ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة الطائف

غزوة الطائف في سنة ثمان:

ولما قدم فل ثقيف ([62]) الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع ([63]) للقتال، ولم يشهد حنينًا ولا حصار الطائف عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، ولا غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ، كانا بجرشٍ يتعلمان صنعة الدبابات ([64]) والمجانيق ([65]) والضبور ([66]). ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين، فقال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حين أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى الطائف:

قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ

وَخَيْبَرَ، ثُمَّ أَجْمَمْنَا السُّيُوفَا ([67])

نُخَيِّرُهَا، وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ

قَوَاطِعُهُنَّ ([68]) دَوْسًا أَوْ ثَقِيفًا

فَلَسْتُ لِحَاضِنٍ ([69]) إِنْ لَمْ تَرُوهَا

بِسَاحَةِ دَارِكُمْ مِنَّا أُلُوفَا

وَنَنْتَزِعُ الْعُرُوشَ بِبَطْنِ وَجٍّ

وَتُصْبِحُ دَارُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفَا ([70])

فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم علي نخلة اليمانية, ثم على قرن ثم على المليح, ثم على بحرة الرغاء من لية ([71]), فابتنى بها مسجدًا فصلى= فيه, فحدثني عمرو بن شعيب: أنه أقاد يومئذ ببحره الرغاء, حين نزلها, بدم, وهو أول دم أقيد به في الإسلام, رجل من بني ليث قتل رجلًا من بني هذيل, فقتله به؛ وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو بلية, بحصن مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فهدم. ثم سلك في طريق يقال له الضيقة, ثم خرج منها على نخب, حتى نزل تحت سدرة يقال لها : (( الصادرة )), قريبًا من مال رجل من ثقيف, فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ وَإِمَّا أَنْ نَخْرِبَ عَلَيْكَ حَائِطَكَ ([72]). فأبى أن يخرج, فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخرابه. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قريبًا من الطائف, فضرب به عسكره ([73]), فقتل به ناس من أصحابه بالنبل, وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم, ولم يقدر المسلمون علي أن يدخلوا حائطهم, أغلقوه بالطائف اليوم, فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة, ومعه امرأتان من نسائه, إحداهما: أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ, فصرب لهم قبتين ثم صلى بين القبتين. ثم أقام, فلما أسلمت ثقيف بنى علي مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية بن وهب مسجدًا, وكانت في ذلك المسجد سارية ([74]), فيما يزعمون, لا تطلع الشمس عليها يومًا من الدهر إلا سمع لها نقيض ([75]), فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم قتالًا شديدًا, وتراموا بالنبال ([76]).

حتى إذا كان يوم الشدخة ([77]) عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابةٍ ([78])، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد ([79]) محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالًا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون.

وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق، وهو محاصر ثقيفًا: (( يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أُهْدِيَتْ لِي قُبَّعَةٌ ([80]) مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا، فَنَقَرَهَا دِيكٌ فَهَرَاقَ مَا فِيهَا )). فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ )).

ثم إن خُوَيْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةَ، وهي امرأة عثمان، قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ، أو حلي الْفَارِعَةِ بِنْتِ عَقِيلٍ- وكانتا من أحلى نساء ثقيف ([81])- فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (( وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَْنْ لِي فِي ثَقِيفٍ يَا خُوَيْلَةُ؟ )) فخرجت خويلة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما حديث حدثتنيه خُوَيْلَةُ زعمت أنك قلته؟ قال: (( قَدْ قُلْتُهُ )). قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (( لَا )). قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: (( بَلَى )). قال: فأذن عمر بالرحيل.

فلما استقل الناس ([82]) نادى سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ألا إن الحي مقيم. ويقول عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أجل والله مجدة كرامًا. فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عُيَيْنَةُ، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني والله ما جئت لأقاتل ثقيفًا معكم، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيفٍ جارية أتطئها، لعلها تلد لي رجلًا، فإن ثقيفًا قوم مناكير ([83]).

ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامته ممن كان محاصرًا بالطائف عبيد، فأسلموا، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لَا، أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللَّهِ )). وكان ممن تكلم فيهم الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ.

جميع من استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلًا: سبعة من قريش، وأربعة من الأنصار، ورجل من بني ليث.

فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطائف بعد القتال والحصار، قال بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى= يذكر حنينًا والطائف:

كَانَتْ عُلَالَةً ([84]) يَوْمَ بَطْنِ حُنْيَنٍ ([85])

وَغَدَاةَ أَوْطَاسٍ ([86]) وَيَوْمَ الْأَبْرَقِ ([87])

جَمَعَتْ بِإِغْوَاءٍ ([88]) هَوَازِنُ جَمْعَهَا

فَتَبَدَّدُوا كَالطَّائِرِ الْمُتَمَرِّقِ ([89])

لَمْ يَمْنَعُوا مِنَّا مُقَامًا وَاحِدًا

إِلَّا جِدَارَهُمْ وَبَطْنَ ([90]) الْخَنْدَقِ

وَلَقَدْ تَعَرَّضْنَا لِكَيْمَا يَخْرُجُوا

فَتَحَصَّنُوا مِنَّا بِبَابٍ مُغْلَقِ

تَرْتَدُّ حَسْرَانًا إِلَى رَجْرَاجَةٍ

شَهْبَاءَ تَلْمَعُ بِالْمَنَايَا فَيْلَقِ ([91])

مَلْمُومَةٌ خَضْرَاءُ لَوْ قَذَفُوا بِهَا

حُضْنًا لَظَلَّ كَأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقِ ([92])

مَشَى الضِّرَاءُ ([93]) عَلَى الْهَرَاسِ ([94]) كَأَنَّنَا

قُدْرٌ ([95]) تُفَرَّقُ فِي الْقِيَادِ وَتَلْتَقِي

فِي كُلِّ سَابِغَةٍ إِذَا اسْتَحَصْنَتْ

كَالنَّهْيِ هَبَّتْ رِيحُهُ الْمُتَرَقْرِقِ ([96])

جُدُلٌ تَمَسُّ فُضُولُهُنَّ ([97]) نِعَالَنَا

مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ وَآلِ مُحَرِّقِ ([98])

الفل: الجماعة المنهزمون. الصنائع: جمع صنيعة، السيف أو السهم المجلو المجرب. الدبابة: آلة من الآت الحرب، يدخل فيها الرجال فيدبون بها إلى الأسوار لينقبوها. المجانيق: جمع منجنيق، وهي من آلات الحصار، يرمي بها الحجارة الثقيلة ونحوها. الضبور: جمع مثل الأسفاط، يتقي بها في الحرب عند الانصراف. الريب: الشك. أجممنا السيوف: أرحناها. قواطعهن: السيف القاطع: الماضي. لحاضن: الحاضن: المرأة التي تحضن ولدها. العروش: سقوف البيوت. وج: موضع بالطائف. خلوف: تغيب عنها أهلها قرن, ومليح, وبحرة الرغاء, ولية: مواضع بالطائف. حائطك: بستانك, جدارك. أي: نصب الخيام للجنود. سارية: عمود, أسطوانة. النقيض: الصوت. قال ابن هشام: (( ورماهم رسول اللهe بالمنجنيق. حدثني من أثق به أن رسول الله e أول من رمي في الإسلام بالمنجنيق رمى أهل الطائف )). يوم الشدخة: الشدخة: الكسر في كل شيء رطب. دبابة: آلة تتخذ للحرب وهدم الحصون، يدخل فيها الرجال. سكك الحديد: حديدة المحراث التي يحرث بها. القبعة: القدح. أي من أكثرهن حليًّا. استقل الناس: مضوا وارتحلوا. مناكير: ذوو دهاء وفطنة. العلالة: جري بعد جري، أي: قتال. وحذف التنوين للضرورة. حنين: تصغير حنين. أوطاس: وادٍ في ديار هوازن. يوم الأبرق: الأبرق مكان غليظ فيه حجارة ورمل وطين مختلطة. الإغواء: الإضلال. والغي: خلاف الرشد. المتمرق: المتساقط المنتثر. بطن الخندق: جوفه. حسرى: جمع حسير: الرجراجة: الكتيبة الضخمة. الشهباء: البيضاء لما فيها من لمعان الحديد. ملمومة: مجتمعة. خضراء؛ لما بها من السلاح. حضن: جبل بأعلى نجد. مشي الضراء: أي في استخفاء وتختل. الهراس: نبات له شوك. قدر: جمع قدور، وهي الخيل تجعل أرجلها في مواضع أيديها إذا مشت. ويروى: (( فدر )) بالفاء، وهي الوعول المسنة. السابغة: الدرع التامة. والنهي: الغدير من الماء. فضولهن: أطرافهن. الجدل: جمع جدلاء، وهي الدرع الجيدة النسيج. آل محرق: آل عمرو بن هند ملك الحيرة.

أمر أموال هوازن وسباياها وعطايا المؤلفة قلوبهم منها، وإنعام رسول الله e  فيها:

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف على دحنا ([99]) حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس، ومعه من هوازن سبي كثير، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ادع عليهم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ )).([100])

ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل والشاء ما لا يدرى ما عدته، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك.

وقام رجل من هوازن ثم أحد بني سعد بن بكر، يقال له زهير، يكنى أَبَا صُرَدٍ، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما في الحظائر ([101]) عماتك وخالاتك وحواضنك ([102]) اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا ([103]) لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، أو لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته ([104]) علينا، وأنت خير المكفولين! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ؟ )) فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، خيرنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا. فقال لهم: @(( أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِذَا مَا أَنَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ بِالنَّاسِ، فَقُومُوا فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فَسَأُعْطِيكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، وَأَسْأَلُ لَكُمْ)). فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: @((وَأَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ)). فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بلى، ما كان فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ لبني سليم: وهنتموني ([105]). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَمَّا مَنْ تَمَسَّكَ مِنْكُمْ بِحَقِّهِ مِنْ هَذَا السَّبْيِ فَلَهُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ سِتُّ فَرَائِضَ. مِنْ أَوَّلِ سَبْيٍ أُصِيبُهُ، فَرُدُّوا إِلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ )).([106]) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن، وسألهم عن مالك بن عوف: (( مَا فَعَلَ؟ )). فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَخْبِرُوا مَالِكًا أَنَّهُ إِنْ أَتَانِي مُسْلِمًا رَدَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَأَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ )). فأتي مَالِكٌ بذلك فخرج إليه من الطائف. وقد كان مَالِكٌ خاف ثقيفًا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ما قال فيحبسوه، فأمر براحلته فهيئت له، وأمر بفرس له فأتي به الطائف، فخرج ليلًا فجلس على فرسه، فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس، فركبها، فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه، فقال مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ حين أسلم:

مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ

فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ بِمِثْلِ مُحَمَّدِ

أَوْفَى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ ([107]) إِذَا اجْتُدِيَ ([108])

وَمَتَى تَشَأْ يُخْبِرْكَ عَمَّا فِي غَدِ

وَإِذَا الْكَتِيبَةُ عَرَّدَتْ أَنْيَابَهَا

بِالسَّمْهَرِيِّ وَضَرَبَ كُلَّ مُهَنَّدِ ([109])

فَكَأَنَّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ

وَسْطَ الْهَبَاءَةِ خَادر فِي مرصد ([110])

فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وتلك القبائل: ثمالة، وسلمة، وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفًا، لا يخرج لهم سرح ([111]) إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم، فقال أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ:

هَابَتِ الْأَعْدَاءُ جَانِبَنَا

ثُمَّ تَغْزُونَا بَنُو سَلَمَهْ

وَأَتَانَا مَالِكٌ بِهِمْ

نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالْحُرُمهْ

وَأَتَوْنَا فِي مَنَازِلِنَا

وَلَقَدْ كُنَّا أُولِي نِقْمَهْ

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من رد سبايا حنين إلى أهلها، ركب، واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم! حتى ألجئوه إلى شجرة، فاختطفت عنه رداءه، فقال: @(( رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي أَيُّهَا النَّاسُ، فَوَاللَّهِ أَنْ لَوْ كَانَ لَكُمْ بِعَدَدِ شَجَرِ تِهَامَةَ نِعَمًا لَقَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ مَا أَلْفَيْتُمُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذَّابًا)). ثم قام إلى جنب بعير فأخذ وبرة من سنان نجعلها بين أصبعيه ثم رفعها ثم قال: @«أَيُّهَا النَّاسُ وَاللَّهِ مَالِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةِ إِلَّا الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْخَيْطَ ([112])، فَإِنَّ الْغُلُولَ ([113]) يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ عَارًا وَنَارًا وَشَنَارًا ([114]) يَوْمَ الْقِيَامَةِ )). فجاء رجل من الأنصار بكبةٍ ([115]) من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر ([116]). فقال@: أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَكَ! قال: أما إذ بلغت هذا فلا حاجة لي بها. ثم طرحها من يده.([117])

قال ابْنُ هِشَامٍ: وذكر زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عن أبيه: أن عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ دخل يوم حنين على امرأته فَاطِمَةَ بِنْتِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وسيفه متلطخ دمًا، فقالت: إني قد عرفت أنك قد قاتلت، فماذا أصبت من غنائم المشركين؟ فقال: دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، فسمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شيئًا فليرده، حتى الخياط والمخيط. فرجع عَقِيلٌ، فقال: ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت، فأخذها، فألقاها في الغنائم.

وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافًا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ مائة بعير، وأعطى ابنه مُعَاوِيَةَ مائة بعير، وأعطى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مائة بعير، وأعطى الْحَارِثَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ مائة بعير، وأعطى الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ مائة بعير، وأعطى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مائة بعير، وأعطى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى مائة بعير، وأعطى الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ مائة بعير، وأعطى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مائة بعير، وأعطى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ مائة بعير، وأعطى مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النَّصْرِيَّ مائة بعير، وأعطى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مائة بعير، فهؤلاء أصحاب المئين.

وأعطى دون المائة رجالًا من قريش، منهم مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو أخو بني عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. لا أحفظ ما أعطاهم. وقد عرفت أنها دون المائة. وأعطى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعِ بْنِ عنكشة خمسين من الإبل، وأعطى السَّهْمِيَّ خمسين من الإبل.

وأعطى عَبَّاسَ بْنَ مَرْدَاسٍ أباعر فسخطها، فعاتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ يعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ظكَانَتْ نِهَابًا ([118]) تَلَافَيْتُهَا ([119])

بَكْرِي عَلَى الْمُهْرِ فِي الْأَجْرَعِ ([120])

وَإِيقَاظِي الْقَوْمَ أَنْ يَرْقُدُوا

إِذَا هَجَعَ النَّاسُ لَمْ أَهْجَعِ ([121])

فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيـ

ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ ([122])

وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَأٍ

فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ ([123])

إِلَّا أَفَائِلَ أُعْطِيتُهَا

عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ ([124])

وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ

يَفُوقَانِ شَيْخِي ([125]) فِي الْمَجْمَعِ ([126])

وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا

وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: @(( اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ )) فأعطوه حتى رضي. فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم([127]).

عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة ([128] حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه! فدخل عليه سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء! قال: @(( فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ )) قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أنا إلا من قومي. قال: @(( فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ )). فخرج سَعْدٌ، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردهم. فلما اجتمعوا له أتاه سَعْدٌ فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار. فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم   فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (( يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ ([129]) وَجَدْتُمُوهَا عَلَيَّ فِي أَنْفُسِكُمْ؟ ألَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ! )) قالوا: بلى، والله ورسوله أمن وأفضل ([130])! ثم قال: @(( أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ )) قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال   : @(( أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ، فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ ([131]). أَوَجَدْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ ([132]) مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ! أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا ([133]) وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ! اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ؟ )) قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ([134]) وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسمًا وحظًا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا.([135])

دحنا: مخلاف من مخاليف الطائف. والمخلاف: الكورة، وهي كالمحافظة أو المديرية في التقسيم الإداري الحديث. أخرجه ابن أبي شيبة(32496)، وأحمد(14743) والترمذي(3942)  الحظائر: جمع حظيرة، وهي الزرب يصنع للإبل والغنم ليكفها. وكان السبي يوضع في حظائر. حواضنك: اللاتي أرضعنك، وكانت حاضنة الرسول من بني سعد بن بكر، من هوازن. ملحنا: أرضعنا. والملح: الرضاع. العائدة: الفضل العائد. وهنتموني: أضعفتموني. أخرجه أحمد(6729)، والنسائي(3688)،و الطبراني في الكبير(5304) للجزيل: للعظيم. اجتدي: سئل. عردت: أحجمت وفرت. والأنياب: سادات القوم. سمهري: الرمح. المهند: السيف المنسوب إلى الهند. الهباء: الغبار يثور عند اشتداد الحرب. الخادر: الذي في عرينه. المرصد: المكان يرقب منه، ينعته باليقظة. سرح: السرح الماشية التي تُغدى وتُراح. الخياط: الخيط. والمخيط: الإبرة. الغلول: الخيانة في المغنم ونحوه. الشنار: أقبح العار. الكبة: ما جمع من الغزل ونحوه. الدبر: الذي به الدبر، وهي القروح. أخرجه سعيد بن منصور في سننه(2754)، وأحمد(6729)، والنسائي(3688) النهاب: جمع نهب، وهو ما ينهب ويغنم. تلافيتها: تداركتها، أو أدركت ثأرها. الأجرع: المكان السهل. لم أهجع: لم أنم. العبيد، بالتصغير اسم فرس العباس. ذا تدرأ: ذا دفع عن قومي. لم أعط شيئًا، أي: شيئًا طال. الأفائل: جمع أفيل، وهو الصغير من الإبل. شيخي، يريد به أباه مرداسًا. ويروى: (( شيخيَّ )) بتشديد الياء، يريد أباه وجده. ويروى: (( يفوقان مرداس )). المجمع: الملتقى، موضع الاجتماع أو التلاقي. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن عباس بن مرداس أتى رسول الله e فقال له: أنت القائل فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ فقال أبو بكر الصديق: بين عيينة والأقرع. فقال رسول الله e: هما واحد. فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: (( وما علمناه الشعر وما ينبغي له )). القالة: الكلام الرديء. الجدة: الغضب. أمن: أكثر منة، وهي النعمة. آسيناك: أعطيناك حتى جعلناك كأحدنا. اللعاعة، بالضم: البقية اليسيرة. الشعب: الطريق بين جبلين. أخضلوها: بللوها. أخرجه أحمد(11748)