ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

غزوة تبوك

غزوة تبوك في رجب سنة تسع:

ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب، ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وقد ذكر لنا الزُّهْرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وغيرهم من علمائنا، كل حديث في غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لا يحدث بعض. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمانٍ من عسرةٍ من الناس، وشدةٍ من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوةٍ إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له ([176]) إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة ([177]) وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ في جهازه ذلك لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، أحد بني سلمة: @(( يَا جَدُّ هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ )) ([178]) فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجلٍ بأشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (( قَدْ أَذِنْتُ لَكَ )). ففي الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ نزلت هذه الآية: [التوبة: 49] أي: إن كان إنما خشي الفتنة من نساء بني الأصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة أكبر، بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرغبة بنفسه عن نفسه. يقول تعالى: +وإن جهنم لمن ورائه. وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر! زهادةً في الجهاد، وشكًّا في الحق، وإرجافًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله- تبارك وتعالى- فيهم:[التوبة 81 : 82]([179])

قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان ([180]) في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى، واحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان في تلك نفقةً عظيمة، لم ينفق أحد مثلها ([181]).

ثم إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم: من بني عمرو بن عوف: سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ أخو بني حارثة، وَأَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ أخو بني مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَعَمْرُو بْنُ حَمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ أخو بني سَلَمَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيُّ، وبعض الناس يقول: بل هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ، وَهَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أخو بني واقف، وَعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ الْفَزَارِيُّ- فاستحملوا ([182]) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة، فقال: [التوبة: 92]

 [التوبة: 92]([183])

. فبلغني أن ابْنَ يَامِينَ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ كَعْبٍ النَّضْرِيَّ لقي أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، وهما يبكيان، فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه. فأعطاهما ناضحًا له ([184])، فارتحلاه ([185])، وزودهما شيئًا من تمر، فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجاءه المعذرون من الأعراب، فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله تعالى. وقد ذكر لي أنهم نفر من بني غفار. ثم استتب ([186]) برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره، وأجمع السير. وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تخلفوا عنه، عن غير شك ولا ارتياب، منهم كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ، وَمُرَارَةُ بْنُ رَبِيعٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع ([187]).

وضرب عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ معه على حدة عسكره أسفل منه، نحو ذباب ([188])، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فيمن تخلف من المنافقين وأهله، وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون ([189])، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالًا وتخففًا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رضوان الله عليه- سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نازل بالجرف([190] فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني! فقال: @(( كَذَبُوا، وَلَكِنَّنِي خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ. أَفَلَا تَرْضَى يَا عَلِيُّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ= بَعْدِي )). فرجع عَلِيٌّ إلى المدينة، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره.([191])

ثم إن أَبَا خَيْثَمَةَ رجع، بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامًا، إلى أهله في يومٍ حار، فوجد امرأتين له في عريشين([192]) لهما في حائطه ([193])، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه= وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح ([194]) والريح والحر، وَأَبُو خَيْثَمَةَ في ظل بارد، وطعام مهيأٍ، وامرأةٍ حسناء، في ماله مقيم؟! ما هذا بالنصف ([195]). ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله([196])، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أَبَا خَيْثَمَةَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك، قال أَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ: إن لي ذنبًا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل، حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ! ))([197]) فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو والله أَبُو خَيْثَمَةَ. فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا خَيْثَمَةَ )) ([198]) )). ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخير.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ([199]) نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا. وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ )). ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه ([200])، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح، حتى طرحته بجبلي طيئ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبُهُ؟ )). ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيئ فإن طيئًا أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة.

فلما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله سبحانه سحابةً فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان بعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه يقال له: عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وكان عقبيًّا بدريًّا ([201])، وهو عم بني عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وكان في رحله زَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ الْقَيْنُقَاعِيُّ، وكان منافقًا.

فقال زَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ وهو في رحل عُمَارَةَ، وَعُمَارَةُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعُمَارَةُ عنده: (( إِنَّ رَجُلًا قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ السَّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي هَذَا الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا، قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بِهَا )). فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إلى رحله، فقال: والله لعجب من شيءٍ حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفًا، عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا- للذي قال زَيْدُ بْنُ لَصِيتٍ- فقال رجل ممن كان في رحل عُمَارَةَ ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي. فأقبل عُمَارَةُ على زيدٍ يجأ في عنقه ([202]) ويقول: إلي عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر! اخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني!

فزعم بعض الناس أن زيدًا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس: لم يزل متهمًا بشر حتى هلك. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرًا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخلف فلان! فيقول: (( دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ )). حتى قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد تخلف أَبُو ذَرٍّ، وأبطأ به بعيره، فقال: @(( دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ)).

وتلوم ([203]) أَبُو ذَرٍّ على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيًا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هذا لرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كُنْ أَبَا ذَرٍّ )). فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو والله أَبُو ذَرٍّ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ )). عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قال: لما نفى عثمان أَبَا ذَرٍّ إلى الربذة وأصابه بها قدره، لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما: أن اغسلاني وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركبٍ يمر بكم فقولوا: هذا أَبُو ذَرٍّ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ في رهط من أهل العراق عمار([204]) فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أَبُو ذَرٍّ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يبكي ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ! )) ثم نزل هو وأصحابه فواروه([205]). ثم حدثهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حديثه، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك.

ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يَحْنَةُ بْنُ رُؤْبَةَ صاحب أيلة. فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جزباء، وأذرح فأعطوه الجزية، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم كتابًا، فهو عندهم. فكتب لِيَحْنَةَ بْنِ رُؤْبَةَ: (( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ لِيَحْنَةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، سُفُنِهِمْ وَسَيَّارَتِهِمْ ([206]) فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، لَهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ طَيِّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ. وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ وَلَا طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ، مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ )).

 يصمد له: يقصده. الشقة: بعد المسير. بنو الأصفر: هم الروم. أخرجه الطبراني في الكبير(12654)، وفي الأوسط(5604) الحملان: مصدر حمل يحمل، وقد يراد به ما يحمل عليه من الدواب. قال ابن هشام: حدثني من أثق به أن عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله e : « اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض». استحملوا: طلبوا منه أن يحملهم على الدواب. أخرجه ابن سعد في الطبقات(2/ 165) الناضح: الجمل الذي يستقى عليه الماء. ارتحلاه: وضعا عليه الرحل. استتب: تتابع واستمر. ثنية الوداع: ثنية مشرف على المدينة يطؤها من يريد مكة. واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. ذباب: جبل بالمدينة. الإرجاف: توليد الأخبار الكاذبة. الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، به كانت أموال لعمر بن الخطاب ولأهل المدينة. والميل مقياس للطول يعادل 1609 مترًا. أخرجه البخاري(4154)، ومسلم(2404) العريش: شبيه بالخيمة، يظلل فيكون أبرد الأخبية والبيوت. الحائط: الحديقة، أو بستان من النخل قد دار حوله بناء. الضح: الشمس. النصف: الإنصاف. الناضح: البعير يستقى عليه. ارتحله: وضع عليه الرحل. أخرجه مسلم من حديث كعب بن مالك الطويل في قصة توبته(2769)  أولى لك: كلمة فيها معنى التهديد، وهي اسم سمي به الفعل. ومعناها فيما قال المفسرون: دنوت من الهلكة. الحجر: قرية من نواحي المدينة بها عيون وآبار لبني سليم خاصة. يقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب. عقبيًّا بدريًّا: شهد بيعة العقبة وبدرًا. يجأ في عنقه: يطعن فيها. تلوم: تمكث وانتظر. العمار: المعتمرون، أي: المحرمون بالعمرة. أخرجه الحاكم(4373) السيارة: القافلة، والقوم يسيرون.

بعث رسول الله  e  خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِرِ دُومَةَ:

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، وهو أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، رجل من كندة، كان ملكًا عليها، وكان نصرانيًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: (( إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ )). فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلةٍ مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته، فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا القط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد؟ فنزل فأمر بفرسه فأسرجه، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له حسان، فركب، وخرجوا معه بمطاردهم ([207])، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته، وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباجٍ مخوص بالذهب ([208])، فاستلبه خالد! فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه به عليه.([209])

عن أنس بن مالك، قال: رأيت قباء أُكَيْدِرَ حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ))([210]). قال ابن إسحاق: ثم إن خالدًا قدم بِأُكَيْدِرَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحقن له دمه([211])، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله؛ فرجع إلى قريته.

فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة. وكان في الطريق ماء يخرج من وشل ([212]): ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بوادٍ يقال له وادي المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ سَبَقَنَا إِلَى ذَلِكَ الْوَادِي فَلَا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ )). قال: فسبقه إليه من المنافقين، فاستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه، فلم ير فيه شيئًا، فقال: @(( مَنْ سَبَقَنَا إِلَى هَذَا الْمَاءِ؟ )) فقيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلان وفلان. فقال: (( أَوَلَمْ أَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى آتِيَهُ؟ )) ثم لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به، ومسحه بيده، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء أن يدعو به، فانخرق من الماء- كما يقول من سمعه- ما إن له حسًّا كحس الصواعق، فشرب الناس، استقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لَئِنْ بَقِيتُمْ أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ لتسمعن بِهَذَا الْوَادِي، وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ )).

وأن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كان يحدث، قال: قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، قال: فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ الْمُزَنِيُّ قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: @أَدْنِيَا إِلَيَّ أَخَاكُمَا، فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ رَاضِيًا عَنْهُ، فَارْضَ عَنْهُ. قال: يقول عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة([213]).

قال ابْنُ هِشَامٍ: وإنما سمي ذا البجادين، لأنه كان ينازع إلى الإسلام، فيمنعه قومه من ذلك، ويضيقون عليه، حتى تركوه في بجادٍ ليس عليه غيره، والبجاد: الكساء الغليظ الجافي، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان قريبًا منه، شق بجاده باثنين، فاتزر بواحدٍ، واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ذو البجادين لذلك.

قال ابن إسحاق: وذكر ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عن ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، عن ابن أخي أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيِّ: أنه سمع أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بايعوا تحت الشجرة، يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك، فسرت ذات ليلةٍ معه ونحن بالأخضر ([214]) قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألقى الله علينا النعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفزعني دنوها منه، مخافة أن أصيب رجله في الغرز ([215])، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق، ونحن في بعض الليل، فزاحمت راحلتي راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله في الغرز، فما استيقظت إلا بقوله: (( حَسِّ ([216]) )) فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، استغفر لي. فقال: (( سِرْ)). فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف من بني غفار، فأخبره به، فقال وهو يسألني: (( مَا فَعَلَ النَّفَرُ الْحُمْرُ الطِّوَالُ الثِّطَاطُ؟ ([217]) )). فحدثته بتخلفهم، قال: @(( فَمَا فَعَلَ النَّفَرُ السُّودُ الْجِعَادُ ([218]) الْقِصَارُ؟ )). قلت: والله ما أعرف هؤلاء منا. قال: @(( بَلَى، الَّذِينَ لَهُمْ نعم بشبكة شدخ))([219]). فتذكرتهم في بني غفار، ولم أذكرهم، حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا. فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولئك رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَا مَنَعَ أَحَدٌ أُولَئِكَ حِينَ تَخَلَّفَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِهِ امْرَأً نَشِيطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. إِنَّ أَعَزَّ أَهْلِي عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنِّي الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَنْصَارٍ، وَغِفَارٍ وَأَسْلَمَ )).

  المطارد: جمع مطرد، بكسر الميم: رمح قصير يطارد به الوحش. مخوص بالذهب: مسوج به كخوص النخل، وهو ورقه. أخرجه أبو داود مقتصرا على أوله(3037)، وأخرجه البيهقي مطولا(18422) أخرجه البخاري(2473)، ومسلم(2468) ولم يذكرا الأكيدر. حقن دمه: أنقذه من القتل. الوشل، بفتح الواو والشين: حج أو جبل يقطر منه الماء قليلا قليلًا. والوشل أيضًا: القليل من الماء. أخرجه البزار(1706)، والطبراني في الأوسط(9111) الأخضر: موضع قرب تبوك، بينه وبين وادي القرى. الغرز للرحل بمنزلة الركاب للسرج. والركاب للسرج: ما توضع فيه الرجل. حس: كلمة معناها أتألم. الثطاط، بالكسر: جمع ثط، وهو القليل شعر اللحية والحاجبين. الجعاد: جمع جعدٍ، من اجتمع شعره وتقبض والتوى. شبكة شدخ: من منازل غفار وأسلم بالحجاز.

أمر مسجد الضرار عند القفول من غزوة تبوك:

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان- بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا، فتصلي لنا فيه؛ فقال: إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، أو كما قال e  ، وَلَوْ قَدْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ.

فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ، أخا بني سالم بن عوف، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاه عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، أخا بني العجلان، فقال: انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ. فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مَالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ، فقال مَالِكٌ لِمَعْنٍ: أنظرني حتى أخرج إليك بنارٍ من أهلي. فدخل إلى أهله، فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل [التوبة: 17].. إلى آخر القصة.

أمر الثلاثة الذين خلفوا وأمر المعذرين في غزوة تَبُوكَ:

وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، وقد كان تخلف عنه رهط من المنافقين، وتخلف أولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا تكلمن أحدًا من هؤلاء الثلاثة، وأتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعذرهم الله ولا رسوله. واعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة.

عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ، وحديث صاحبيه، قال: ما تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، غير أني كنت قد تخلفت عنه في غزوة بَدْرٍ، وكانت غزوة لم يعاتب الله ولا رسوله أحدًا تخلف عنها؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج يريد عير قُرَيْشٍ، حتى جمع الله بينه وبين عدوه على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، وحين توثقنا على الإسلام. قال: كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، ووالله ما اجتمعت لي راحلتان قط حتى اجتمعتا في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، واستقبل غزو عدو كثير، فجلى للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبته وأخبرهم خبره بوجهه الذي يريد، والمسلمون من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني: بذلك الديوان، يقول: لا يجمعهم ديوان مكتوب.

فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ذلك، ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار وأُحِبَّتِ الظلال، فالناس إليها صُعر ([1])؛ فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجهز المسلمون معه، وجعلت أغدو لأتجهز معهم، فأرجع ولم أقض حاجة، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمر الناس بالجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا، والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفرط([2]) الغزو، فهممت أن أرتحل، فأدركهم، وليتني فعلت، فلم أفعل، وجعلت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفت فيهم، يحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا ([3]) عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تَبُوكَ، فقال وهو جالس في القوم بِتَبُوكَ: ما فعل كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ فقال رجل من بَنِي سَلَمَةَ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبسه برداه، والنظر في عطفيه؛ فقال له مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بئس ما قلت! والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمنا منه إلا خيرًا؛ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه قافلًا من تَبُوكَ، حضرني بثي ([4])، فجعلت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطة رسول الله صلى الله عليه وسلم غدًا وأستعين على ذلك كل ذي رأيٍ من أهلي؛ فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل ([5]) قادمًا زاح ([6]) عني الباطل، وعرفت أني لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَة، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وأيمانهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله= تعالى، حتى جئت فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: تعاله، فجئت أمشي، حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ قلت: إني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلًا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم كذبًا لترضين عني، وليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديثًا صدقًا تجد علي فيه، إني لأرجو عقباي من الله فيه، ولا والله ما كان إلي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يقضي الله فيك.

 فقمت، وثار معي رجال من بَنِي سَلَمَةَ، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. فوالله ما زالوا بي حتى أردت أن أرجع إلى= رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا أحد غيري؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل مقالتك، وقيل لهما مثل ما قيل لك؛ قلت: من هما؟ قالوا: مَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ؛ فذكروا لي رجلين صالحين، فيهما أسوة، فصمت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي نفسي والأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج، وأشهد الصلوات مع المسلمين، وأطوف الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي، هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، فبينا أنا أمشي بالسوق، إذا نبطي ([7]) يسأل عني من نبط الشَّامِ، ممن قدم بالطعام ([8]) يبيعه بِالْمَدِينَةِ، يقول: من يدل على كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ قال: فجعل الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني، فدفع إلي كتابًا من ملك غَسَّانَ، فإذا فيه: (( أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضيعة، فالحقْ بنا نواسك )) ([9]). قلت حين قرأتها: وهذا من البلاء أيضًا، قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك.

فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون= ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، قلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلي صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاضٍ. وجاءت امرأة هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شيخ كبير ضائع لا خادم له، أفتكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك؛ قالت: والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما به من حركةٍ إلي، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، ولقد تخوفت على بصره.

فلبثنا بعد ذلك عشر ليالٍ، من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، ثم صليت الصبح، على ظهر بيت من بيوتنا، على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وضاقت علي نفسي؛ إذ سمعت صوت صارخ أوفى على ظهر سلع يقول بأعلى صوته: يا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء الفرج.

وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب نحو صاحبي مبشرون، ثم انطلقت أتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقاني الناس يبشرونني بالتوبة حتى دخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي، ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك، قلت: أمن عندك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استبشر كأن وجهه قطعه قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن من توبتي إلى الله عز وجل أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك. قلت: إني ممسك سهمي الذي بِخَيْبَرَ؛ وقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله قد نجاني بالصدق، وإن من توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقًا ما حييت. والله ما أعلم أحدًا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أفضل مما أبلاني الله، والله ما تعمدت من كذبةٍ منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.

وأنزل الله تعالى: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ* وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ... إلى قوله: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ #[التَّوْبَةِ :117 - 119].

صُعر: جمع أصعر، وهو المائل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ أي: لا تعرض عنهم، ولا تمل وجهك إلى جهة أخرى. تفرط الغزو: أي: فات وسبق. مغموصًا عليه: مطعونا عليه. بثي: حزني. أظل: أشرف وقرب. زاح عني: ذهب وزال. النبطي: واحد النبط، وهم قوم من الأعاجم. الطعام (هنا): القمح. قال ابن الأثير في النهاية: ((المواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق وأصلها الهمز، فقلبت واوا، تخفيفًا)).