تماسك الكون:

فيديو: استمع واقرأ

قال تعالى في سورة الرعد:

) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ( [الرعد: 2](1).

) خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (
[لقمان: 10]
(2).

أي أن قوى ميكانيكية غير مرئية ترفع الأجسام السماوية بعيدا عن بعضها بأمر الله، ومصدر هذه القوى الطاردة طاقة الحركة التي انطلقت بها الأجسام منذ انفصالها عن بعضها البعض والتي تعادل بها تأثير الجاذبية. الجاذبية بدورها قوى غير مرئية تؤثر على الأجسام المادية سواء كانت أجراما سماوية أو جسيمات نووية، ويختلف التعبير القرآني في هذه الآيات – مع دقته ووضوحه – كثيرا عن تصورات البشر في الماضي القريب، حيث سادت خزعبلات عن طبيعة الأجرام السماوية والقوى التي تحكمها وتشدها إلى بعضها البعض. 

أبعاد الكون:

كلما هدى الله الإنسان إلى مزيد من المعارف الفلكية كلما تفطن إلى الجديد من أوجه الإعجاز في الإشارات الكونية بالقرآن الكريم، فقد أدرك الإنسان أن مواقع النجوم كلها مقدرة تقديرا بحساب دقيق:
)
فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( [الواقعة: 75 ، 76]
(3).

وفي مثل هذا المعنى أيضا:
)
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ( [البروج:1]
(4).

وكل ما في الكون من أجرام يسبح في أفلاك:

) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( [الأنبياء: 33](5).

) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلااللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( [يس: 40].

والسباحة لغة هي: الحركة الذاتية: وهذا تصحيح للفلسفة اليونانية القديمة التي كانت تنادي بأن الشمس والقمر والكواكب كل مغروز في أغلفة كروية شفافة حول الأرض – المركز المشترك للكون في تصورهم.

الكون الذي يمتد إليه بصرنا (إلى أقصى مدى تتيحه وسائل الرصد) مترامي الأطراف حتى أن قطر مجرتنا – بما فيها من نجوم (أحدها الشمس) وكواكب وأقمار يبلغ حوالي 100000 (مائة ألف) سنة ضوئية، أي يقطعه الضوء في 100000 سنة، أما أقرب المجرات (من ملايين المجرات في الكون) فتبعد 700000 سنة ضوئية عن مجرتنا، فسبحانك ربي كما وصفت ذاتك:

) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( [البقرة: 255].

       والأرض ليست – كظن الأقدمين – محور الكون بل هي كوكب تابع للشمس، أحد نجوم مجرة درب التبانة التي تضم قرابة 100 بليون نجم منتشرة في الفضاء المتسع، يبلغ "أقصر" قطر لها كما ذكرنا 100000 سنة ضوئية، ولما كانت سرعة الضوء 300000كم/الثانية، فإن هذا القطر يعادل حوالي 10 18 كم (10 أس 18)، أي مليون مليون مليون كيلو متر، وتقع الشمس على مسافة 300000 سنة ضوئية من مركز المجرة، وهذه المجرة بما فيها ما هي إلا واحدة من بلايين المجرات التي تموج بها السماء (المرئية) والتي توصلت أقوى ما لدى البشر من تلسكوبات ووسائل رصد إلى تقديرها بأكثر من 500 بليون مجرة، علما بأن هذه الوسائل لا يمتد مجال رؤيتها أكثر من 5 بلايين سنة ضوئية في الفضاء حتى الآن.

وتتفق هذه الحقائق العلمية تماما مع التعبيرات القرآنية في وجهين.

أ . تقديم ذكر السماوات عن الأرض؛ حيثما اجتمع ذكرهما بصيغة العطف في آية (178 آية في القرآن) ، وذلك في مثل قوله تعالى:

) مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ( [الأحقاف: 3].

) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ( [الزمر: 68].

عدا موضعين اقتضى فيها سياق الموضوع غير ذلك.

ب . الإشارة إلى وجود صورللحياة في  العوالم الأخرى:

) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( [النحل: 49].

) وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ( [الشورى: 29].

) وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ( [الرعد: 15].

ويتفق ذلك أيضا مع صيغة الجمع:"العالمين" التي تنبت في أرجاء الذكر الحكيم ابتداء من فاتحة الكتاب: ) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( إلى 72 موضعا آخر.

كما يتمشى مع ما جاء في الحديث من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام: "اللهم رَبَّ السمواتِ السَّبْعِ وما أظَلَّت ورَبَّ الأراضِينَ وما أقَلَّت" (الترمذي).