ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

مقدم الوفود (1)

أمر وفد ثَقِيفَ وإسلامها في شهر رمضان سنة تسع:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ من تَبُوكَ في رَمَضَانَ، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثَقِيفَ. وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم، اتبع أثره عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ حتى أدركه قبل أن يصل إلى الْمَدِينَةِ، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يتحدث قومه: (( إنهم قاتلوك )). وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال عُرْوَةُ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا أحب إليهم من أبكارهم ([10]). وكان فيهم كذلك محببًا مطاعًا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام، رجاء ألا يخالفوه، لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عليةٍ له ([11])، وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله.

فتزعم بَنُو مَالِكٍ أنه قتله رجل منهم يقال له: أَوْسُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ مَالِكٍ. وتزعم الْأَحْلَافُ أنه قتله رجل منهم، من بَنِي عَتَّابِ بْنِ مَالِكٍ، يقال له: وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ. فقيل لِعُرْوَةَ: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: (( إن مثله في قومه لكمثل صاحب يس في قومه )).

ثم أقامت ثَقِيفُ بعد قتل عُرْوَةَ أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، فأتمروا بينهم، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أرسلوا عُرْوَةَ، فكلموا عَبْدَ =يَالِيلَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وكان سن عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، وخشي أن يصنع به- إذا رجع- كما صنع بِعُرْوَةَ، فقال: لست فاعلًا حتى ترسلوا معي رجالًا. فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الْأَحْلَافِ، وثلاثة من بَنِي مَالِكٍ، فيكونوا ستة. فبعثوا مع عَبْدِ يَالِيلَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتِّبٍ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ، ومن بَنِي مَالِكٍ: عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ دُهْمَانَ، أَخَا بَنِي يَسَارٍ، وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ أَخَا بَنِي سَالِمٍ، وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَخَا بَنِي الْحَارِثِ. فخرج بهم عَبْدُ يَالِيلَ، وهو ناب القوم ([12]) وصاحب أمرهم، ولم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، لكي يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطَّائِفِ رهطه.

فلما دنوا من الْمَدِينَةِ، ونزلوا قَنَاةَ، ألفوا بها الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكانت رعيتها نوبًا على أصحابه - فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وضبر يشتد ([13])، ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه، فلقيه أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قبل أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره عن ركب ثَقِيفَ أن قد قدموا يريدون البيعة والإسلام، بأن يشرط لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شروطًا، ويكتتبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا في قومهم وبلادهم وأموالهم. فقال أَبُو بَكْرٍ لِلْمُغِيرَةَ: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكون أنا أحدثه. ففعل الْمُغِيرَةُ، فدخل أَبُو بَكْرٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقدومهم عليه. ثم خرج الْمُغِيرَةُ إلى أصحابه فروح الظهر ([14]) معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، كما يزعمون، فكان خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خَالِدٌ هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خَالِدٌ، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم، وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم (الطاغية)، وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمى، وإنما يريدون بذلك، فيما يظهرون، أن يتسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فيهدماها، وقد كانوا سألوه - مع ترك الطاغية - أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه )).

 فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم أمر عليهم عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وكان من أحدثهم سنًا، وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. فقال أَبُو بَكْرٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني قد رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن.

فلما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطَّائِفَ أراد الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أن يقدم أَبَا سُفْيَانَ، فأبى ذلك أَبُو سُفْيَانَ عليه، وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أَبُو سُفْيَانَ بماله بِذَي الْهَدَمِ ([15])، فلما دخل الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه، بَنُو مُعَتِّبٍ، خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عُرْوَةُ، وخرج نساء ثَقِيفَ حُسرًا ([16]) يبكين عليها، ويقلن:

لَتَبْكِينَّ دِفَاعْ ([17])

أَسْلَمُهَا الرُّضَّاعْ ([18])

*لَمْ يُحْسِنُوا الْمِصَاعْ ([19]) *

ويقول أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ يضربها بالفأس: واهًا لك ([20]) آهًا لك! فلما هدمها الْمُغِيرَةُ وأخذ مالها وحليها، أرسل إلى أَبِي سُفْيَانَ، وحليها مجموع ومالها من الذهب والجزع ([21]). وقد كان أَبُو مِلَيحِ بْنُ عُرْوَةَ، وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ، قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثَقِيفَ - حين قتل عُرْوَةُ- يريدان فراق ثَقِيفَ، وأن لا يجامعاهم على شيء أبدًا، فأسلما، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( توليا من شئتما )). فقالا: نتولى الله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وخالكما أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ؟ ))، فقالا: وخالنا أَبَا سُفْيَانَ. فلما أسلم أهل الطَّائِفِ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةَ إلى هدم الطاغية، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبُو مِلَيحِ بْنُ عُرْوَةَ أن يقضي عن أبيه عُرْوَةَ دينًا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)). فقال له قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ: وعن الْأَسْوَدِ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقضه- وَعُرْوَةُ= وَالْأَسْوَدُ أخوان لأب وأم- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الْأَسْوَدَ مات مشركًا ))، فقال قَارِبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن تصل مسلمًا ذا قربة- يعني نفسه- إنما الدين علي، وإنما أنا الذي أطلب به. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا سُفْيَانَ أن يقضي دين عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ من مال الطاغية. فلما جمع الْمُغِيرَةُ مالها قال لأَبِي سُفْيَانَ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقضي عن عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ دينهما. فقضى عنهما. وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم: (( بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين. إنَّ عِضاه وجٍّ ([22]) وصيده لا يعضد ([23]). من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به إلى النبي صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدٍ. وإن هذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم )).

وكتب خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بأمر الرسول مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ اللَّهِ. فلا يتعده أحد فيظلم نفسه فيما أمر به مُحَمَّدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 قال ابن هشام: (( ويقال: من أبصارهم )). العلية: الغرفة. ناب القوم: سيدهم والمدافع عنهم. ضبر يشتد: أي وثب. ضبر الفرس، إذا جمع قوائمه ووثب. فروح الظهر: روحها أياحها: ردها إلى المراح، مأوى الماشية. والظهر الدابة التي تحمل الأثقال أو يركب عليها. ذو الهدم: ماء لبلى، وراء وادي القرى. حسر: جمع حاسرة، وهي المكشوفة الوجه. دفاع: هو صيغة مبالغة من الدفع، وإنما سموا طاغيتهم دفاعًا لأنهم كانوا يعتقدون أن الأصنام تدافع عنهم أعداءهم وتدفع عنهم البلاء. الرضاع: دمع راضع، وأردن بهم اللئام. من قولهم: لئيم راضع. أي لم يدافعوا عن طاغيتهم وتركوها للمغيرة يهدمها. المصاع، بكسر الميم: المجالدة والمضاربة بالسيوف. واهًا لك: كلمة تقال في معنى التأسف. الجزع: ضرب من الخرز، فيه بياض وسواد. العضاه: شجر له شوك، واحدته عضاهة. ووج: اسم موضع بالطائف، وهو بفتح الواو وتشديد الجيم. يعضد: يقطع. لم أجده من حديث أبي جعفر محمد بن علي وهو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة .

حج أَبِي بَكْرٍ بالناس سنة تسع:

ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رَمَضَانَ وَشَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ، ثم بعث أَبَا بَكْرٍ أميرًا على الحج من سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه ومن معه من المسلمين.

ونزلت ((بَرَاءةٌ)) في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد، الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس من أهل الشرك، وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص، إلى آجالٍ مسماة، فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تَبُوكَ، وفي قول من قال منهم، فكشف الله تعالى فيها سرائر أقوام كانوا يستحفون بغير ما يظهرون، منهم من سمي لنا، ومنهم من لم يسم لنا، فقال عز وجل: ﴿َبَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ #[التَّوْبَةِ : 1].

عن أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ- رضوان الله عليه - أنه قال: لما نزلت (( بَرَاءةٌ )) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بعثت بها إلى أَبِي بَكْرٍ، فقال: «لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي»، ثم دعا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضوان الله عليه، فقال له: «اخرج بهذه القصة من صدر ((بَرَاءةٌ ))، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته»([24])، فخرج عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رضوان الله عليه- على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الْعَضْبَاءِ، حتى أدرك أَبَا بَكْرٍ بالطريق؛ فلما رآه أَبُو بَكْرٍ بالطريق قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا. فأقام أَبُو بَكْرٍ للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج، التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته؛ وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قومٍ إلى مأمنهم أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة، فهو له إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان.

ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر سنة تسع وتسميتها سنة الوفود ونزول سورة الفتح:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، وفرغ من تَبُوكَ، وأسلمت ثَقِيفُ وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه ([25]). وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قُرَيْشٍ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قُرَيْشًا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ- عليهما السلام- وقادة العرب، لا ينكرون ذلك. وكانت قُرَيْشٌ هي التي نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مَكَّةُ ودانت له قُرَيْشٌ ودوخها الإسلام ([26])، وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال الله- عز وجل-: أفواجًا، يضربون إليه من كل وجه، يقول الله تعالى لنبيه   e: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا #[النَّصْرِ : 1 - 3] أي: فاحمد الله على ما أظهر من دينك واستغفره إنه كان توابًا.

 قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع، وأنها كانت تسمى سنة الوفود. دوخها الإسلام: ذللها وأخضعها.

قدوم وفد بَنِي تَمِيمٍ ونزول سورة الحجرات:

فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب، فقدم عليه عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدُسٍ التَّمِيمِيُّ في أشراف بَنِي تَمِيمٍ، منهم: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وَالزِّبْرَقَانُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ، أحد بَنِي سَعْدٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالْحَبْحَابُ بْنُ يَزِيدَ. وفي وفد بَنِي تَمِيمٍ: نُعَيْمُ بْنُ يَزِيدَ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ أخو بَنِي سَعْدٍ، في وفدٍ عظيم من بَنِي تَمِيمٍ، ومعهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ. وقد كان الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مَكَّةَ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ.

فلما قدم وفد بَنِي تَمِيمٍ كانا معهم، فلما دخل وفد بَنِي تَمِيمٍ المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا مُحَمَّدُ. فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم، فخرج إليهم، فقالوا: يا مُحَمَّدُ، جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: (( قد أذنت لخطيبكم فليقل )). فقام عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن. وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا، وأيسره عُدة، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا ([27]) من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك. أقول هذه لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، أخي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: «قم فأجب الرجل في خطبته». فقام ثابت، فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه ([28])، ولم يكُ شيء قط إلا من فضله. ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولًا أكرمه نسبًا ([29])، وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا. فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين. ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس حسبًا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالًا. ثم كان أول الخلق إجابةً، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن أنصار الله، وزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات. والسلام عليكم.

فقام الزِّبْرَقَانُ بْنُ بَدْرٍ، فقال:

نَحنُ الكِرامُ فَلا حَيّ يُعادِلُنا 

مِنّا المُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ ([30])

وَكَمْ قَسَرْنَا ([31]) مِنَ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمُ

عِنْدَ النِّهَابِ ([32]) وَفَضْلُ الْعِزِّ يُتَّبَعُ

وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا

مِنَ الشّوَاءِ إذَا لَمْ يُؤْنَسِ الْقَزَعُ ([33])

بِمَا تَرَى النَّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمُ ([34])

مِنْ كُلِّ أَرْضٍ هُوِيًّا ([35]) ثُمَّ نَصْطَنِعُ ([36])

فَنَنْحَرُ الْكُومَ عُبْطًا فِي أَرُومَتِنَا

لِلنّازِلِينَ إِذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا ([37])

فَلَا تَرَانَا إلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ

إِلَّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرّأْسَ يُقْتَطَعُ

فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ نَعْرِفُهُ

فَيَرْجِعُ الْقَوْمُ وَالْأَحْبَارُ تُسْتَمَعُ

إنّا أَبَيْنَا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ

إنّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ

وكان حَسَّانُ غائبًا، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حَسَّانُ: جاءني رسوله، فأخبرني أنه إنما دعاني لأجيب شاعر بَنِي تَمِيمٍ، فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول:

مَنَعْنَا رَسُولَ اللّهِ إذْ حَلَّ وَسْطَنَا

عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدٍّ ([38]) وَرَاغِمِ ([39])

مَنَعْنَاهُ لَمَّا حَلَّ بَيْنَ بُيوتِنَا

بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلّ بَاغٍ وَظَالِمِ

بِبَيْتٍ حَرِيدٍ عِزّهُ وَثَرَاؤُهُ

بِجَابِيَةِ الْجَوْلَانِ وَسْطَ الْأَعَاجِمِ ([40])

هَلِ الْمَجْدُ إلّا السُّؤْدَدُ الْعَوْدُ وَالنَّدَى ([41])

وَجَاهُ الْمُلُوكِ وَاحْتِمَالُ الْعَظَائِمِ ([42])

قال: فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم، فقال ما قال، عرضت في قوله ([43])، وقلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزِّبْرَقَانُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: (( قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال )). فقام حسان، فقال:

إِنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ ([44]) وَإِخْوَتِهِمْ

قَدْ بَيَّنُوا سُنّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ

 ([45])

يَرْضَى بِهِمْ كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ

تَقْوَى الْإِلَهِ وَكُلَّ الْخَيْرِ يَصْطَنِعُ

قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ

أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا

سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ

إنَّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرّهَا الْبِدَعُ ([46])

إنْ كَانَ فِي النّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ

فَكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ

لَا يَرْقَعُ ([47])النّاسَ مَا أَوْهَتَ أَكَفُّهُمُ

عِنْدَ الدِّفّاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا ([48])

إنْ سَابَقُوا النّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمُ

أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَتَعُوا ([49])

أَعِفّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفّتُهُمْ

لَا يَطْمََعُونَ= وَلَا يُرْدِيهِمُ طَمَعُ ([50])

لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمُ

يَمَسُّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ ([51])

إذَا نَصَبْنَا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ

كَمَا يَدُبُّ إلَى الْوَحْشِيَّةِ الذّرِعُ ([52])

نَسْمُو إذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا

إذَا الزَّعَانِفُ مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا ([53])

لَا يَفْخَرُونَ إذَا نَالُوا عَدُوَّهُمُ

وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خُورٌ وَلَا هُلُعُ ([54])

كَأَنّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ

أُسْدٌ بِحَلْبََةٍ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ ([55])

خُذْ مِنْهُمُ مَا أَتَى عَفْوًا إذَا غَضِبُوا

وَلَا يَكُنْ هَمُّكَ الْأَمْرَ الّذِي مَنَعُوا ([56])

فَإِنَّ فِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ

شَرًّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السّمُُُّ وَالسّلَعُ ([57])

أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللّهِ شِيعَتُهُمْ

إذَا تَفَاوَتَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشّيَعُ

أَهْدِي لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ

فِيمَا أُحِبُّ لِسَانٌ حَائِكٌ ([58]) صَنَعُ ([59])

فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمُ

إنْ جَدَّ بِالنّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا ([60])

فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم ([61]). وكان عَمْرُو بْنُ الَأَهْتَمِ قد خلفه القوم في ظهرهم ([62])، وكان أصغرهم سنًا، فقال قيس بْن عاصم، وكان يبغض عمرو بْن الأهتم، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد كان رجل منا في رحالنا، وهو غلام حدث- وأزرى به- فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم، فقال عمرو بْن الأهتم- حين بلغه أن قيسًا قال ذلك- يهجوه:

ظَلِلْتُ مُفْتَرِشَ الْهَلْبَاءِ تَشْتُمُنِي

عِنْدَ الرَّسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تُصِبِ ([63])

سُدْنَاكُمُ سُودَدًا رَهْوًا وَسُودَدُكُمْ

بَادٍ نَوَاجِذُهُ مُقْعٍ عَلَى الذَنَبِ ([64])

 

 يقال: حييت منه أحيا، أي: استحييت. الكرسي: ما أحاط بالسموات والأرضين، كما فسره السهلي هنا. أي: أكرم الخلق. البيع: مواضع الصلوات والعبادات للنصارى، وقيل لليهود، واحدتها بيعة بكسر الباء. قسرنا: قهرنا على كره. النهاب: جمع النهب، الغارة. القزع: سحاب رقيق يكون في الخريف، واحدته قزعة، بفتح القاف والزاي فيهما. سراتهم: أشرافهم. نصطنع: نعد طعامًا. هويًا: سراعًا. الكوم: جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السنام، وعبطًا: أي: من غير علة. والأرومة: الأصل، أي: إن الكرم أصيل فينا. معد: حي من العرب. راغم: مرغم، أي: مكره مذل. الحريد: المنفرد، لا يختلط بغيره لعزته. جابية الجولان: بلد بالشام. يريد أن جاههم متصل بجاه الغساسنة ملوك الشام. الندى: الجود والسخاء والخير. السؤدد العود: المجد القديم. أراد: قلت على مثل عروضه. والعروض من ميزان الشعر. فهر: قبيلة، وهي أصل قريش، وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقريش كلهم ينسبون إليه. الذوائب: الأعالي، واحدتها ذؤابة، وأراد ههنا السادة. السجية: الطبيعة والخليقة. يرقع: يضرب. أوهت: أضعفت وهدمت. متعوا: زادوا وظهروا عليهم. من قولهم: متع النهار، إذا ارتفع. لا يطبعون: أي: لا يتدنسون. الطبع، بفتح الطاء والباء: الدنس. نصبنا: أظهرنا لهم العداوة ولم نسرها في أنفسنا. والذرع، بفتحتين: ولد البقرة الوحشية. نسمو: ننهض. الزعانف: أطراف الناس وأتباعهم. وخشعوا: خضعوا وتذللوا. الخور: جمع أخور، وهو الضعيف. والهلع: جمع هلوع، وهو الجبان الخائف. مكتنع: دان قريب، تقول: اكتنع منه، إذا دنا منه. وحلية: اسم موضع تنسب إليه الأسود. والأرساغ: جمع رسغ، وهو موضع مربط القيد. وفدع: اعوجاج إلى ناحية. عفوًا: أي: من غير طلب ولا مشقة. السلع: نبات مسموم. حائك: يحوك الشعر، ينسجه ويلائم بين أجزائه. صنع، بفتح الصاد والنون: صانع ماهر يتقن ما يصنعه ويحسن عمله. شمعوا: هزلوا، وأصل الشمع الطرب واللهو، ومنه قولهم: جارية شموع، إذا كانت كثيرة الطرب. الجوائز: العطايا، واحدتها جائزة. ظهرهم: إبلهم. الهلباء: شعر الذنب، وقد استعاره ههنا للإنسان، كنى بذلك عن خلفه. رهوًا، براء المهملة: متسعًا. والنواجذ: الأسنان، واحدها ناجذ.

قصة عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ في الوفادة عن بَنِي عَامِرٍ:

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بَنِي عَامِرٍ، فيهم عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ جَزْءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَجَبَّارُ بْنُ سَلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عَامِر بْن الطُّفَيْلِ عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قُرَيْشٍ؟ ثم قال لِأَرْبَدَ: إذا قدمنا على الرجل، فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف ([65]). فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: يا مُحَمَّدُ خالني ([66])، قال: «لا والله حتى تؤمن بالله وحده». قال: يا مُحَمَّدُ: خالني. وجعل يكلمه وينتظر من أَرْبَدَ ما كان أمره به، فجعل أَرْبَدُ لا يحير شيئًا ([67]). فلما رأى عامر ما يصنع أَرْبَدُ قال: يا مُحَمَّدُ خالني. قال: (( لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له )). فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا! فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اكفني عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ )).([68]) فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر لِأَرْبَد: ويلك يا أَرْبَدُ! أين ما كنت أمرتك به؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك، وايم الله لا أخاف بعد اليوم أبدًا! قال: لا أبا لك، لا تعجل علي، والله ما هممت بالذي أمرتني به عن أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟ وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الطاعون في عنقه، فقتله الله في بيت امرأةٍ من بَنِي سَلُولٍ، فجعل يقول: يا بَنِي عَامِرٍ، أغدةً كغدة البكر، في بيت امرأةٍ من بَنِي سَلُولٍ ([69]) ؟! ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بَنِي عَامِرٍ شاتين، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أَرْبَدُ؟ قال: لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن، فأرميه بالنبل حتى أقتله! فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين، معه جمل له يتبعه، فأرسل الله- تعالى- عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. وكان أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ أخا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لأمه فقال لبيد يبكي أَرْبَدَ:

مَا إنْ تُعَدّى الْمَنُونُ مِنْ أَحَدٍ

لَا وَالِدٍ مُشْفِقٍ وَلَا وَلَدِ ([70])

أَخْشَى عَلَى أَرْبَدَ الْحُتُوفَ وَلَا

أَرْهَبُ نَوْءَ السِّمَاكِ ([71]) وَالْأَسَدِ

فَعَيْنِ، هَلَّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ إذْ

قُمْنَا وَقَامَ النّسَاءُ فِي كَبَدِ ([72])

إنْ يَشْغَبُوا ([73]) لَا يُبَالِ شَغْبَهُمُ

أَوْ يَقْصِدُوا ([74])فِي الْحُكُومِ يَقْتَصِدِ

حُلْوٌ أَرِيبٌ وَفِي حَلَاوَتِهِ

مُرٌّ لَطِيفُ الْأَحْشَاءِ وَالْكَبِدِ ([75])

وَعَيْنِ، هَلّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ إذْ

أَلْوَتْ ([76]) رِيَاحُ الشّتَاءِ بِالْعَضَدِ ([77])

وَأَصْبَحَتْ لَاقِحًا ([78]) مُصَرَّمَةً ([79])

حِينَ تَجَلَّتْ غَوَابِرُ الْمُدَدِ ([80])

أَشْجَعُ مِنْ لَيْثِ غَابَةٍ لَحِمٍ

ذُو نَهْمَةٍ فِي الْعُلَا وَمُنْتَقَدِ ([81])

لَا تَبْلُغُ الْعَيْنُ كُلّ نَهْمَتِهَا

لَيْلَةَ تَمْشِي الْجِيَادُ كَالْقِدَدِ ([82])

الْبَاعِثُ النّوْحَ فِي مَآتِمِهِ

مِثْلَ الظّبَاءِ الْأَبْكَارِ بِالْجِرَدِ ([83])

فَجَعَنِي الْبَرْقُ وَالصّوَاعِقُ بِالْـ

ـفَارِسِ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ ([84]) النّجِدِ ([85])

وَالْحَارِبِ الْجَابِرِ الْحَرِيبَ إذَا

جَاءَ نَكِيبًا وَإِنْ يَعُدْ يَعُدِ ([86])

يَعْفُو عَلَى الْجَهْدِ وَالسّؤَالِ كَمَا

يَنْبُتُ غَيْثُ الرّبِيعِ ذُو الرّصَدِ ([87])

كُلُّ بَنِي حُرّةٍ ([88])  مُصِيرُهُمْ

قُلٌّ، وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنَ الْعَدَدِ ([89])

إنْ يُغْبِطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أُمِرُوا

يَوْمًا فَهُمْ لِلْهَلَاكِ وَالنّفَدِ ([90])

 فاعله بالسيف: يريد اقتله، ويروى: (( فاغتله بالسيف )) بالغين المعجمة، وهو من الغيلة، وهي القتل خديعة وخفية. خالني: يروى بكسر اللام مخففة، وبتشديدها مكسورة: فالأول معناه تفرد لي خاليًا حتى أحدثك على انفراد، والثاني معناه اتخذني خليلًا، من المخالة، وهي الصاقة. أي: لا يرد جوابًا. أخرجه عبد الرزاق(19884)، والطبراني في الكبير(5724) الغدة: داء يصيب البعير في حلقه فيموت منه، وهو شبيه بالذبحة التي تصيب الإنسان، والبكر بالفتح: الفتي من الإبل. وسلول: قوم يصفهم العرب باللؤم والدناءة، قال السموءل:

وإنا أناس لا نرى القتلس سبة

إذا ما رأته عامر وسلول

تعدى، أي تتعدى: أراد به تترك وتتجاوز. نوء السماك: المطر الشديد من السماء، السماك النجم المعروف. الكبد، بفتح الكاف والباء: الجهد والمشقة. يشغبوا: هيج الشر بينهم، أحدثوا فتنة وجلبة. يقتصدوا: توسطوا، لم يُفْرطوا ولم يُفَرِّطوا. الأريب: العاقل. ألوت به: ذهبت به. العضد: الشجر ذهبت الريح بأوراقه. وهذا كناية عن الجدب في الشتاء. لاقحا: الشجر ألقحه الريح، أي: تفلت إليه حبوب اللقاح. المصرمة: التي لا لبن لها. والغوابر: البقايا، واحدتها غابرة. المدد: جمع مدة، الغاية من الزمان. لحم، بفتح فكسر: كثير الأكل للحم. وذو نهمة: أي له ولوع وحب في بلوغ غاية الشيء، ويروى: (( ذو نهية )) بالياء المثناة، وهي العقل، وجمعها نهى. ومنتقد، أي: بصر بالأمور. القدد، بكسر فتح: جمع قدة، وهي السير الذي يقطع من الجلد. شبه الخيل بالسير في نحولها وضمرها. النوح: جماعة النساء النائحات. المآتم: جمع مأتم، وهو جماعة النساء يجتمعن في خير أو شر. والجرد: الأرض لا نبات فيها. الكريهة: الحرب أو الشدة في الحرب. النجد، بفتح فضم: الشجاع. الحارب: السالب. والجابر: الذي يكفي المحتاج حاجته. والحريب: المسلوب. والنكيب: المنكوب الذي أصابته نكبة. الجهد: المشقة، يريد أنه يعطي ويكثر عطاؤه مع المشقة. والرصد: الكلأ القليل. بني حرة: أحرار. قل، بضم القاف: أي: قليل. يغبطوا: هو من الغبطة، وهو كناية عن حسن حالهم حتى يغبطهم الناس. يهبطوا: ينزلوا، أي: تضعف حالهم بعد ذلك ويلحقهم الذل بعد العزة. وأمروا، بكسر الميم: كثروا. والنفد: انقطاع الشيء وزواله.

 

قدوم ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وافدًا عن بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ:

وبعث بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا منهم، يقال له ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.

عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: بعثت بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه، وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه؛ وكان ضِمَامٌ رجلًا جلدًا أشعر ذا غديرتين ([91])، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال: أيكم ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. أَمُحَمَّد؟ قال: نعم؛ قال: يا بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إني سائلك ومغلظ عليك في المسـألة، فلا تجدن في نفسك، قال: لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك. قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك إلينا رسولًا؟ قال: اللهم نعم؛ قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهم نعم؛ قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضةً. الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضةٍ منها كما ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن مُحَمَّدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صدق ذو العقيصتين ([92]) دخل الجنة».([93])

قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى! قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن مُحَمَّدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره ([94]) رجل ولا امرأة إلا مسلمًا.

قال: يقول عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فما سمعنا بوافد قومٍ كان أفضل من ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.

 الغديرة: الذؤابة من الشعر. العقيصتان: الضفيرتان من الشعر. أخرجه أحمد(2380)، والدارمي(652)، والحاكم(4380) الحاضر: الحي.

قدوم الجارود في وفد عبد القيس:

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الْجَارُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَنْشٍ أَخُو عَبْدِ الْقَيْسِ ([95]). عن الحسن، قال: لما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، ودعاه إليه، ورغبه فيه، فقال: يا مُحَمَّدُ، إني قد كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه )). فأسلم وأسلم أصحابه. ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان، فقال: (( والله ما عندي ما أحملكم عليه )). قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن بيننا وبين بلادنا ضوال الناس ([96]) أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: (( لا، إياك وإياها؛ فإنما تلك حرق النار ([97]) )).

فخرج من عنده الجارود راجعًا إلى قومه، وكان حسن الإسلام صلبًا على دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة. فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول مع الْغَرُورِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قام الجارود فتكلم فتشهد شهادة الحق، ودعا إلى الإسلام، فقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحَمَّدًا عبده ورسوله، وأكفر من لم يشهد ([98]).

 قال ابن هشام: (( الجارود: ابن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس، وكان نصرانيًا)). يعني الإبل الضالة. أي: لهب النار، أي تؤدي إلى ذلك. قال ابن هشام: (( ويروى: وأكفي من لم يشهد )).