ألف باء الإسلام: صفحة البداية→ الأعلى

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *المعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟ *فريضة على كل مسلم *غارة على عقل المسلم  *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟

توديع الجسد الشريف

أمر سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَةَ:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَاعْتَزَلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ وَانْحَازَ بَقِيّةُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَانْحَازَ مَعَهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل، فأتى آتٍ إلى أَبِي بَكْرٍ وعمر، فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بْن عبادة في سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَةَ قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره، قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر: فقلت لأَبِي بَكْرٍ: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، حتى ننظر ما هم عليه.

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاس، قال: أخبرني عبد الرحمن بْن عوف، قال: وكنت في منزله بمنى أنتظره، وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر، فرجع عبد الرحمن بْن عوف من عند عمر، فوجدني في منزله بمنىً أنتظره، وكنت أقرئه القرآن. فقال لي عبد الرحمن بْن عوف: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان، يقول: والله لو قد مات عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لقد بايعت فلانًا، والله ما كانت بيعة أَبِي بَكْرٍ إلا فلتة فتمت! قال: فغضب عمر، فقال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس، وغوغاءهم ([1])، وإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير، ولا يعوها، ولا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم الْمَدِينَة، فإنها دار السنة، وتخلص بأهل الفقه ([2]) وأشراف الناس، فتقول ما قلت بالْمَدِينَة متمكنًا فيعي أهل الفقه مقالتك، ويضعوها على مواضعها فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالْمَدِينَة!

قال ابْنُ عَبَّاسٍ: فقدمنا الْمَدِينَةَ في عقب ذي الحجة. فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زالت الشمس، فأجد سعيد بْن زيد بْن عمرو بْن نفيل جالسًا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فلما رأيته مقبلًا قلت لسعيد بْن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف! فأنكر على= سعيد بْن زيد ذلك، وقال: ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله؟ فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهل له، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لي أن أقولها، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها فلا يحل لأحد أن يكذب علي. إن الله بعث مُحَمَّدًا، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعلمناها ووعيناها. ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، وإذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تطروني كما أطرى عيسى ابن مريم، وقولوا: عَبْد اللَّهِ ورسوله )). ثم إنه قد بلغني أن فلانًا قال: والله لو قد مات عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لقد بايعت فلانًا! فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أَبِي بَكْرٍ كانت فلتة فتمت. وإنها قد كانت كذلك، إلا أن الله قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أَبِي بَكْرٍ، فمن بايع رجلًا عن غير مشورةٍ من المسلمين فإنه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ([3]). إنه كان من خبرنا- حين توفى الله نبيه    أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَةَ، وتخلف عنا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍٍ والزبير بْن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أَبِي بَكْرٍ، فقلت لأَبِي بَكْرٍ: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار. فانطلقنا نؤمهم، حتى لقيَنَا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، وقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَةَ، فإذا بين ظهرانيهم ([4]) رجل مزمل ([5])، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد ابن عبادة. فقلت: ماله؟ فقالوا: وجع. فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا. وقد دفت دافة([6]) من قومكم. قال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغتصبونا= الأمر.

فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت ([7]) في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أَبِي بَكْرٍ، وكنت أداري منه بعض الحد ([8])، فقال أَبُو بَكْرٍ: على رسلك يا عمر! فكرهت أن أغضبه، فتكلم، وهو كان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته، أو مثلها، أو أفضل، حتى سكت. قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل, ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قُرَيْش: هم أوسط العرب نسبًا ودارًا. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم. وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بْن الجراح وهو جالس بيننا, ولم أكرة شيئًا مما قاله غيرها. كان والله أن تقدم فتضرب عنقي, لا يقربني ذلك إلي إثم, أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أَبُو بَكْرٍ.

قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك, وعذيقها المرجب ([9]), منا أمير ومنكم أمير يا معشر قُرَيْش.قال: فكثر اللغط, وارتفعت الأصوات, حتى تخوفت الاختلاف, فقلت: ابسط يدك يا أَبَا بَكْرٍ. فبسط يده, فبايعته, ثم بايعه المهاجرون, ثم بايعه الأنصار, ونزونا ([10]) على سعد بْن عبادة, فقال قائل منهم: قتلتم سعد بْن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بْن عبادة.

قال الزهري: أخبرني عُرْوَة بْن الزبير, أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلي السقيفة: عويم ابن ساعدة, والآخر معن بْن عدي أخو بني العجلان, فأما عويم بْن ساعدة فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من الذين قال الله عز وجل لهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [ التَّوْبَةِ : 108]؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نعم المرء منهم عويم بْن ساعدة )). وأما معن بْن عدي, فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله عز وجل, وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبله, إنا نخشي أن نفتتن بعده. قال معن بْن عدي: لكني والله ما أحب أني مت قبله, حتى أصدقه ميتًا كما صدقته حيًا! فقتل معن يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أَبِي بَكْرٍ يوم مُسَيْلِمَةَ الكذاب.

وحدثني الزهري, قال: حدثني أنس بْن مَالِك, قال: لما بويع أَبُو بَكْرٍ في السقيفة وكان الغد, جلس أَبُو بَكْرٍ على المنبر, فقام عمر, فتكلم قبل أَبِي بَكْرٍ, فحمد الله وأثنى عليه بما أهله, ثم قال: أيها الناس, كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله, ولا كانت عهدًا عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا- يقول: يكون آخرنا- وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله   ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه. فبايع الناس أَبَا بَكْرٍ بيعته العامة بعد بيعة السقيفة.

فتكلم أَبُو بَكْرٍ، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن اسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح ([11]) عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

عن ابن عَبَّاس، قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وهو عامد إلى حاجة له، وفي يده الدرة ([12])، وما معه غيري، وهو يحدث نفسه، ويضرب وحشي قدمه ([13]) بدرته، إذ التفت إلي فقال: يا ابن عَبَّاسٍ، هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا أدري يا أمير المؤمنين، أنت أعلم. قال: فإنه والله إن كان الذي حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا #[ الْبَقَرَةِ : 143]، فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت.

 الرعاع: سقط الناس، وأصل الغوغاء الجراد، فشبه سفال الناس به؛ لكثرتهم. في تحقيق السقا: بأهل الثقة. أي: جوف التغرة، وهي التغرير، ومعناه أن البيعة حقها أن تقع صادرة عن المشورة والاتفاق، فإذا استبد رجلان اثنان الجماعة فبايع أحدهما الآخر فذلك تظاهر منهما بشق العصا واطراح الجماعة. فإن عقد لأحد بيعة فلا يكون المعقود له واحدًا منهما، وليكونا معزولين من الطائفة التي تتفق على تمييز الإمام منها؛ لأنه لو عقد الواحد منهما وقد ارتكبا تلك الفعلة الشنيعة التي أحفظت الجماعة من التهاون بهم والاستغناء عن رأيهم، لم يؤمن أن يقتلا. عن لسان العرب (غرر). بين ظهرانيهم: بينهم. مزمل: ملتف، تزمل الرجل، إذا التف في كساء أو نحوه. الدافة: الجماعة التي تأتي من البادية إلي الحاضرة, وهي أيضًا الجماعة تسير برفق. زورت مقالة: أعددتها وحسنتها في نفسي. يريد أنه قد كان في أخلاقه بعض الحدة, فكان جهد عمر أن يداريه. الجذيل: تصغير جذل, وهو عود ينصب للإبل تحتك به وتستريح إليه. والعرب تضرب به المثل للرجل يستشفي برأيه. والعذيق: تصغير عذق, وهي النخلة نفسها. والمرجب: الذي تبنى إلى جانبه دعامة؛ لكثرة حمله وعزه على أهله, وهو مضروب به المثل للرجل الشريف المبجل. النزو: الوثب. أراحه: أرجعه ورده. الدرة: بالكسر: ضرب من السياط يضرب به، يكون للسلطان. وحشي القدوم: جانبها الخارجي.

جهاز رسول الله e  ودفنه:

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: فلما بويع أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء. فحدثني عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَالْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَقُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَشُقْرَانَ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين وَلوُا غسله، وأن أَوْسَ بْنَ خَوْلِيِّ أَحَدَ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، قَالَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أنشدك الله يا علي وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أوس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر- قال: ادخل. فدخل فجلس، وحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسنده عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ إلى صدره وكان العَبَّاس والفضل وقثم يقلبونه معه، وكان أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَشُقْرَانُ مولاه هما اللذان يصبان الماء عليه، وعلي يغسله، قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، لا يفضي بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي يقول: بأبي أنت وأمي، ما أطيبك حيًا وميتًا!! ولم ير من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء مما يرى من الميت.

عن عائشة، قالت: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندري، أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه. فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه، والقميص دون أيديهم. قال ابْنُ إِسْحَاقَ: فلما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين ([14]) وبرد حبرة أدرج فيها إدراجًا.

عن ابن عَبَّاس، قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو عبيدة بْن الجراح يضرح ([15]) كحفر أهل مَكَّةَ، وكان أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ هو الذي يحفر لأهل الْمَدِينَةِ فكان يلحد ([16])، فدعا الْعَبَّاسُ رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحَ، وللآخر: اذهب إلى أبي طلحة، اللهم خر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه، فقال أَبُو بَكْرٍ: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم    يقول: (( ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض )). فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه، فحفر له تحته، ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه أرسالًا ([17]): دخل الرجال حتى إذا فرغوا أدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أدخل الصبيان. ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد. ثم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الأربعاء. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي ([18]) من جوف الليل من ليلة الأربعاء.

قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وكان الذين نزلوا في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْفَضْلَ ابْنَ عَبّاسٍ ، وَقُثَمَ بْنَ عَبّاسٍ وَشُقْرَانَ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال أوس بْن خولي لعَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ: يا علي أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال له: انزل. فنزل مع القوم. وقد كان مولاه شقران- حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وبنى عليه- قد أخذ قطيفةً ([19]) قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ويفترشها، فدفنها في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك أبدًا! قال: فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كان الْمُغِيرَةُ بْنُ شعبة يدعي أنه أحدث الناس عهدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: أخذت خاتمي، فألقيته في القبر، وقلت: إن خاتمي سقط مني. وإنما طرحته عمدًا أمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون أحدث الناس عهدًا به   .

عن مقسم أبي القاسم مولى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عن مولاه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قال: اعتمرت مع عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- رضوان الله عليه- في زمان عمر أو زمان عثمان. فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عمرته رجع، فسكب له غسل فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق، فقالوا: يا أبا حسن، جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه. قال: أظن الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أجل، عن ذلك جئنا نسألك. قال: كذب، قال: أحدث الناس عهدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم قُثْمُ بْنُ عَبَّاسٍ.

عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ, أن عائشة حدثته قالت: كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة سوداء ([20]) به حين اشتد به وجعه, قال: فهو يضعها مرة على وجهه ومرة يكشفها عنه، وهو يقول: (( قاتل الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! )) يحذر من ذلك على أمته.

عن عائشة، قالت: كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن قال: (( لا يترك بجزيرة العرب دينان )). قال ابْنُ إِسْحَاقَ: ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة- فيما بلغني- تقول: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية ([21]) والنصرانية، ونجم النفاق ([22])، وصار المسلمون كالغنم المطيرة ([23]) في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم  e ، حتى جمعهم الله على أَبِي بَكْرٍ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم: أن أكثر أهل مَكَّةَ لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الإسلام، وأرادوا ذلك، حتى خالفهم عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ ([24])، فتوارى، فقام سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه! فتراجع الناس، وكفوا عما هموا به، وظهر عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ. فهذا المقام الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: (( إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمه )).

 صحاريين: نسبة إلى صحار، وهي بلد من بلاد اليمن. ويقال: هي عمان. الضرح: الشق. والضريح: القبر يشق في وسط الأرض شقًا. اللحد: الشق يكون في جانب القبر. أرسالًا: جماعة بعد جماعة، الواحد رسل بالتحرك. المساحي: جمع مسحا، وهي مجرفة من حديد. القطيفة: كساء له خمل، أي: أهداب. الخميصة: كساء أسود مربع، له علمان، أي: خطان. اشرأب الرجل: صعد عنقه لينظر. ومعناه تطلعت وبرزت. نجم النفاق: ظهر وبدا. المطيرة: التي أصابها المطر. عتاب بن أسيد: كان والي مكة وأميرها حين وفاة النبي e.