ألف باء الإسلام: صفحة البداية→

السيرة النبوية: *تهذيب سيرة ابن هشام

الحديث الشريف: *الألف المختارة من صحيح البخاري القرآن الكريم:  *لمعجم الوجيز *التفسير الميسر

رسائل إحياء العقل المسلم

توعية

حملة اعرف دينك

تعليم

رسالة البعث رسالة الوعي رسالة العلم

رسالة الإيمان

للمبتدئين:  *ألف باء الإسلام  *تجويد القرآن *المصحف المعلم

*القرآن: من المتكلم؟   *فريضة على كل مسلم    *غارة على عقل المسلم   *كيف نحيا مسلمين؟

للمثقفين: *علم نفسك الإسلام (عقيدة - أصول - عبادات - سلوك - معاملات سيرة)

القرآن معجزة الإسلام

هداية

للباحثين عن الحق

تعريف

البرهان في إعجاز القرآن: *الإعجاز البياني *السماء والأرض *علوم الحياة *متنوعات

برنامج هذا ديننا:

مختارات: *وجادلهم بالتي هي أحسن *القرآن والعلم الحديث *القرآن معجزة المعجزات

*الإسلام في سطور *لماذا نؤمن؟ *دعوة كل الأنبياء *كيف تدخل في الإسلام؟


البرهان في إعجاز القرآن

القرآن: من المتكلم الرسول والوحي إعجاز البيان

في الكون والفضاء

في كوكب الأرض في الكائنات الحية 
في خلق الإنسان في الطب البشري في الصحة العامة  مفاهيم علمية عامة حقائق التاريخ نبوءات المستقبل

الفصل الأول

القرآن: مَنِ المُتَكَلِّم؟

إعجاز توجيه الخطاب في القرآن

اطبع Word

تصفح PowerPoint

     إن القارئ المتدبر المنتبه، الذي يقرأ القرآن على مكث، لا يفوته التنوع والتغير المستمر في أسلوب توجيه الخطاب؛ فالقرآن لا يجري على نسق واحد من أسلوب  الخطاب؛ بل يتبدل أسلوب خطابه أولا بأول تبعا للسياق، بما يلائم – بمنتهى الدقة – مقتضى المعنى وطبيعة المخاطبين والتأثير المراد. فهو إما:

 1-      خطاب من الله بصيغة المتكلم، باستخدام ضمائر المتكلم المباشرة:

  "نحن"، كما في قوله:

 ]نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً[    [الإنسان 28]

     
أو: "أنا"، كما في قوله:

]نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ[  [الحجر 49]    

أو الضمائر غير المباشرة، كضمير الألف اللينة:

- في موضع الفاعل، كما في قوله:

]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[  [الحجر 9]

 - أو في موضع المضاف إليه، كما في قوله:

]وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ [القمر 50]

 أو ضمير الياء للمتكلم في موضع المضاف إليه (عبادي)، أو الفاعل (فإني) كما في قوله تعالى:

]وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ[ [البقرة 186]

 2-     خطاب عن الله بصيغة الغَيْبَة:

]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ [التوبة 33]

 3- خطاب موجه من الله إلى النبي بلفظ مباشر، كالنداء "يأيها":

]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا[  [الأحزاب 45-46]   

   أو بلفظ "قُلْ":

]قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ [الأنعام 162]

     أو بضمير المخاطَب، كالتاء:

]وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى[ [الأنفال 17]

   أو الكاف:

]مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى[ [الضحى 3]

 4-   خطاب موجه إلى جماعات بعينها، كالمؤمنين:

]َيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[ [الأنفال 27]

 أو أهل الكتاب:

]يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[ [آل عمران 71]

 أو بني إسرائيل:

]يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[ [البقرة 40]

 أو الناس جميعا:

]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[ [الحجرات 13]

  أو الإنس والجن:

]يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ[ [الرحمن 33]

 5-    كلام يُرْوَى على لسان أنبياء يتكلمون به:

]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ[ [البقرة 126]

أو على لسان غيرهم من البشر:

]وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي[ [القصص 38]

 أو غيرهم من المخلوقات:

]حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ[ [النمل 18]

6-     كلام عام بأسلوب الغَيْبَة في سائر الكتاب: إما أن يروي أحداثا، كما في القصص القرآني:

]فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ[ [يوسف 15]

 أو يصف نفوسا وأفعالا:

]مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ[ [الفتح 29]

 ]وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[ [المنافقون 4]

]وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا[ [الكهف 57]

    أو يقرر حقائق:

]الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً[ [الكهف 46] 

أو يثبت قواعد دنيوية أو أخروية: 

]سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً[ [الأحزاب 62]

]فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[ [الزلزلة 7-8]

    أو يقرر أحكاما:

]وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ[  [المائدة 38]

    أو يشير إلى معارف ومفاهيم:   

]وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ[ [النحل 15]

    
مقاصد تنوع أساليب الخطاب في القرآن

      كما أسلفنا، يتغير أسلوب القرآن في الخطاب من موضع لآخر في السياق. ولا يحتاج المرء لكثير تدبر ليلحظ أن ذلك التغير ، لا يجري عبثا بل إنه يأتي دائما بحيث يعبر، بأقصى درجات الدقة وبحساسية بالغة، عن تغير المعنى المراد – تبعا للمواقف والموضوعات والمخاطَبين، وبما يليق بجلال ربوبية الله، ويناسب قدر المخاطَب أو المخاطَبين:

 1-  الخطاب المباشر من الله سبحانه وتعالى بضمير المتكلم "نحن" أو "أنا"، أو ضمائر المتكلم: كنون الفعل (نفعل)، وكالألف اللينة (نا) أو الياء (ني) - كلاهما ضميران للمتكلم الفاعل أو المضاف إليه – كما سنرى في الشواهد. ولا يكون الخطاب بهذه الصيغ إلا تعبيرا عن جلال الربوبية في تقريره:

لنعمه على خلقه:

]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[  [الإسراء 70]

 أو لقضاء فاصل:

]وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا[ [الإسراء 4]

 أو لحكم قاطع:

]مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا[ [المائدة 32]

 أو لوعد نافذ:

]إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأََشْهَادُ[ [غافر 51]

    أو لوعيد منذر:

]وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[ [الإسراء 16]

 أو للقدرة المطلقة في الخلق والبعث:

]إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ[ [ق 43]


أو لغير ذلك من مظاهر وأمور ربوبيته سبحانه وتعالى.

 2-   ذكر الله تعالى باسم الجلالة أو بصفاته أو بضمير الغائب "هو"؛ وذلك في مجالات الوصف والتعريف، والإخبار عنه والتذكير به وما إلى ذلك:

]اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[ [البقرة 255]

   
]الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[ [الرحمن 1-2]

      
]هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[ [الحشر 22]

        
]إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ[ [التوبة 111]

       
]وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[ [إبراهيم 34]

        وفي هذه الأمثلة، وغيرها من المواضع التي يذكر فيها الله بصيغ الغَيْبَة، تعبير وإشعار أيما إشعار بجلال الربوبية؛ فإنه يتنزه جل شأنه أن يتحدث بضمير المتكلم عن آلائه وصفاته، وعجائب قدرته وأفعاله، أو أن أن يتبسط في الخطاب يقول "فعلت كذا" أو "قلت كذا"؛ إذ لو صدر الخطاب في مثل هذه الأمور بضمائر المتكلم لتدنى بمكانة القائل نحو مكانة المخاطَبين، وحاشا لله العلي الكبير!

         خذ لذلك مثلا لو قُلِبَ الخطاب في الآية:  ]اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ[ [البقرة 255]، إلى صيغة المتكلم: أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم، لا تأخذني سنة ولا نوم، من ذا الذي يشفع عندي إلا بإذني ...!

 

 أو قُلِبَ الخطاب في الآية: ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍلاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ[ [النور 36]، إلى صيغة المتكلم أيضا: أنا نور السماوات والأرض، مثل نوري كمشكاة فيها مصباح ...! لترى كيف يتضاءل جلال الخطاب بالخالق ويتبسط بالقول فيه تجاه مخلوقيه.

 

       وبالمقابل أيضا لا يختلف الأمر لو أعدنا الكَرَّة على نماذج من عبارات الخطاب المباشر من الله بضمائر المتكلم، فقلبت إلى صيغة الغَيْبَة. فمثلا لو قلبت الآية: ]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[  [الحجر 9]، إلى: إن الله نزل الذكر، وإنه له لحافظ! أو قلبت آية: ]لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[ [الحشر 21]، إلى: لو أنزل الله هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشيته ...! ألا يزيدك الفرق يقينا بما أسلفناه وبيناه؟

 
       ثم طبق ذلك إن شئت على أي مَثَل مما أوردناه من أمثلة في هذا المبحث، أو طبقه على أي عبارة في القرآن ذُكِر الله فيها بصيغة أو ضمير الغائب، حين يقلب الخطاب فيها إلى صيغة المتكلم، لتدرك وتتيقن كم هي سعة البون بين كلام الله وكلام البشر؟

3-   الخطاب من الله إلى الرسول:

 تذكيرا بآلاء الله وقدرته:

]أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ[ [البقرة 107]

 

أو بأمور الغيب والآخرة:

]وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ[ [الأنعام 93]

 

أو تحديدا لدور الرسول:

]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً[ [الأحزاب 45]

 

أو تثبيتا له وشدا لأزره:

]مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى[ [الضحى 3- 5]

 

أو تشريفا له وتكريما:

]فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً[ [النساء 41]

 

أو تذكيرا بنعم الله عليه:

]أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ[   

  [الشرح 1]

  

أو أمرا إليه خاصة:

]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ [التحريم 1]

 

أو إلى المؤمنين من خلاله:

]يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ[ [الطلاق 1]

 

أو جوابا لسؤال المؤمنين أو غيرهم:

]يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ[ [البقرة 215]

 

أو تسجيلا وتذكيرا لأحداث:

]وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[ [آل عمران 121]

 

أو كشفا لضلال الكافرين ومكرهم:

]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ[ [البقرة 120]

 

أو ردا على أباطيلهم:

]لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ [المائدة 17]

 

 أو توجيها لأسلوب التعامل معهم:

 ] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ[ [آل عمران 61]

   
        وفي هذه المواضع كلها – وبالإضافة إلى ما فصلنا في الفصل الثاني (الرسول والوحي) - يبرز دور الرسول وموقفه من الخطاب القرآني، في أنه لا يخرج عن كونه متلقيا للوحي، مستقلا عن مصدره، مبلغا له بحذافيره لا يزيد فيه ولا ينقص.

 

4-  سائر أنواع الكلام: التي لا تتعلق بمبحثنا هذا؛ من سرد لقصص وأخبار، وحقائق وآيات، وحِكَم وأحكام، ووعد ووعيد وما إلى ذلك في سائر النص القرآني.

 
تحول الأساليب (الالتفات) في القرآن


   
  إن من أجلى ما يتميز به كلام الله في القرآن عن كلام سائر البشر هو ذلك التنوع والتغير المتوالي في وجهة الخطاب وأسلوب إنشائه عبر السياق القرآني – من آية لآية، أو من عبارة لعبارة بنفس الآية ، وهو ما يطلق عليه: "الالتفات".

   ويعرف الالتفات لغة بأنه "تحويل أسلوب الكلام من وجه إلى آخر". وهو من أسمى صور البلاغة، وأكثرها تنبيها للقارئ، ومن أقوى دلائل الإعجاز، إن لم يكن أقواها، كما سيتبين لنا بعد قليل.

       وللالتفات في القرآن صور متعددة، يعنينا منها في هذا المقام خمس: 

1- الالتفات من الغَيْبَة إلى الخطاب المباشر بصيغ المتكلم:

 ]وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ[ [النمل 82]

]وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً[  [النحل 41]

]مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ[ [الشورى 20]

 2- الالتفات من صيغة المتكلم إلى صيغة الغَيْبَة:

]وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ[ [الحج 16]

]فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[ [العنكبوت 40]

 3- الالتفات من صيغة المتكلم إلى مخاطبة الرسول:

]نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ[ [ق 45]

]وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً[ [الإسراء 106]

 4- الالتفات من صيغة خطاب الرسول إلى صيغة المتكلم:

]وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ[ [الأنعام 25]   

]ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ[ [المؤمنون 96]

5- الالتفات من صيغة الغَيْبَة إلى خطاب الرسول:

]فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا[ [طه 114]

]وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً[ [الفرقان 32]        


وهذه الشواهد التي أوردناها ما هي إلا نماذج أو عينات لقليل من بحر يتدفق ببراعة الالتفات في القرآن، والذي لا تكاد تخلو من ألوانه وعجائبه صفحة من المصحف أو بضع آيات منه. وهو أيضا من أروع دلائل الإعجاز البياني؛ من أروعها لأنه يبث حياة متدفقة في الكتاب كله، باعثها خالق الكون ومُنْزِل القرآن.

 ما هو بقول بشر

        لذا فإن القارئ المنصف، والمتتبع الواعي لهذا التنوع والتبدل المطرد للخطاب بين دفتي الكتاب العزيز لا يملك إلا التسليم بأن الذي يدير هذا الخطاب كله ويصدر عنه:

 1-  هو مصدر خارج مستقل عن ذات الرسول المُبَلِّغ.

2-  خارج مستقل عن كل العالَمين المخاطَبين.

3-  جليل يوجه الخطاب دوما بما يناسب قدره وجلاله، وينأى به عما لا يليق به. 

4-  حكيم عليم بطبيعة المخاطَبين وحالهم، وبالخطاب الأمثل لهدايتهم والتأثير عليهم.

      ولا يحتاج قارئ القرآن لأكثر من التمهل والانتباه، وقليل من التدبر لمسار الخطاب وتغيره من موضع لآخر؛ حتى يدرك ويلح عليه اليقين: أن هذا النص إنما هو كلام الله إلى كل خلقه، يعلن فيه عن نفسه ويتجلى بشتى أساليب الخطاب: مخاطبا الرسول، ومخاطبا فئات من الناس، ومخاطبا الناس جميعا. إذ ليس في مقدور بشر أن يتصنع كلاما – بهذا الطول وهذا التنوع في السياق وتوجيه الخطاب بالالتفات (التغير في توجيه الخطاب) المتكرر؛ بحيث يبدو وكأنه صادر (في كل لفظ وعبارة منه) من الله كما في القرآن، ولا بما يناسب قدره وينزهه عما لا يليق به كما في القرآن، ولا بما يحقق أعظم تأثير طبقا لمقتضى الموضوع وحال المخاطَبين كما في القرآن.

        فالقرآن كله معجز، من كل وجه معجز. إلا أن هذا الوجه وحده – أي أسلوب توجيه الخطاب – نحسبه أقوى الوجوه؛ لأنه يتعلق باستحالة أن يصطنع بشر كلاما يوجه فيه الخطاب: بحيث يتقمص فيه دور الله وجلاله؛ إذ ليس في مقدور بشر أن يتجاوز بفكره وإدراكه حدود أفكاره الخاصة وقيود مشاعره الذاتية. وهذا تحدي قائم إلى قيام الساعة، ونتيجته معروفة مسبقا، وثابتة بشهادة التاريخ وبما هو واقع مدرك من طبائع البشر وقدراتهم النفسية واللغوية، وبعض تعليله هو ما أسلفنا من تحليل.

      وهذا التتبع والتدبر لتوجيه الخطاب في القرآن مدخل إلى اليقين بإعجاز القرآن وصدق تنزيله من المولى عز وجل، دون تدخل بشر ولا عبث عابث. وهو أيضا المدخل الأقرب والأيسر؛ حيث لا يتطلب إتقانا لعلوم اللغة ولا غوصا في أسرار البلاغة. بل إني أحسب أن القارئ الأعجمي لترجمات معاني القرآن بأي لغة (إن التزمت الدقة في مطابقة توجيه الخطاب لما في الأصل العربي) سيدرك هو الآخر ويستشعر ما يتوصل إليه كل قارئ متدبر واعي: أن الذات المتكلمة من خارج البشر وفوق كل البشر.

     وربما كان هذا الإدراك والاستشعار العامل الأساسي وراء دخول الرعيل الأول من العرب في الإسلام بمجرد سماعهم لآيات معدودة من القرآن. فقد أدركوا بسليقتهم وفطرتهم اللغوية، ولأول وهلة - قبل أن يكتمل التنزيل ويتبين التشريع – أن هذا "الخطاب" ليس كلام بشر؛ بل قول الأسمى من كل البشر، فآمنوا به وسلَّموا.  لم يكن الأمر مجرد انبهار بروعة النص وسمو العبارة فوق كل ما عرفه السابقون واللاحقون من شعر أو نثر؛ فالانبهار وحده مدعاة للإعجاب والإمتاع ثم الإشادة، وقد لا يكون لدى البعض سببا كافيا وحده للإيمان بله اليقين، ذلك الإيمان واليقين الذي ترسخ في قلوب المؤمنين الأوائل، ومن تبعهم بإحسان،  فواجهوا به الدنيا بأسرها وشروا به بظهر الغيب دار الخلود.

 الخلاصة

§    البيان القرآني معجزة المعجزات، اجتمعت فيه أقصى درجات الجمال والسمو والكمال، بحيث تعجز عقول البشر – أفرادا أو مجتمعين – عن الإتيان بمثله، أو الوفاء بأي مما عرضنا له، في الفصل الأول،  من شتى جوانب إعجازه، فضلا عن الوفاء بها مجتمعة.

§    وشأن الرسول الكريم r مع الوحي لا يتجاوز شأن المتلقي المترقب، والمبلغ الأمين حرفا بحرف وآية بآية، كما أسهبنا وأثبتنا في الفصل الثاني.

§    ثم سلطنا الضوء على ذلك الالتفات المتكرر في القرآن، من صورة من صور الخطاب لأخرى، بحيث يتجلى الله بصيغة أو ضمير المتكلم في الموضع المناسب لجلال ربوبيته، ويذكر بصيغة أو ضمير الغائب في غيرها بما يليق أيضا بجلاله؛ وبحيث يخاطب الرسول عند الاقتضاء بنص خارج مستقل عن ذاته.

§    كل ذلك يثبت ويؤكد ويجزم أن هذا الخطاب القرآني وإدارته بهذه الدقة والبراعة، التي ما بعدها دقة أو براعة، إنما ينبع من خارج الرسول المبلغ الأمين، ومن مصدر عليم فوق كل البشر: من العليم الحكيم ذو العلم الأسمى، الذي ينفد البحر قبل أن تنفد كلماته، وهو الذي تحدى البشر فعجزوا وسلَّموا وأيقنوا بعجزهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن إلى قيام الساعة.

 ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.

ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين.

******************************