ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

بقية عام الوفود (2)

قدوم وفد بني حنيفة، ومعهم مُسَيْلِمَة الكذاب:

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْحَنَفِيّ الْكَذّابُ ([99]). فكان منزلهم في دار بنت الْحَارِث ([100])، امرأة من الأنصار، ثم من بني النجار. فحدثني بعض علمائنا من أهل الْمَدِينَةِ: أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، معه عسيب من سعف النخل، في رأسه خوصات ([101])، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه».

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وقد حدثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة، أن حديثه كان على غير هذا: زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلفوا مُسَيْلِمَةَ في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا قد خلفنا صاحبًا لنا في رحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا. قال: فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم، وقال: (( أما إنه ليس بشركم مكانًا )) أي: لحفظه ضيعة أصحابه، وذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوه بما أعطاه، فلما انتهوا إلى اليمامة، ارتد عدو الله، وتنبأ، وكذب لهم، قال: إني قد أشركت في الأمر معه. وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: (( أما إنه ليس بشركم مكانًا ))؟! ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت في الأمر معه. ثم جعل يسجع لهم الأساجيع، ويقول لهم فيما يقول مضاهاةً للقرآن: (( لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاقٍ ([102]) وحشا. وأحل لهم الخمر والزنا، ووضع عنهم الصلاة )). وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي. فأصفقت معه حنيفة على ذلك ([103]). فالله أعلم أي ذلك كان.

قال ابن هشام: (( مسيلمة بن ثمامة، ويكنى أبا ثمامة )). قال أبو ذر: (( يقال: إن هذه المرأة اسمها كيسة بنت الحارث )).  العسيب: جريد النخل. والسعف، بفتحتين: أغصان النخلة. والخوصات: جمع خوصة: ورق النخيل والدوم. الصفاق: ما رق من البطن. أصفقت معه: اجتمعوا عليه.

أمر عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ:

وأما عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فكان يقول- فيما بلغني-: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني. أما أنا فكنت امرأً شريفًا، وكنت نصرانيًا=، وكنت أسير في قومي بالمرباع ([104]). فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكًا في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت لغلامٍ كان لي عربي وكان راعيًا لإبلي: لا أبالك، أعدد لي من إبلي أجمالًا ذُللًا ([105]) سمانًا، فاحتبسها قريبًا مني، فإذا سمعت بجيش لِمُحَمَّدٍ قد وطئ هذه البلاد فآذني ([106]). ففعل: ثم إنه أتاني ذات غداةٍ فقال: يا عدي، ما كنت صانعًا إذا غشيتك خيل مُحَمَّدٍ فاصنعه الآن، فإني قد رأيت راياتٍ، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش مُحَمَّدٍ. فقلت: فقرب إلي أجمالي. فقربها، فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام. فسلكت الْجَوْشِيّةَ ([107]) – ويقال: الْحَوْشِيّةُ فيما قال ابْنُ هِشَامٍ- وخلفت بنتًا لحاتمٍ في الحاضر ([108])، فلما قدمت الشام أقمت بها.

وتخالفني ([109]) خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيئ. وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام، فجعلت بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد، كانت السبايا يحبسن فيها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة ([110])، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلك الوالد، وغاب الوافد ([111])، فامنن علي منّ الله عليك! قال: (( ومن وافدك ))؟ قالت: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. قال: (( «الفار من الله ورسوله؟». قالت: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني، حتى إذا كان من الغد مر بي، فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثل ما قال بالأمس، حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست منه، فأشار إليَّ رجل من خلفه: أن قومي فكلميه. فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي منّ الله عليك. فقال   : (( قد فعلت، فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة، حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنيني )). فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن أكلمه، فقيل: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رضوان الله عليه-. وأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة، وإنما أريد أن آتي أخي بالشام. فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد قدم رهط من قومي، لي فيهم ثقة وبلاغ. فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملني ([112]) وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام.

قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلي تؤمنا ([113])، فقلت: ابنة حَاتِمٍ؟ قال: فإذا هي هيَ. فلما وقفت علي انسحلت ([114]) تقول: القاطع، الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك! قلت: أي أخية لا تقولي إلا خيرًا، فوالله مالي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها- وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعًا، فإن يكن الرجل نبيًا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكًا فلن تذل في عز اليمن، وأنت أنْت! قلت: والله إن هذا الرأي.

فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه، فقال: «من الرجل؟» فقلت: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه ([115])، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلًا تكلمه في حاجتها. قلت في نفسي: والله ما هذا بملك. ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا دخل بي بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفًا، فقذفها إلي، فقال: «جلس على هذه». قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: (( بل أنت )). فجلست عليها. وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض. قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: (( إيه يا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ، ألم تكُ ركوسيًا )) ([116]). قلت: بلى. قال: (( أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ )) قلت: بلى. قال: (( فإن ذلك لم يكن يحل في دينك ))، قلت: أجل والله! وعرفت أنه نبي مرسل، يعلم ما يُجهل. ثم قال:

(( لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه. ولعلك إنما يمنعك من دخولٍ فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف. ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم )). قال: فأسلمت.

وكان عدي يقول: قد مضت اثنتان، وبقيت الثالثة، والله لتكونن: قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وايم الله لتكونن الثالثة: ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه.

 أي: أخذ الربع من الغنائم، وكان العرب يجعلون ذلك الرئيس. ذللا: جمع ذلول، وهو الجمل السهل الذي قد ارتاض. أي: أعلمني. آذنه: أعلمه. الجوشية: جبل للضباب قرب ضريةٍ من أرض نجد، وضرية قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة وهي إلى مكة أقرب. اسمها: سفانة فيما يرجح السهيلي. والحاضر: الحي المقيم. وتخالفني: تأتي من خلفي. جزلة: ذات رأي جيد قوي محكم. الوافد: أي: من يقدم عليها. حملني: أعطاني ما يحملني من دابة أركبها. الظعينة: المرأة في هودجها، وقد يقال لها ظعينة وإن لم تكن في الهودج، وتصوب إلي: تقبل نحوي. وتؤمنا: تقصدنا. انسحلت: أخذت في اللوم ومضت به مجدة. عمد إليه: قصد إليه. الركوسية: قوم لهم دين النصارى والصابئين.

قدوم فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيِّ:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وقدم فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مفارقًا لملوك كندة، ومباعدًا لهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان قُبيل الإسلام بين مراد وهمدان وقعة، أصابت فيها همدان من مرادٍ: ما أرادوا، حتى أثخنوهم ([117])، في يوم كان يقال له: يوم الردم، فكان الذي قاد همدان إلى مرادٍ: الأجدع بْن مَالِك، في ذلك اليوم ([118]).

ولما تَوَجَّهَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقًا لملوك كندة قال:

لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعَرَضَتْ

كَالرّجُلِ خَانَ الرّجُلَ عَرَقَ نَسَائِهَا ([119])

قَرّبْتُ رَاحِلَتِي أَؤُمُّ مُحَمّدًا

أَرْجُو فَوَاضِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا ([120])

 

فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: (( يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم؟ قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: (( أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرًا )). واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مرادٍ وزبيدٍ ومذحج كلها، وبعث معه خَالِد بْن سَعِيدٍ بْن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أثخنوهم: أكثروا فيهم القتل. قال ابن هشام: الذي قاد همدان في ذلك اليوم مالك بن حريم الهمداني. النسا: عرق مستبطن في الفخذ. وأصله مقصور فمده للشعر. أؤم: أقصد. ثرائها، يعني به الجود والعطية، ويروى: (( ثنائها ))، وهو الذي يتحدث به عن الرجل من خير أو شر.

قدوم عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ في أناس من زبيد:

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ في أناس من بني زبيد، فأسلم، وكان عمرو قد قال لِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيِّ - حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قَيْس، إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلًا من قُرَيْشٍ يقال له مُحَمَّد، قد خرج بالحجاز، يقول: إنه نبي، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيًا كما يقول، فإنه لن يخفى عليك، وإذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه. فأبى عليه قَيْس ذلك، وسفه رأيه، فركب عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وصدقه، وآمن به، فلما بلغ ذلك قَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ أوعد عمرًا وتحطم عليه ([121])، وقال: خالفني وترك رأيي! فقال عَمْرُو بْنُ مَعْدِ =يَكْرِبَ في ذلك:

أمرتك يوم ذي صنعا

ء أمرًا باديًا رشده ([122])

أمرتك باتقاء اللـ

ـه والمعروف تتعده

خرجت من المنى مثل الـ

ـحُمَيِّرِ غره وتده ([123])

تمناني على فرسٍ

عليه جالسًا أسده

علي مفاضة كالنهـ

ـي أخلص ماءه جدده ([124])

ترد الرمح منثني الـ

سنان عوائرًا قصده ([125])

فلو لاقيتني للقيـ

ـت ليثًا فوقه لبده ([126])

تلاقي شنبثًا شثن الـ

براثن ناشزًا كتده ([127])

يسامي القرن إن قرن

تيممه فيعتضده ([128])

فيأخذه فيرفعه

فيخفضه فيقتصده ([129])

فيدمغه فيحطمه

فيخضمه فيزدرده ([130])

ظلوم ([131]) الشرك فيما أحـ

ـرزت أنيابه ويده

فأقام عَمْرَو بْنَ مَعْدِ =يَكْرِبَ في قومه من بني زبيد، وعليهم فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عَمْرُو بْنُ مَعْدِ =يَكْرِبَ، وقال حين ارتد:

وجدنا ملك فروة شر ملكٍ

حمارًا ساف منخره بثفر ([132])

وكنت إذا رأيت أبا عميرٍ

ترى الحولاء من خبثٍ وغدرٍ ([133])

 تحطم عليه: اشتد عليه. ذو صنعاء: بلدة باليمن، وهي صنعاء. والعرب يزيدون (( ذو )) في كثير من أعلام البلدان. وتده: الهنية الناشرة في مقدم أذنه. المفاضة: الدرع الواسعة. والنهي: الغدير. والجدد: الأرض الصلبة. عوائر: أي: متطايرة. والقصد، بكسر القاف وفتح الصاد: جمع قصدة، وهي ما تكسر من الرمح. اللبد، بكسر ففتح: جمع لبدة، وهي ما على كتفي الأسد من الشعر. الشنبث، بزنة جعفر: الذي يتعلق بقرنه ولا يزايله. وشثن: أي: غليظ الأصابع. والبراثن: جمع برثن، وهو للسبع بمنزلة الإصبع للإنسان. وناشزًا:مرتفعًا. والكتد: ما بين الكتفين. يسامي القرن: يعلوه ويرتفع عليه. والقرن، بالكسر: الذي ينازلك في الشجاعة. وتيممة: قصده. ويعتضده: يجعله تحت عضده، معناه يفوقه ويتغلب عليه. يقتصده: يقتله. يدمغه: يخرج دماغه. ويحطمه: يكسره. ويخضمه: يأكله. ويزدرده: يبتلعه. ظلوم: مانع. ساف: شم. والثفر في البهائم بمنزلة الرحم في المرأة. الحولاء: الجلدة التي يخرج فيها ولد الناقة.

قدوم الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ في وفد كِنْدَةَ:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعث بْن قَيْس في وفد كندة. فحدثني الزُّهْرِيُّ ابْنُ شِهَابٍ، أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانين راكبًا من كندة، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده وقد رجلوا جممهم ([134])، وتكحلوا، عليهم جبب الحبرة ([135])، وقد كففوها بالحرير ([136])، فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ألم تسلموا؟ )) قالوا: بلى: قال: (( فما بال هذا الحرير في أعناقكم ))؟ قال: فشقوه منها فألقوه، ثم قال له الأشعث بْن قَيْس: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المُرار. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ناسبوا بهذا النسب الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وربيعة بْن الْحَارِثِ- وكان العَبَّاس وربيعة رجلين تاجرين، وكانا إذا شاعا ([137]) في بعض العرب، فسئلا ممن هما؟ قالا: نحن بنو آكل المُرار! يتعززان بذلك، وذلك أن كندة كانوا ملوكًا. ثم قال لهم: لا، بل نحن بنو النضر بْن كنانة، لا نقفو ([138]) أمنا، ولا ننتفي من أبينا. فقال الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: هل فرغتم يا معشر كندة؟ والله لا أسمع رجلًا يقولها إلا ضربته ثمانين.

 رجلوا جممهم: يريد مشطوا شعورهم وسرحوها. والجمم: جمع جمة، وهي مجتمع شعر الرأس. الجبب: جمع جبة، وهي ضرب من الثياب. والحبرة: ضرب من برود اليمن ذو خطوط. كففوها: أي: جعلوا لها طرازًا. شاعا: بعدا. لا نقفو أمنا: لا نتبعها في نسبها؛ لأن نسب الرجل إلى أبيه لا إلى أمه.

قدوم صُرَدَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الْأَزْدِيِّ:

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْأَزْدِيُّ، فأسلم وحسن إسلامه في وفدٍ من الأزد، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. فخرج صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ يسير بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بجرشٍ، وهي يومئذٍ مدينة مغلقة. وبها قبائل اليمن، وقد ضوت إليهم ([139]) خثعم، فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصروهم فيها قريبًا من شهر، وامتنعوا فيها منه، ثم إنه إنما ولى عنهم منهزمًا، فخرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه، عطف([140]) عليهم فقتلهم قتلًا شديدًا.

وقد كان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالْمَدِينَة يرتادان، وينظران، فبينا هما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية بعد صلاة العصر إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بأي بلاد الله شكر ))؟ فقام إليه الجرشيان فقالا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ببلادنا جبل يقال له كشر- وكذلك يسميه أهل جرش- فقال: «إنه ليس بكشر ولكنه شكر». قالا: فما شأنه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «إن بدن الله لتنحر عنده =الآن».

فجلس الرجلان إلى أَبِي بَكْرٍ، أو إلى عثمان، فقال لهما: ويحكما! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسألاه ذلك. فقال: (( اللهم ارفع عنهم! )) فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ، في اليوم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر. وخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، وحمى لهم حمىً حول قريتهم، على أعلامٍ معلومة: للفرس، والراحلة ([141])، وللمثيرة ([142]) بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فمالهم سحت ([143]).

 ضوت: انضمت ولجأت واتصلت بهم. عطف عليهم: مال وتحول. الراحلة: واحدة الرواحل، وهي الإبل. المثيرة: البقرة؛ لأنها تقلب الأرض. سحت: حرام لا يحل له أن يأكله.

قدوم رسول الله ملوك حمير بكتابهم:

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير مقدمه من تَبُوكَ ورسولهم إليه ([144]) بإسلامهم: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ ، وَنُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ ، وَالنّعْمَانُ قيل ذي رعين ([145]) ومعافر وهمدان.

وبعث إليه زُرْعَةَ ذُو يَزَنٍ مَا لَكَ ابْنَ مُرّةَ الرّهَاوِيّ بإسلامهم، ومفارقتهم الشرك وأهله. فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( بسم الله الرحمن الرحيم. من مُحَمَّدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم، إلى الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ، وَإِلَى نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ، وَإِلَى النّعْمَانِ قيل ([146]) ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ.

أما بعد ذلكم: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالْمَدِينَة، فبلغ ما أرسلتم به، وخبرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين. وإن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم الرسول وصفيه ([147]) وما كتب على المؤمنين من الصدقة، من العقار ([148]) عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب ([149]) نصف العشر. وإن في الإبل الأربعين ابنة لبون ([150]).

وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع، جذع أو جذعة ([151])، وفي كل أربعين من الغنم سائمةٍ وحدها شاةً. وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرًا فهو خير له، ومن أدى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين ([152]) على المشركين، فإنه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله.

وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين: له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، وعليه الجزية، على كل حالم ذكرٍ أو أنثى، حر أو عبدٍ، دينار وافٍ، من قيمة المعافر ([153]) أو عوضه ثيابًا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فإنه عدو لله ولرسوله.

أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدًا النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى زرعة ذي يزن: أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرًا: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ زَيْدٍ ، وَمَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَعُقْبَةُ بْنُ نَمِرٍ وَمَالِكُ بْنُ مُرّةَ، وأصحابهم. وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم ([154])، وأبلغوها رسلي. وإن أميرهم مُعَاذ بْن جَبَلٍ، فلا ينقلبن إلا راضيًا. أما بعد: فإن مُحَمَّدا يشهد أن لا إله إلا الله، وأنه عبده ورسوله.

ثم إن مَالِك بْن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرًا، ولا تخونوا، ولا تخاذلوا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تحل لِمُحَمَّدٍ، ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل.

وإن مَالِكًا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب، وآمركم به خيرًا. وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمركم بهم خيرًا، فإنهم منظور إليهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته )).

 في بعض النسخ: (( رسل ملوك )) بصيغة الجمع، و (( رسلهم إليه )) كذلك. والرسول من الألفاظ التي يستوي فيها المفرد والمثني والجمع والمذكر والمؤنث. القيل، يقال: هو الملك، ويقال: بل هو الذي دون الملك الأعلى، وهذا هو الأكثر. قيل: من ملوك اليمن في الجاهلية، دون الملك الأعظم. الصفي: ما يصطفيه الرئيس من الغنيمة.  العقار، ههنا الأرض، وهو بفتح العين. الغرب، بفتح فسكون: هي الدلو العظيمة. ابنة لبون: ابنة الناقة إذا استكملت السنة الثانية ودخلت في الثالثة؛ لأن أمها ولدت غيرها فصار لها لبن. التبيع: ما استكمل سنة من ولد البقر، فإذا استكمل سنتين فهو جذع. ظاهر المؤمنين: عاونهم وقواهم وكان معهم من سواهم. المعافر: ثياب من ثياب اليمن. مخاليف: جمع مخلاف، وهو لأهل اليمن كالجند لأهل الشام، والكورة لأهل العراق، والرستاق لأهل الجبال، والطسوج لأهل الأهواز.

وصية الرسول  e  مُعَاذًا حين بعثه إلى اليمن:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وحدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أنه حدث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعث مُعَاذًا- أوصاه وعهد إليه، ثم قال له: (( يسر ولا تعسر، وبشر ولا تنفر. وإنك ستقدم على قومٍ من أهل الكتاب يسألونك ما مفتاح الجنة؟ فقل: شهادة لا إله إلا الله وحده لا شريك له )).

إسلام فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيِّ:

وبعث فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيُّ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولًا بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملًا للروم على من يليهم من العرب، وكان منزلها معانٍ وما حولها من أرض الشام.

فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، ثم ضربوا عنقه، وصلبوه على ذلك الماء، يرحمه الله تعالى.

إسلام بني الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ على يدي خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لما سار إليهم:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، سنة عشر، إلى بني الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، ثلاثًا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم.

فخرج خَالِدٌ حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: =أيها الناس أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خَالِد يعلمهم الإسلام وكتاب الله، وسنة نبيه   . وبذلك كان أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هم أسلموا، ولم يقاتلوا.

ثم كتب خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( بسم الله الرحمن الرحيم. لمُحَمَّد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم من خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، يا رسول الله - صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام، وأن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا أقمت فيهم، وقبلت منهم، وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثت فيهم ركبانًا قالوا: ((يا بني الْحَارِثِ، أسلموا تسلموا))، فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم، وآمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكتب إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( بسم الله الرحمن الرحيم. من مُحَمَّدٍ النبي رسول الله، إلى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتابك جاءني مع رسولك، تخبر أن بني الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ قد أسلموا قبل أن تقاتلهم. وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن مُحَمَّدًا عَبْد اللَّهِ ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه. فبشرهم وأنذرهم، وأقبل وليقبل معك وفدهم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته)).

فأقبل خَالِدٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل معه وفد بني الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ: منهم قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ ذِي الْغُصّةِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُحَجّلِ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ قُرَادٍ الزّيَادِيّ، وَشَدّادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْقَنَانِيّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللّهِ الضّبَابِيّ. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآهم قال: (( من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟ قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء رجال بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ. فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه، وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله )). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أنتم الذين إذا زجروا ([155]) استقدموا ([156])؟ )) فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة، فقال يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: نعم، يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو أن خَالِدًا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا، لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم )). قال يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خَالِدًا. قال: فمن حمدتم؟ قالوا: حمدنا الله عز وجل الذي هدانا بك يا رسول الله. قال: صدقتم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ )) قالوا: لم نكن نغلب أحدًا. قال: (( بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم )). قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدًا بظلم؟ قال: (( صدقتم )).

وأمَر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني الْحَارِث بْنِ كَعْبٍ، قَيْسَ بْنَ الْحُصَيْنِ. فرجع وفد بني الْحَارِث إلى قومهم في بقية من شوال، أو في صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحم وبارك، ورضي وأنعم.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث إليهم، بعد أن ولى وفدهم، عمرو بْن حزم، ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابًا عهد إليه فيه عهده، وأمره فيه بأمره:

(( بسم الله الرحمن الرحيم. هذا بيان من الله ورسوله، يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. عهد من مُحَمَّدٍ النبي رسول الله لعمرو بْن حزم، حين بعثه إلى اليمن: أمره بتقوى الله في أمره كله. فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه، وينهى الناس فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر؛ ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، فقال: ﴿لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ #[ هُودٍ : 018] ويبشر بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته، وما أمر الله به، والحج الأكبر: الحج الأكبر، والحج الأصغر: هو العمرة. وينهى الناس أن يصلي أحد في ثوبٍ واحدٍ صغير، إلا أن يكون ثوبًا يثني طرفيه على عاتقيه. وينهى الناس أن يحتبي ([157]) أحد في ثوبٍ واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وينهى أن يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله- عز وجل- وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله، ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطعوا بالسيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له. ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبيبن، ويمسحون برءوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود والخشوع، ويغلس بالصبح ([158])، ويهجر بالهاجرة ([159]) حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا يؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمر بالسعي إلى الجمعة إذا نودي لها، والغسل عند الرواح إليها، وأمره يأخذ من المغانم خمس الله؛ وما كتب على المؤمنين في الصدقة: من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب ([160]) نصف العشر، وفي كل عشرٍ من الإبل شاتان، وفي كل عشرين أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع ([161]) جذع ([162]) أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة ([163]) وحدها، شاة؛ فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرًا فهو خير له.

وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلامًا خالصًا من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه مع المؤمنين: له مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم.

ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها. وعلى كل حالم ([164]): ذكر أو أنثى، حر أو عبدٍ، دينار وافٍ أو عوضه ثيابًا. فمن أدى ذلك فإن له ذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين جميعًا. صلوات الله على مُحَمَّد، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته )).

 زجروا: نهوا وانتهروا. استقدموا: استقدموا إليهم: مالوا عليهم ميل عداوة. يحتبي: يجلس على أليتيه ويضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند. التغليس: أن يصليه في أول الفجر. التهجير: الصلاة في أول وقت الظهر، والهاجرة: نصف النهار حين تزول الشمس. الغرب: الدلو العظيمة. تبيع: ما استكمل من ولد البقر. جذع: ما استكمل سنتين من ولد البقر. سائمة: كل إبل أو ماشية ترسل للرعي ولا تعلف. حالم: من أدرك وبلغ مبلغ الرجال (أو النساء).

ذكر الكذابين: مُسَيْلِمَة الحنفي والأسود العنسي:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وقد كان تكلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الْكَذّابَانِ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ بِالْيَمَامَةِ فِي بَنِي حَنِيفَةَ وَالْأَسْوَدُ بْنُ كَعْبٍ الْعَنْسِيّ بِصَنْعَاءَ. عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على منبره، وهو يقول: (( أيها الناس، إني قد رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها، ورأيت في ذراعي سوارين من ذهبٍ فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمن، وصاحب اليمامة ))([165]).

وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالًا، كلهم يدعي النبوة )).

 أخرجه ابن أبي شيبة(30476)، أحمد(11834)، وابن ماجه(3922)، وأبو يعلى(1063)، وابن حبان(6653)

خروج الأمراء والعمال على الصدقات:

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الإسلام من البلدان، فبعث المهاجر بْن أبي أمية بْن الْمُغِيرَة إلى صنعاء؛ فخرج عليه العنسي، وهو بها. وبعث زياد بْن لبيد أخا بني بياضة الأنصاري إلى حضرموت، وعلى صدقاتها. وبعث عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ على طييءٍ وصدقاتها، وعلى بني أسد. وبعث مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ على صدقات بني حنظلة. وفرق صدقة بني سعدٍ على رجلين منهم: فبعث الزِّبْرَقَانَ بْنَ بَدْرٍ على ناحية منها، وقيس بْن عاصم على ناحية. وكان قد بعث العلاء بْن الحضرمي على البحرين، وبعث عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رضوان الله عليه - إلى أهل نجران، ليجمع صدقتهم، ويقدم عليه بجزيتهم.

كتاب مُسَيْلِمَة إلى رسول الله  e  والجواب عنه:

وقد كان مُسَيْلِمَة بْن حبيبٍ قد كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مُسَيْلِمَة رسول الله  إلى مُحَمَّد رسول الله . سلام عليك. أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقُرَيْش نصف الأرض، ولكن قُرَيْشًا قوم يعتدون.

فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب.

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: فحدثني شيخ من أشجع، عن سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ، عن أبيه نعيم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهما حين قرأ كتابه: (( فما تقولان أنتما ))؟ قالا: نقول كما قال. فقال: (( أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ))([166]). ثم كتب إلى مُسَيْلِمَةَ:

(( بسم  الله الرحمن الرحيم. من مُحَمَّدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مُسَيْلِمَةَ الكذاب، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين )).

وذلك في آخر سنة عشر.

 أخرجه أحمد(16032)، وأبو داود(2761)، والحاكم(2632)، والبيهقي(18556)