ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

 فتح مكة

فتح مكة شهر رمضان سنة ثمان:

ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثه إلى مؤتة، جمادى الآخرة ورجبًا، ثم إن بني بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ عدت على خزاعة، وكان الذي هاج ما بين بني بكر وخزاعة أن رجلًا من بني الْحَضْرَمِيِّ، واسمه مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ - وحلف الْحَضْرَمِيِّ يومئذٍ إلى الْأَسْوَدِ بْنِ رَزَنٍ - خرج تاجرًا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بَنُو بَكْرٍ على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الْأَسْوَدِ بْنِ رَزَنٍ الدِّيلِيِّ، وهو منخر بني كنانة وأشرافهم: سُلْمَى، وَكُلْثُومٌ، وَذُؤَيْبٌ، فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم([93]).

 أنصاب الحرم: حجارة تجعل علامة بين الحل والحرم.

قتال بكر وخزاعة:

فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به. فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط لهم: أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريشٍ وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده. فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الدِّيل من بني بكر، من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منه ثأرًا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الْأَسْوَدِ بْنِ رَزَنٍ، فخرج نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيِّ، في بني الدِّيل، وهو يومئذٍ قائدهم، وليس كل بني بكر تابعه، حتى بيت ([94]) خزاعة وهو على الوتير: ماء لهم، فأصابوا منهم رجلًا، وتحاوزوا ([95]) واقتتلوا، ورفدت ([96]) بني بكرٍ قريش بالسلاح، وقاتل معهم من قريشٍ من قاتل بالليل مستخفيًا، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نَوْفَلُ، إنا قد دخلنا الحرم، إلهكَ إلهك! فقال كلمة عظيمة: لا إله له اليوم ([97])! يا بني بكرٍ أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون ([98]) في الحرم، أفلا تُصيبون ثأركم فيه؟!

وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلًا يقال له: (( مُنَبِّهٌ ))، وكان مُنَبِّهٌ رجلًا مفئودًا ([99])، خرج هو ورجل من قومه يقال له تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ، وقال له مُنَبِّهٌ: يا تَمِيمُ: انج بنفسك، فأما أنا فوالله إني لميت، قتلوني أو تركوني، لقد انبت فؤادي ([100]). وانطلق تَمِيمٌ فأفلت، وأدركوا مُنَبِّهًا فقتلوه. فلما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى دار بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، ودار مولى لهم يقال له: رَافِعٌ. فلما تظاهرت بنو بكرٍ وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق، بما استحلوا من خزاعة وكانوا في عقده وعهده، خرج عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ ثم أحد بني كعب، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، فقال:

يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا

حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا ([101])

قَدْ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدًا

ثَمَّتْ ([102]) أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا

فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَعْتَدَا ([103])

وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا

فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا

إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ([104])

فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا

إِنْ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا

وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا

وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رَصَدَا ([105])

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدًا

وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا

هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدًا ([106])

وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ))! ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان ([107]) من السماء فقال: ((إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ))([108]).

ثم خرج بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكرٍ عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: (( كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَ لِيَشُدَّ العقد وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ )). ومضى بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ وأصحابه، حتى لقوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ بِعُسْفَانَ ([109]) قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا. فلما لقي أَبُو سُفْيَانَ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ قال: من أين أقبلت يا بُدَيْلُ؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: تسيرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أو ما جئت مُحَمَّدًا؟ قال: لا. فلما راح بُدَيْلٌ إلى مكة، قال أَبُو سُفْيَانَ: لئن جاء بُدَيْلٌ المدينة لقد علف بها النوى! فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته فوجد فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُدَيْلٌ مُحَمَّدًا!

ثم خرج أَبُو سُفْيَانَ حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخل على ابنته أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بُنية، ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لقد أصابك يا بُنية بعدي شر! ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أَبِي بَكْرٍ فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل! ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله لو لم أجد إلا الذر ([110]) لجاهدتكم به! ثم خرج فدخل على عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضوان الله عليه، وعنده فَاطِمَةُ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، وعندها حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، غلام يدب بين يديها، فقال: يا عَلِيُّ، إنك أمس القوم بي رحمًا، وإني قد جئت في حاجةٍ، فلا أرجعن كما جئت خائبًا، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ويحك يا أَبَا سُفْيَانَ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نُكلمه فيه. فالتفت إلى فَاطِمَةَ فقال: يا ابنة مُحَمَّدٍ، هل لك أن تأمري بُنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذاك: أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أَبَا الْحَسَنِ، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني. قال: والله ما أعلم لك شيئًا يُغني عنك شيئًا، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكني لا أجد لك غير ذلك. فقام أَبُو سُفْيَانَ في المسجد فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت مُحَمَّدًا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئًا، ثم جئت ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت ابْنَ الْخَطَّابِ فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عَلِيًّا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يُغني ذلك شيئًا أم لا؟

قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت. قالوا: فهل أجاز ذلك مُحَمَّدٌ؟ قال: لا. قالوا: ويلك! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك، فما يُغني عنك ما قلت؟ قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

 بيت خزاعة: أوقع بهم ليلًا بغتة. تحاوزوا، يعني انحاز كل منهم إلى قبيلة. رفدت: أعانت وأعطت. أي: لا إله لنوفل، نطق بها كفرًا. ويروى: (( لتسرفون )) بالفاء. المفئود: الضعيف الفؤاد. انبت انبتاتًا: انقطع. ناشد: طالب ومذكر. الأتلد: القديم. ثمت: ثم. أعتد، من العتيد، وهو الحاضر. سيم الخسف: كلف الذل. تربد: تغير إلى السواد. كداء: موضع بأعلى مكة. رصدًا: جمع راصد، وهو المرتقب. هجدا: مصلين بالليل. العنان: السحاب. أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار(5036)  عسفان: موضع على مرحلتين من مكة. الذر: صغار النمل.

تجهيز الرسول لفتح مكة:

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز ([111])، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أَبُو بَكْرٍ على ابنته عَائِشَةَ رضي الله عنها، وهي تُحرك جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بُنية، أأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه؟ قالت: نعم؟ فتجهز. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: (( اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ ([112]) وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا ([113]) فِي بِلَادِهَا )). فتجهز الناس.

لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة كتب حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلًا ([114]) على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ([115]) ثم خرجت به. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حَاطِبٌ، فبعث عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رضي الله عنهما، فقال: (( أَدْرِكَا امْرَأَةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِكِتَابٍ إِلَى قُرَيْشٍ، يُحَذِّرُهُمْ مَا أَجْمَعْنَا لَهُ فِي أَمْرِهِمْ )). فخرجا حتى أدركاها بالخليقة، خليقة ([116]) بني أبي أحمد، فاستنزلاها ([117])، فالتمسا في رحلها ([118]) فلم يجدا شيئًا، فقال لها عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك! فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها. فدفعته إليه فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال: (( يَا حَاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ )) فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصلٍ ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم. فقال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))([119]). فأنزل الله تعالى في حَاطِبٍ: [الممتحنة: 1]

 إلى قوله: [الممتحنة: 4]إلى آخر القصة.

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أَبَا رُهْمٍ، كُلْثُومَ بْنَ حُصْيَنٍ الْغِفَارِيَّ، وخرج لعشر مضين من رمضان، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه، حتى إذا كانوا بالكديد، بين عسفان وأمج أفطر.

 الجهاز: ما يحتاجه الجيش، والمسافر. خذ العيون: الجواسيس، أو اصرفهم عن رؤيتنا. نبغتها: أي: نفجؤها. جعلا: ما جعل على العمل من أجر أو رشوة. القرون: الضفائر. خليقة: اسم موضع. والخليقة: أرض، أو البئر التي لا ماء فيها، أو البئر حديثة الحفر. فاستنزلاها: طلبا نزولها، أنزلاها. رحلها: ما معها من وعاء للمتاع وغيره. أخرجه البخاري(2915،3762)، ومسلم(2494)

نزول المسلمين مر الظهران:

ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم، وبعضهم يقول: ألفت ([120]) سليم، وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام. وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار، فلم يتخلف عنه منهم أحد.

فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران وقد عُميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدرون ما هو فاعل. وخرج في تلك الليالي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدْيَلُ بْنُ وَرْقَاءَ، يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرًا أو يسمعون به، وقد كان الْعَبَّاسْ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق، وقد كان أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا بنيق العقاب، فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أُمُّ سَلَمَةَ فيهما فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أَبِي سُفْيَانَ بني له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا! فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق بهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما.

وأنشد أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ قوله في إسلامه، واعتذر إليه مما كان مضى منه، فقال:

لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً

لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللَّاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ ([121])

لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ

فَهَذَا= أَوَانِي حِينَ أُهْدَى وَأَهْتَدِي ([122])

هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَنَالَنِي

مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَدْتُ ([123]) كُلَّ مُطَّرَدِ

أَصُدُّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ

وَأُدْعَى وَإِنْ لَمْ أَنْتَسِبْ مِنْ مُحَّمَدٍ ([124])

هُمُ ما هُمُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمُ

وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلِمُّ وَيُفَنِّدِ ([125])

أُرِيدُ لِأُرْضِيَهُمْ وَلَسْتُ بِلَائِطٍ

مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدَ فِي كُلِّ مَقْعَدِ ([126])

فَقُلْ لِثَقِيفٍ لَا أُرِيدُ قِتَالَهَا

وَقُلْ لِثَقِيفٍ تِلْكَ: غَيْرِي أَوْعِدِي= ([127])

فَمَا كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي نَالَ عَامِرًا

وَمَا كَانَ عَنْ جَرَى لِسَانِي وَلَا يَدِي ([128])

قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ

نَزَائِعُ ([129]) جَاءَتْ مِنْ سِهَامٍ وسردد ([130])

فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ونالني مع الله من طردت كل مطرد. ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: (( أَنْتَ طَرَدْتَنِي كُلَّ مُطَّرَدِ))!([131])

فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، قال الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فقلت: واصباح قريش ([132])! والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر! قال الْعَبَّاسُ: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك ([133])، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة، يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.

سبعت: بلغت سبعمائة، وألفت: بلغت ألفًا. أحمل راية: أي: أقود الناس للحرب. خيل اللات: يعني جيوش الكفر والوثنية. المدلج: الذي يسير ليلًا. طردت: مبالغة في الطرد. أنأى: أبعد. يفند: يكذب. لائط: ملتصق. أوعدي: من الإيعاد. الإيعاد: التهديد. عن جرا: أي: من جراء ذلك. نزائع: غرباء. سهام وسردد: موضعان في بلاد عك. أخرجه ابن سعد في الطبقات(4/51)، والحاكم(4359) واصباح قريش: تقال إذا نذرت بغارة تفجؤهم صباحًا. الأراك: الشجر، وهو شجر المسواك.

إسلام أَبِي سُفْيَانَ:

قال: فوالله إني لأسير عليها، وألتمس ما خرجت له، إذا سمعت كلام أَبِي سُفْيَانَ وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وهما يتراجعان، وَأَبُو سُفْيَانَ يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا. يقول بُدَيْلٌ: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب ([134]) ويقول أَبُو سُفْيَانَ: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها! قال: فعرفت صوته، فقلت: يا أَبَا حَنْظَلَةَ! فعرف صوتي فقال: أَبُو الْفَضْلِ؟ قلت: نعم. قال: مالك؟ فداك أبي وأمي؟ قلت: ويحك يا أَبَا سُفْيَانَ! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس. واصباح قريش والله! قال: فما الحلية، فداك أبي وأمي؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. فركب خلفي ورجع صاحباه. فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا! فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها، قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أَبَا سُفْيَانَ على عجز الدابة قال: أَبُو سُفْيَانَ عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقدٍ ولا عهد. ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة ([135])، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عُمَرُ فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أَبُو سُفْيَانَ قد أمكن الله منه بغير عقدٍ ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه. قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني قد أجرته! ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه ([136])، فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل! فلما أكثر عُمَرُ في شأنه، قلت: مهلًا يا عُمَرُ، فوالله أن لو كان من بني عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عَبْدِ مَنَافٍ. فقال: مهلًا يا عَبَّاسُ، فلإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الْخَطَّابِ لو أسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اذْهَبْ بِهِ يَا عَبَّاسُ إِلَى رَحْلِكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ» .

فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ ([137]) أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ )) قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد! قال: (( وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لك أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ )) قال: بأبي وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا! فقال له الْعَبَّاسُ: ويحك؟ أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. قال الْعَبَّاسُ: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن أَبَا سُفْيَانَ رجل يُحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا. قال: (( نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ )). فلما ذهب لينصرف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يَا عَبَّاسُ احْبِسْهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ ([138]) حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا)). قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه، ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عَبَّاسُ، من هذه؟ فأقول: سليم. فيقول: مالي ولسليم. ثم تمر القبيلة فيقول: يا عَبَّاسُ، من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول مالي ولمزينة، حتى نفذت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها، فإذا أخبرته بهم، قال: مالي ولبني فلان، حتى مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته (( الخضراء )) ([139] فيها المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عَبَّاسُ، من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار.

قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة! والله يا أَبَا الْفَضْلِ، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا! قلت: يا أَبَا سُفْيَانَ ، إنها النبوة. قال: فنعم إذن. قلت: النجاء ([140]) إلى قومك! حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا مُحَمَّدٌ قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أَبِي سُفْيَانَ فهو آمن! فقامت إليه هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ([141])، قبح من طليعة قوم ([142])! قال: ويلكم، لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أَبِي سُفْيَانَ فهو آمن! قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن! فتفرق الناس دورهم وإلى المسجد.([143])

 حمشتها الحرب: أحرقتها وصليت بنارها. ركضت البغلة: ضربت جنبيها برجلي لأحثها على السير. أخذت برأسه: أمسكت بها. ألم يأن لك: أي: ألم يحن لك. خطم الجبل: أنف يخرج منه يضيق به الطريق. ابن هشام: إنما قيل لها: الخضراء؛ لكثرة الحديد وظهوره فيها.  النجاء: الإسراع. الحميت: زق السمن. الدسم: الكثير الودك. الودك: الدسم. الأحمس: الشديد اللحم. شبه بالزق لضخمه وسمنه. الطليعة: الذي يحرس القوم. أخرجه الطبراني(7264) بقصة إسلام أبي سفيان كاملة.

دخول المسلمين مكة:

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرًا ([144]) بشقة بُردٍ حبرةٍ ([145]) حمراء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ([146]) ليكاد يمس واسطة الرحل.

وعن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى قال أَبُو قُحَافَةَ لابنةٍ من أصغر ولده: أي بُنية اظهري بي على أَبِي قُبَيْسٍ ([147]) – وقد كف بصره- فأشرفت به عليه فقال: أي بُنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا، قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلًا يسعى بين يدي ذلك مُقبلًا ومدبرًا. قال: أي بُنية، ذلك الوازع- يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها- ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: قد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فانحطت ([148]) به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفي عنق الجارية طوق من ورق ([149])، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها. قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( هَلَّا تَرَكْتِ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ؟ )) قال أبو بكر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره ثم قال له: @(( أَسْلِمْ )). فأسلم فدخل به أبو بكر وكأن رأسه ثغامة ([150])، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( غَيِّرُوا هَذَا مِنْ شَعْرِهِ )). ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته، وقال: أنشد الله والإسلام طوق أختي! فلم يجبه أحد، فقال: أي أخية، احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل([151]).

وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وحنين والطائف: شعار المهاجرين: يا بني عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وشعار الخزرج: يا بني عَبْدِ اللَّهِ، وشعار الأوس: يا بني عُبَيْدِ اللَّهِ. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين، حين أمرهم أن يدخلوا مكة، ألا يقاتلوا، إلا أنه قد عهد في نفرٍ سماهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، أخو بني عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله؛ لأنه قد كان أسلم، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فارتد مشركًا راجعًا إلى قريش، ففر إلى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وكان أخاه للرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة، فاستأمن له. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلًا، ثم قال: (( نَعَمْ )). فلما انصرف عنه عُثْمَانُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله من أصحابه: (( لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ )). فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: @(( إِنَّ النَّبِيَّ لَا يَقْتُلُ بِالْإِشَارَةِ )) ([152]).

«عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ»: رجل من بني تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ. إنما أمر بقتله أنه كان مسلمًا. فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقًا ([153]) وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلمًا، فنزل منزلًا وأمر المولى أن يذبح له تيسًا فيصنع له طعامًا، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا. فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا. وكانت له قينتان: فرتنى وصاحبتها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهما معه.

و ((الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ))، وكان ممن يؤذيه بمكة. و ((مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ)) ([154])، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لقتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مشركًا.

و (( سَارَةُ )) مولاة لبعض بني عبد المطلب، و (( عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ )). وكانت سَارَةُ ممن يؤذيه بمكة. فأما عِكْرِمَةُ فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فاستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، فخرجت في طلبه إلى اليمن، حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم.

وأما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فقتله سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، اشتركا في دمه. وأما مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ فقتله نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رجل من قومه، فقالت أخت مِقْيَسٍ في قتله:

فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَ مِقْيَسٍ

إِذَا النُّفَسَاءُ أَصْبَحَتْ لَمْ تَخْرُسِ ([155])

وأما قينتا ابْنِ خَطَلٍ فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، فأمنها. وأما سَارَةُ فاستؤمن لها فأمنها، ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسًا، في زمن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بالأبطح فقتلها، وأما الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ فقتله عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

عن أُمِّ هَانِئٍ ابْنَةِ أَبِي طَالِبٍ قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم - وكانت عند هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيِّ - قالت: فدخل علي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أخي، فقال: والله لأقتلنهما! فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنةٍ إن فيها لأثر العجين، وَفَاطِمَةُ ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي، فقال: «مرحبًا وأهلًا يا أُمَّ هَانِئٍ، ما جاء بك؟» فأخبرته خبر الرجلين وخبر عَلِيٍّ. فقال: «قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما!»([156]) قال ابْنُ هِشَامٍ: هما الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.

 الاعتجار: التعميم بغير ذؤابة. الشقة: النصف. والحبرة: ضرب من برود اليمن. عثنونه: ما نبت على الذقن وتحته سفلًا. اظهري بي: اصعدي. أبو قبيس: جبل بمكة. فانحطت به: نزلت به وانحدرت. الطوق: القلادة. الورق: الفضة. الثغامة: واحدة الثغام، نبث أشد ما يكون بياضًا إذا أمحل، يشبهون به الشيب. أخرجه أحمد(27001)، وابن حبان(7208) قال ابن هشام: ثم أسلم بعد فولاه عمر بن الخطاب بعض أعماله، ثم ولاه عثمان بن عفان بعد عمر. المصدق: جامع الصدقات، وهي الزكوات. انظر: جمهرة أنساب العرب 182. لم تخرس: لم يصنع لها طعام الولادة، واسمه الخرس والخرسة، بضم الخاء. أرادت شدة الزمان. أخرجه البخاري(350)، ومسلم(336)