]) لَـيْسَ فِـيهِ عَـتْبُ([19])

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من لهذا؟ )) قال مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أنا له يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا والله الموتور الثائر. قُتل أخي بالأمس. قال: (( فقم إليه. اللهم أعنه عليه )). فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية([20]) من شجر العشر ([21]) فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحدٍ منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن ([22]). ثم حمل مرحب على مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فضربه فاتقاه بالدرقة ([23])، فوقع سيفه فيها، فعضت به فأمسكته. وضربه مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حتى قتله.

ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يقول: من يبارز؟ فزعم هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أن الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ قد خرج إلى ياسر فقالت أمه صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يقتل ابني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: (( بل ابنك يقتله إن شاء الله ))! فخرج الزبير فالتقيا، فقتله الزبير.

 عن سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه برايته، إلى بعض حصون خَيْبَرَ، فقاتل فرجع ولم يكُ فتح وقد جهد. ثم بعث عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فقاتل ثم رجع ولم يكُ فتح وقد جهد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَأُعْطِيَن الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبّ اللّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللّهُ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِفَرّارٍ)). فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا رضوان الله عليه، وهو أرمد، فتفل في عينه ثم قال: ((خُذْ هَذِهِ الرّايَةَ فَامْضِ بِهَا حَتّى يَفْتَحَ اللّهُ عَلَيْكَ! ))([24]).

يقول سلمة: فخرج والله بها يأنح ([25])، يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره، حتى ركز رايته في رضم ([26]) من حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طِالِبٍ. يقول اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى! فما رجع حتى فتح الله على يديه.

وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خَيْبَرَ في حصنيهم: الوطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ([27]) وأن يحقن لهم دماءهم. ففعل - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الأموال كلها: الشق، ونطاة والكتيبة، وجميع حصونهم إلا ما كان من ذينك الحصنين- فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا؟ بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل.

وكان فيمن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك مُحَيِّصَةُ ([28]) بْنُ مَسْعُودٍ، أخو بني حارثة، فلما نزل أهل خَيْبَرَ على ذلك، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف. وقالوا: نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها. فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خَيْبَرَ فيئًا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لم يجلبوا([29]) عليها بخيل ولا ركاب.

فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ، امرأة سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ، شاة مصلية ([30]). وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع. فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم    تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: ((إنّ هَذَا الْعَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أَنّهُ مَسْمُومٌ ))، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكًا استرحت منه، وإن كان نبيًا فسيخبر. فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر من أكلته التي أكل.([31])

عن مَرْوَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه، ودخلت أم بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ تعوده: يا أم بشر، إن هذا الأوان الذي وجدت فيه انقطاع أبهري ([32]) من الأكلة التي أكلت مع أخيك بِخَيْبَرَ. قال: فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدًا، مع ما أكرمه به من النبوة.

عن أبي هريرة، قال: فلما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خَيْبَرَ إلى وادي القرى نزلنا بها أصيلًا مع مغرب الشمس، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام له، أهداه له رَفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ. فوالله إنه ليضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غربٍ ([33]) فأصابه فقتله؛ فقلنا: هنيئًا له الجنة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا، والذي نفس مُحَمَّدٍ بيده، إن شملته ([34]) الآن لتحرق عليه في النار، كان غلها ([35]) من فيء المسلمين يوم خَيْبَرَ. فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصبت شراكين لنعلين لي، فقال: يقد ([36]) لك مثلهما من النار.

فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خَيْبَرَ انصرف إلى وادي القرى، فحاصر أهله ليالي ثم انصرف راجعًا إلى الْمَدِينَةِ. ولما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية، بخَيْبَرَ أو ببعض الطريق، وكانت التي جملتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من أمرها، أُمّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ، أم أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبةٍ له، وبات أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ متوشحًا سيفه، يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيف بالقبة، حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى مكانه قال: (( ما لك يا أبا أيوب؟ )) قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللّهُمّ احْفَظْ أَبَا أَيّوبَ كَمَا بَاتَ يَحْفَظُنِي! )).

ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خَيْبَرَ، فكان ببعض الطريق، قال من آخر الليل: من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ قال بلال: أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحفظه عليك. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلي فصلى ما شاء الله- عز وجل- أن يصلي، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه، فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مس الشمس. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم    أول أصحابه هب فقال: (( ماذا صنعت بنا يا بلال ))؟ قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: (( صدقت )). ثم اقتاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره غير كثير، ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس، ثم أمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فلما سلم أقبل على الناس فقال: ((إذَا نَسِيتُمْ الصّلَاةَ فَصَلّوهَا إذَا ذَكَرْتُمُوهَا، فَإِنّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ #[طه: 14].([37])

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني قد أعطى ابْنَ لُقَيْمٍ الْعَبْسِيَّ حين افتتح خَيْبَرَ ما بها من دجاجةٍ أو داجن([38])، وكان فتح خَيْبَرَ في صفر، فقال ابْنُ لُقَيْمٍ الْعَبْسِيُّ في خَيْبَرَ:

رُمِيَتْ نَطَاةٌ مِنْ الرّسُولِ بِفَيْلَقٍ 

شَهْبَاءَ ذَاتِ مَنَاكِبَ ([39]) وَفَقَارِ ([40]) ([41])

وَاسْتَيْقَنَتْ بِالذّلّ لَمَا شُيّعَتْ 

 

وَرِجَالُ أَسْلَمَ وَسْطَهَا وَغِفَارِ ([42])

صَبّحَتْ بَنِي عَمْرِو بْنِ زُرْعَةَ غُدْوَةً

وَالشّقّ أَظْلَمَ أَهْلُهُ بِنَهَارِ ([43])

جَرّتْ بِأَبْطَحِهَا الذّيُولُ فَلَمْ تَدَعْ

إلّا الدّجَاجَ تَصِيحُ فِي الْأَسْحَارِ ([44])

وَلِكُلّ حِصْنٍ شَاغِلٌ مِنْ خَيْلِهِمْ

 

مِنْ عَبْدِ أَشْهَلَ أَوْ بَنِي النّجّارِ ([45])

وَمُهَاجِرِينَ قَدْ اعْلَمُوا سِيمَاهُمْ ([46])

فَوْقَ الْمَغَافِرِ لَمْ يَنُوا لِفِرَارِ ([47])

وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَيَغْلِبَن مُحَمّدٌ

 

وَلَيَثْوِيَن بِهَا إلَى أَصْفَارِ ([48])

فَرّتْ يَهُودٌ يَوْمَ ذَلِكَ فِي الْوَغَى

تَحْتَ الْعَجَاجِ ([49]) غَمَائِمَ الْأَبْصَارِ ([50])

 ولي الحجة: قام بها وملك أمرها . واستعمل على المدينة نميلة بْن عَبْد اللَّهِ الليثي . أقللن: حملن . أخرجه الطبراني(902) المساحي: جمع مسحاة، وهي مجرفة من حديد، المكتل: قفة كبيرة . الخميس: الجيش، لانتظامه خمس فرق: الميمنة، الميسرة، والمقدمة، والمؤخرة، والقلب . أخرجه البخاري(364)، ومسلم(1365) عصر: جبل بين المدينة ووادي الفرع . الصهباء: موضع بينه وبين خيبر روحة، أي: مقدار المرة من الرواح . ليظاهروا: ليعانوا وينصروا . منقلة: مرحلة، وهي المسافة يقطعها السائر في نحو يوم . تدنى: أخذ الأدنى فالأدنى . الشاكي السلاح: التام السلاح الحديده . تحرب: أي مغضبة . الغمى: الشدة والكرب . العقيق: شعاع البرق . عضب: قاطع . بكف ماض: نافذ، كالسيف . عتب: اللوم أي: ليس فيه ما يلام عليه . عمرية: قديمة . العشر: شجر أملس ضعيف العود . فنن: الغصن المستقيم من الشجرة . بالدرقة: ترس من جلد يتوقى به . أخرجه البخاري(2847)، ومسلم(2406) يأنح: أي: به نفس شديد من الإعياء في العدو . الرضم: الحجارة المجتمعة . يسيرهم: يخرجهم ويجليهم عن بلدهم . انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص342 . لم يجلبوا عليها: لم يجتمعوا عليها بخيل أو ركاب . المصلية: المشوية . أخرجه الدارمي(68)، وأبو داود(4510)، والطبراني(1204) الأبهر: عرق إذا انقطع مات صاحبه . وهما أبهران يخرجان من القلب، ثم يتشعب منهما سائر الشرايين . سهم غرب: هو الذي لا يعلم من رماه ولا من أين أتاه . الشملة: كساء غليظ يلتف به . غلها: اختانها من المغنم . يُقد: يُقطع . أخرجه أبو داود(435)، والترمذي(3163)، وابن ماجه(697) الداجن: ما يألف بيوت الناس، كالشاة والحمامة . مناكب: جمع منكب، مجتمع رأس العضد والكتف . نطاة: حصن بخيبر . الفيلق: الكتيبة . الشهباء: البيضاء، الكثيرة السلاح . فقار: جمع فقرة من السلسلة العظيمة . ذات مناكب وفقار كناية على شدة الأبدان وقوتها . شيعت: فرقت . أسلم وغفار: قبيلتان، وفي البيت إقواء في الشعر: خالف بين حركة الروي المطلق بكسر وضم . الشق: حصن بخيبر . الأبطح: المكان السهل . قبيلتان من الأنصار .  أعلموا سيماهم: جعلوا لها علامة في الحرب . سيماهم: السيما العلامة . المغفر: ما يكون على الرأس وقاية لها في الحرب . ليثوين: ليقيمن . أصفار: جمع صفر، وهو اسم الشهر الذي فتحت فيه خيبر . فرت: كشفت، كما تفرد الدابة عن أسنانها . العجاج: الغيار . غمائم الأبصار، أراد بها الجفون .

أمر الأسود الراعي في حديث خَيْبَرَ:

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وكان من حديث الأسود الراعي، فيما بلغي: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خَيْبَرَ، ومعه غنم له، كان فيها أجيرًا لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اعرض علي الإسلام، فعرضه عليه، فأسلم - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا يحقر أحدًا أن يدعوه إلى الإسلام، ويعرضه عليه - فلما أسلم قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني كنت أجيرًا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها، فإنها سترجع إلى ربها - أو كما قال - فقال الأسود، فأخذ حفنة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدًا، فخرجت مجتمعة، كأن سائقًا يسوقها، حتى دخلت الحصن، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط؛ فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع خلفه، وسجي بشملةٍ كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه نفر من أصحابه، ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أعرضت عنه؟ قال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين.

 قدوم جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طِالِبٍ من الحبشة وحديث المهاجرين إلى الحبشة:

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عن الشعبي: أن جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طِالِبٍ رضي الله عنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خَيْبَرَ، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه، وقال: ما أدري بأيهما أنا أسر، بفتح خَيْبَرَ، أم بقدوم جعفر؟.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وكان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، فحملهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بِخَيْبَرَ، بعد الْحُدَيْبِيَةِ: من بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طِالِبٍ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، معه امرأته أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ، وابنه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وكانت ولدته بأرض الحبشة. ومن بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، معه امرأته أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَد وَابْنَاهُ سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَأُمُّهُ بِنْتُ خَالِدٍ، ولدتهما بأرض الحبشة، وأخوه عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، خازن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ على مال المسلمين، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ. ومن بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: الْأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ=. ومن بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: جَهْمُ بْنُ قَيْسٍ. ومن بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَامِرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ. ومن بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ: الْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ. ومن بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرٍو: عُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أَهْبَانَ.

ومن بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو: مَحْمِيَّةُ بْنُ الْجَزْءِ.

ومن بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ.

ومن بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: أَبُو حَاطِبِ بْنِ عَمْرٍو، وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ.

ومن بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْر بْنِ مَالِكٍ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لُقَيْطٍ.

وقد كان حمل معهم في السفينتين نساء من هلك هناك من المسلمين. فهؤلاء الذين حمل النجاشي مع عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ في السفينتين.

فجميع من قدم في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر رجلًا، وجميع من تخلف عن بدرٍ ولم يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ومن قدم بعد ذلك، ومن لم يحمل النجاشي في السفينتين - أربعة وثلاثون رجلًا.