الحديد:

فيديو: استمع واقرأ

اختص الله سبحانه وتعالى الحديد ـ دون سائر الفلزات والعناصر ـ بإشارات هامة في القرآن الكريم، منها سورة الحديد التي جاء فيها:

) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ

 إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (. [الحديد: 25].

لقد أصبح الحديد العمود الفقري للمنشآت الهندسية وللحضارة، وتشير كل المؤشرات الجيولوجية والمتالورجية إلى أنه سيظل كذلك إلى ما شاء الله

في هذا الكوكب الأرضي، والحديد في خاماته أكثر العناصر الفلزية القابلة للاستخلاص انتشارا (الألومنيوم كعنصر كيميائي في المركبات أوفر من عنصر الحديد،

إلا أن الغالبية العظمى للألومنيوم في صورة مركبات ألومينوسليكات (مادة الطين) المستقرة صعبة الاختزال، ويصعب جدا لاعتبارات فنية واقتصادية وغيرها

تحويلها إلى الفلز).

لا توجد خامات الحديد نقية في الطبيعة، بل تختلط ـ كغيرها من الخامات الفلزية ـ بالعديد من الشوائب، ولاستخلاص الحديد نقيا يتم أولا تركيز خاماته

لفصل العديد من الشوائب، بغسلها بالماء والمحاليل المائية أو غير ذلك، لتطفو الشوائب على السطح وتفصل بعيدا عن الخام المركز،

ويستكمل الاستخلاص بعد ذلك بتسخين الخام مع مادة مختزلة وإضافات مناسبة حتى ينصهر الخليط، فتنفصل الشوائب كطبقة من الخبث الذي يطفو

فوق الفلز المصهور، ثم يسكب الخبث ليبقى مصهور الفلزنقيا، وقد صور القرآن كلتا العمليتين (غسل شوائب الخام، وفصل الخبث من الفلز) تصويرا صحيحا؛

معجزا لمن نزل فيهم بادئ الأمر، وشبه العمليتين تشبيها جميلا بفعل ماء السيل في إزالة الشوائب من وجه الأرض في الآية:

)  أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ

فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ( [الرعد: 17].

ينفرد الحديد عن سائر الفلزات في التنوع الشاسع في خواصه وخواص سبائكه، تبعاً لنسبة الكربون وعناصر الإشابة والمعالجة الحرارية والميكانيكية

التي تجري عليه، من لدونة وسهولة في التشكيل ألواحا وأنابيب وأعمدة ومسامير وغيرها، إلى مرونة كالزنبرك، إلى صلادة الدروع وصلب العدة،

وكلها "منافع للناس": آية بليغة معجزة من علم الله تحدى بها المكابرين منذ عصر البعثة إلى عصرنا الحديث.

بمعالجات حرارية معينة تكتسب سبائك الحديد والصلب لدونة وسهولة في التشكيل؛ وذلك ما هدى الله سيدنا داود عليه السلام إليه في قوله تعالى:

) وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ([سبأ: 10، 11].

سبائك الصلب خليط من الحديد مع عنصر أو أكثر. هذه العناصر المضافة تغير بنيته الداخلية فتجعله أكثر صلادة أو مقاومة للصدأ أو التآكل أو غير ذلك

من خصائص نافعة مطلوبة، ويشير القرآن إلى ذلك الفن بوضوح في قصة ذي القرنين، عندما هداه الله إلى إضافة النحاس المصهور "القطر" إلى الحديد

فأصبح صلدا مستعصيا:

) وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. فَأَتْبَعَ سَبَبًا ( [الكهف: 83، 84].

       ثم الآيات: ) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ

فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. ءَاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا.

فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (

 [الكهف: 94ـ 97].

تتميز الفلزات عادة باللدونة أي بقابليتها للتشكيل – في درجات الحرارة العادية أو بشيء من التسخين، إلا أنها إذا سخنت تسخينا شديدا ثم بردت تبريدا فجائيا

تفقد الكثير من لدونتها فتصبح قصفة – تتكسر أو تتفتت أو تتشقق تبعا لشدة التبريد، وإلى ذلك يشير القرآن في قصة السامري الذي صنع لبني إسرائيل تمثالا

عجلا من ذهب، فأمر موسى عليه السلام بتسخين التمثال تسخينا شديدا "حرقه" ثم تفتيته بالتبريد الشديد في الماء.

) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا( [طه: 97].