ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة حنين

غزوة حُنين في سنة ثمان، بعد الفتح:

ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مَالِكُ بْنُ عَوْفِ النَّصْرِيُّ، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها! واجتمعت نصر وجشم كلها، وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم. وفي بني جشم دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةَ، شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخًا مجربًا. وفي ثقيف سيدان لهم، وفى الأحلاف قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبٍ. وفي بني مالك ذُو الْخِمَارِ سَبِيعِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ، وأخوه أَحْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ. وجماع أمر الناس إلى مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ.

فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم، فلما نزل بأوطاس ([1]) اجتمع إليه الناس وفيهم دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ في شجارٍ له ([2]) يقاد به. فلما نزل قال: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس ([3]) ولا سهل دهس ([4])، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُعَارَ الشَّاءِ ([5])؟ قالوا: ساق مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أَيْنَ مَالِكٌ؟ قيل: هذا ملك. ودعي له، فقال: يا ملك، إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَيَّامِ! مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُعَارَ الشَّاءِ؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم. قال: وَلِمَ ذَاكَ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجلٍ منهم أهله وماله ليقاتل عنهم، فأنقض به([6]). ثم قال: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ! وهل يرد المنهزمَ شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد. قال: غاب الحد ([7]) والجد، ولو كان يوم علاءٍ ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب! ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان ([8]) من عامر، لا ينفعان ولا يضران! يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة ([9]) بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا. ارفعهم إلى متمنع ([10]) بلادهم وعليا ([11]) قومهم، ثم الق الصباء ([12]) على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك قد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر عقلك! والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري- وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأي- فقالوا: أطعناك. فقال دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني:

يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعٌ ([13])

أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعُ ([14])

أَقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمْعِ ([15])

كَأَنَّهَا شَاةٌ صُدَعُ ([16])

ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون ([17]) سيوفكم، ثم شدوا شدة رجلٍ واحد! ولما سمع بهم نبي الله    بعث= إليهم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّ، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم. فانطلق ابْنُ حَدْرَدٍ، فدخل فيهم، فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه. ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر.

فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم ذكر له أن عند صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أدراعًا له وسلاحًا، فأرسل إليه وهو يومئذٍ مشرك، فقال: «يَا أَبَا أُمَيَّةَ، أَعِرْنَا سِلَاحَكَ هَذَا نَلْقَ فِيهِ عَدُوَّنَا غَدًا». فقال صَفْوَانُ: أغصبًا يا محمد؟ قال: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْكَ».([18]) قال: ليس بهذا بأس! فأعطاه مائة درعٍ بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها، ففعل.

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلافٍ من أصحابه الذين خرجوا معه، ففتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفًا. واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَتَّابَ بْنَ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعَيْصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ على مكة، أميرًا على من تخلف عنه من الناس. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه يريد لقاء هوازن.

عن الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ قال:

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، فسرنا معه إلى حنين، وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرة عظيمة خضراء، يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنةٍ، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يومًا، فرأينا، ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة ([19]) خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أَكْبَرُ! قُلْتُمْ- وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ- كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: [الأعراف: 138]. إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.

عن جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في وادٍ من أودية تهامة أجوف خطوط ([20])، إنما ننحدر فيه انحدارًا، وفي عماية الصبح ([21])، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ([22]) ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجلٍ واحد، وانشمر الناس ([23]) راجعين لا يلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ثم قال: أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟ هَلُمُّوا إِلَيَّ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ! فَلِأَيِّ شَيْءٍ ([24]) حملت الْإِبِلُ بَعْضها عَلَى بَعْضٍ ؟! فانطلق الناس، إلا أنه قد بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.

قال ابن إسحاق: فلما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر! وإن الأزلام ([25]) لمعه في كنانته.

وصرخ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ: ألا بطل السحر اليوم! وقال شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ قلت: اليوم أدرك ثأري من محمد ([26])، اليوم أقتل محمدًا! فأدرت برسول الله صلى الله عليه وسلم لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني.

وحدثني بعض أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين فصل من مكة إلى حنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله: (( لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ )) ([27])!

عن العباس بن عبد المطلب قال: إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة ([28]) بغلته البيضاء، قد شجرتها ([29]) بها، وكنت امرأ جسيمًا شديد= الصوت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس: أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟ فلم أر الناس يلوون على شديد فقال: يَا عَبَّاسُ، اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السَّمُرَةِ ([30]). قال: فأجابوا: لبيك لبيكَ! فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم ([31]) عن بعيره ويخلي سبيله، فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة، استقبلوا الناس فاقتتلوا. وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار! ثم خلصت أخيرًا: يا للخزرج! وكانوا صبرًا عند الحرب، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم([32]) وهو يجتلدون، فقال: الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ ([33])!([34])

عن جابر بن عبد الله قال: بينا ذلك الرجل من هوازن، صاحب الراية، على جمله يصنع ما يصنع، إذ هوى له علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- ورجل من الأنصار يريدانه، فيأتيه علي بن أبي طالب من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل ([35]) فوقع على عجزه ([36])، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه ([37]) بنصف ساقه، فانجعف ([38]) عن رحله، واجتلد الناس، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وكان ممن صبر يومئذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر بغلته ([39])، فقال: (( مَنْ هَذَا؟ )) قال: أنا ابن أمك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم!

عن عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أُمَّ سُلَيْمٍ بِنْتَ مِلْحَانَ، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزها الجمل ([40])، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته ([41]) مع الخطام ([42])، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أُمَّ سُلَيْمٍ )). قالت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَوْ يَكْفِي اللَّهُ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ )) قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به ([43]). يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقوله الرميصاء ([44])!([45])

عن أَبِي قَتَادَةَ قال: رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلمًا ومشركًا، وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم، فأتيته، فضربت يده فقطعتها، واعتنفني ([46]) بيده الأخرى، فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم، وكاد يقتلني؛ فلولا أن الدم نزفه لقتلني، فسقط، فضربته فقتلته، وأجهضني عنه القتال ([47])، ومر به رجل من أهل مكة فسلبه. فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: @((مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ)). فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لقد قتلت قتيلًا ذا سلب، فأجهضني عنه القتال فما أدري من استلبه؟ فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-: لا والله، لا يرضيه منه، تعمد إلى أسدٍ من أسد الله، يقاتل عن دين الله، تقاسمه سلبه؟! اردد عليه سلب قتيله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( صَدَقَ ارْدُدْ عَلَيْهِ سَلَبَهُ )). قال أَبُو قَتَادَةَ: فأخذته منه، فبعته، فاشتريت بثمنه مخرفًا ([48])، فإنه لأول مالٍ اعتقدته ([49])([50]).

قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر ([51]) القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلًا تحت رايتهم، فيهم عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبٍ، وكانت رايتهم مع ذي الخمار ([52])، فلما قتل أخذها عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فقاتل بها حتى قتل.

ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وعسكر بعضهم بأوطاس. وتوجه بعضهم نحو نخلة، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا ([53]).

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ، فأدرك من الناس بعض من انهزم، فناوشوه القتال، فرمي أبو عامرٍ بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري، وهو ابن عمه، فقاتلهم، ففتح الله على يديه وهزمهم.

وخرج مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ عند الهزيمة، فوقف في فوارس من قومه على ثنيةٍ ([54]) من الطريق وقال لأصحابه: قفوا حتى تمضي ضعفاؤكم، وتلحق أخراكم. فوقف هناك حتى مضى من كان لحق بهم من منهزمة الناس.

قال ابْنُ هِشَامٍ: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر، وحديثة: أن أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيَّ لقي يوم أوطاسٍ عشرة إخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أَبُو عَامِرٍ وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أَبُو عَامِرٍ؛ ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أَبُو عَامِرٍ، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أَبُو عَامِرٍ. ثم جعلوا يحملون عليه رجلًا رجلًا، ويحمل أَبُو عَامِرٍ وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة، وبقي العاشر، فحمل على أَبِي عَامِرٍ، وحمل عليه أَبُو عَامِرٍ، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه؛ فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي، فكف عنه أَبُو عَامِرٍ، فأفلت؛ ثم أسلم بعد فحسن إسلامه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: هَذَا شَرِيدُ أَبِي عَامِرٍ.

مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس متقصفون ([55]) عليها، فقال: مَا هَذَا؟ فقالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه: (( أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهَاكَ أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا ([56]) ))([57]). وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذٍ: (( إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى بِجَادٍ - رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ - فَلَا يَفْلِتَنَّكُمْ ))، وكان قد أحدث حدثًا ([58]). فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشَّيْمَاءَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنفوا ([59]) عليها في السياق، فقالت للمسلمين: تعلموا والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة! فلم يصدقوها حتى أتوا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما انتهى بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أختك من الرضاعة. قال: ((وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟)) قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك ([60]). فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فبسط لها رداءه، فأجلسها عليه، وخيرها، وقال: إِنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مَحَبَّةٌ مكرمة، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ ([61]) وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ. فقالت: تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها، فزعمت بنو سعدٍ أنه أعطاها غلامًا له، يقال له: مَكْحُولٌ، وجارية، فزوجت أحدهما الأخرى فلم يزل فيهم من نسلها بقية.

قال ابْنُ هِشَامٍ: وأنزل الله عز وجل في يوم حنين: [التوبة: 25]إلى قوله: [التوبة: 26].

قال ابن إسحاق: ثم جمعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست بها.

 أوطاس: واد في ديار هوازن. الشجار: شبه الهودج مكشوف الأعلى. الحزن: المرتفع من الأرض. الضرس: الذي فيه حجارة محددة. الدهس: اللين الكثير التراب. يعار الشاء: صوتها. أنقض به، من الإنقاض، وهو أن يلصق لسانه بالحنك ثم يصوت في حافتيه، يفعلون ذلك عند إنكار القول أو العمل. الحد: الشجاعة والحدة. الجذع: الضعيف في الحرب، كأنه الجذع من الإبل. البيضة: الجماعة. متمنع: ما يمتنع ويحتمى به. عليا: الرفعة والشرف، وهي مفردة جمعها علا. الصباء: جمع صابئ، كانوا يسمون المسلمين بذلك؛ لأنهم خرجوا عن دين الوثنية إلى الإسلام. الجذع: الشاب. الخبب والوضع: ضربان من السير. الوطفاء: الطويلة الشعر. الزمع: الشعر الذي فوق مربط القيد. الشاة: الوعل. الصدع: الوسط بين العظيم والحقير. جفون: جمع جفن، غمد السيف. أخرجه أحمد(15337)، وأبو داود(3562) مختصرا وأخرج الحاكم(4369) القصة بطولها. سدرة: شجرة النبق. أجوف: متسع. حطوط: منحدر. عماية الصبح: ظلامه قبل أن يتبين. الأحناء: الجوانب. انشمروا: انفضوا وانهزموا. أي لشيء عظيم. الأزلام: السهام التي كانوا يستقسمون بها ويخضعون لحكمها. كان أبوه قد قتل يوم أحد. هذا القول قاله رجل من بكر، انظر: الكامل لابن الأثير (2/178). الحكمة: اللجام. شجرها بها: وضعها في شجرها وهو مجتمع اللحيين. السمرة: أشجار الطلح، وأصحاب السمرة كنية للأنصار. يقتحم عن بعيره: يرمي بنفسه عنه. مجتلد القوم: موضع جلادهم بالسيوف، حيث تكون المعركة. الوطيس: المعركة. وهي كلمة لم تسمع إلا من الرسول. أخرجه مسلم(1775 عرقوبي الجمل: ما يكون في رجله بمنزلة الركبة في يده. عجزه: مؤخره. أطن قدمه: أطارها وسمع لضربه طنين أو دوي. انجعف: سقط سريعًا. الثفر: السير في مؤخر السرج. يعزها: يغلبها. الخزامة: حلقة من شعر تجعل في أنف البعير. الخطام: الزمام، ما وضع على أنف الجمل ليقاد به. بعج بطنه بالسكين: شقه وخضخضه فيه. الرميصاء: مصغر الرمصاء، من الرمص، وهو القذى يكون في العين. أخرجه أحمد(14007)، وأخرجه ابن حبان مختصرا(7185) اعتنقني: اعتنقا: جعل كل منهما يديه على عنق الآخر. أجهض عنه: شغلني وضيق علي وغلبني. المخرف: نخلة واحدة، أو نخلات يسيرة إلى عشر. وما فوق ذلك فهو بستان أو حديقة. اعتقدته: أي ملكته. أخرجه البخاري(2973)، ومسلم(1751) استحر: اشتد. ذو الخمار: هو عوف بن الربيع. الثنايا: جمع ثنية، الطريق في الجبل. الثنية: موضع مرتفع بين جبلين. متقصفون: مزدحمون. العسيف: الأجير والعبد المستعان به. أخرجه أحمد(16035)، والنسائي في الكبرى(8626) ، وابن ماجه(2842)، والطحاوي في شرح معاني الآثار(4778)  أحدث حدثًا: وقع منه أمر حادث منكر غير معتاد. عنفوا عليها: أخذوها بشدة وقسوة، لاموها وعيروها. توركته: حملته على وركها. أمتعك: أعطيك ما يكون به التمتع، أي: الانتفاع.