سماء الأرض:

فيديو: استمع واقرأ

وصفت السماء التي تعلو كوكب الأرض بأكثر من وصف علمي معجز منها: أنها طباق تملأ الفضاء، وليست مجرد لوحة مستوية أو قبة مرصعة بالنجوم والكواكب كما كان يتبادر للإنسان البدائي قبل الكشوف العلمية، وقد جاءت السماء في مواضع مختلفة للتعبير عن هذه الطباق المتعددة كما في قوله تعالى:

) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ( [الملك: 3].

) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ( [نوح: 15].

) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ( [النبأ: 12].

) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ( [المؤمنون: 17].

وقد يقصد بالطباق هنا: طبقات الكون الفسيح بامتداد النجوم في المجرات، والمجرات في الفضاء اللانهائي وهو ما نرجحه والله أعلم، وقد يقصد به طبقات الغلاف الجوي المحيط بالأرض.

سواء كان الغلاف الجوي هو المقصود بالطباق السبع، أو كانت سماء الكون على امتدادها هي المقصودة، وسواء كان الرقم "سبعة" مقصود لذاته أو كان كناية عن التعدد، فإن الحقيقة القرآنية قائمة وماثلة ومحققة: إن كل ما يعلو الأرض من سماء أو سموات إنما هو طبقات فوق طبقات. وصدق الله العظيم الذي وصف هذا التركيب العظيم المحكم "بالبناء":

)الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( [البقرة: 22].

)ءَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ( [النازعات: 27، 28].

)وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ( [النبأ: 12].

       ومن الأوصاف الأخرى المعجزة للغلاف الجوي "السماء" وصفه بلفظ "ذات الرجع" أي ترجع بخار الماء مطرا، وترجع الأجسام بالجاذبية، وترجع الأمواج اللاسلكية بانعكاسها من طبقة الأيونوسفير، كما ترتد منها الأشعة الحمراء فتدفئ الأرض ليلا، وترجع بخار الماء من المسطحات المائية مطرا تكثف: ) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ( [الطارق: 11].

       ومن الإعجاز أيضا وصف الغلاف الجوي "بالسقف المحفوظ": الذي تحفظه الأرض بالجاذبية – وللجبال في ذلك شأن طبقا لبعض الآراء – ليحفظ هو بدوره أكسجين الحياة؛ وثاني أكسيد الكربون اللازم لعمليات التمثيل الكلوروفيلي وتكوين الغذاء بالنبات؛ وبخار الماء لدورة المطر، ولولا حفظ الغلاف الجوي بالجاذبية لتسرب كل الهواء إلى الفضاء الخارجي، ولما كانت حياة – كما هو الحال في كثير من الكواكب: ) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ( [الأنبياء: 32].

الغلاف الجوي كذلك يحول دون تسرب الحرارة من الأرض إلى الفضاء الكوني الشديد البرودة حولها، وخلال الغلاف الجوي يتشتت ضوء الشمس ويتوزع، فنرى السماء مضيئة ويعم ضياؤها ربوع الأرض، بينما الفضاء الخارجي مظلم مظلم، تُرى فيه الشمس كمصباح بعيد معلق في ظلمة السماء، ومن آيات الغلاف الجوي للأرض أخيرا أنه يحفظها من الشهب التي تحترق خلاله، ومن الأشعة الكونية التي تهلك الزرع والضرع، وصدق الله تعالى في قوله:

 ) وجعلنا السماء سقفا محفوظا (.

       وهذا الغلاف الجوي مستمر متصل لا انفراج فيه (إلا ما قد يطرأ عليه بسبب سوء استخدام البيئة كثقب الأوزون)، كما عبر بذلك قوله تعالى:

) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ( [ق: 6].

ولعل من الإشارات القرآنية إلى هذا الغلاف المتصل أيضا، في معرض الحديث عن أحداث يوم القيامة، الإشارة إلى كشط السماء، أو انشقاقها، أو انفطارها كما في الآيات:

) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ( [التكوير: 11].

) إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ( [الانشقاق: 1].

) إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ( [الانفطار: 1].